الجوائز العربية.. علاقات و’تربيطات’.. وواقع يستلزم الثورة

حجم الخط
0

حمزة قناويتظل الغاية الكبرى والحلم الأساسي لكل كاتب أن يقرأه أكبر عددٍ من المتلقين ويتداول الجمهور أعماله لتنتشر حتى يُعرف بأسمائها. غير أن هناك مستوىً آخر من ‘الذيوع’ والانتشار لا يعتمد على ‘المقروئية’ وقيمة ما يُقدّم، إنما يعتمد على ‘الاحتفائية’ من خلال بعض الجوائز الكبرى التي ترصدها المؤسسات الثقافية وليس كلها – وتُعد بمثابة ‘موسم عامر’ لمن يجيد القنص وتفصيل المطلوب على مقاس شروط الجائزة، وفي مستوىً تالٍ وفق أمزجة واتجاهات لجان التحكيم، إذا كانت معلنة الشخصيات، أو ان كان يعلم المتسابق ‘المحظوظ’ من هم أعضاؤها حتى إن كانت سريَّة. من هنا، وقياساً على هذه القواعد وجدنا أن هناك مهزلةً سنويةً تحدث في المشهد الثقافي المصري من خلال جوائز الدولة، التي تعلن سنوياً في مختلف المجالات، ولا يكاد أعضاؤها يتغيرون، وبطبيعة الحال لا تخلو من أسماء صارت اللجان والجوائز حكراً على مشيئتها النقدية ورؤيتها، منهم طبعاً د.

جابر عصفور، ود. صلاح فضل (اللذان لا توجد هيئة تحكيمية لمسابقة عربية كبرى تخلو من اسميهما، أو هيئة استشارية لمؤسسة ثقافية ضخمة، إلا ويوجدان فيها بشكلٍ محير ويدفع للتساؤل: من أين يأتيان بالوقت للقراءة والنقد واستحداث المناهج وتقييم الأعمال، إذا كانا يتنقلان من مؤسسات الشرق العربي إلى مؤسسات غربه حاملين حقائب النقد الأدبي والنقد المالي أيضاً؟ ) هذه معادلة ‘النقد والنقد!’ لقد كنت طالباً أدرس في الجامعة على يد د. صلاح فضل، كان يُدرّسنا المذاهب الفكرية، وبعد أربع سنوات من الدراسة، أستطيع أن أؤكد لكم باطمئنان، أنني.. أنا ومعظم جيلي ودفعتي ومن تعلموا على يديه.. لم نتعلم منه شيئاً. بينما كان هناك الكثير من النقاد الآخرين الذين علمونا أن النقد (قبل إجرائياته ومناهجه الفكرية وأدواته ومذاهبه) هو موقف. موقف من الحياة. مبدأ مُتّبع. فكرة يُنحاز لها وفق أسس. وهو ما لم نجد منه شيئاً لدى الناقد الذي يحل ضيفاً دائماً على كل موائد المؤسسات، ويكتب في كل المطبوعات التي تدر ‘النقد’ مقابل ‘النقد’. كانت مرارتي كبيرة وأنا أرى هذا الأستاذ الذي علمنا لم يطبق شيئاً من مبدئيات النقد ومعناه. أما جابر عصفور الذي عملت تحت رئاسته لفترة بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر قبل أن يقيلوني لمقال نشرته بأخبار الأدب المصرية وتحدثت فيه عن بعض سلبيات المجلس والكيفية التي تُدار بها الأمور والجوائز والمكاسب والمحظوظين من حاشية الوزير وتابعه رئيس المجلس الأعلى للثقافة، فقد كان يجدُر به أن يكتشف أن القذافي ‘طاغية’ يوم تسلّم جائزته وقبِل المليون دولار فرحاً بها، لا بعد أن يُسقطه شعبه في ثورته فيخرج مُصرَحاً بأنه لا يقبل الجائزة منه – من طاغيةً على حد قوله (بعد سنوات من قبولها فعلياً ) وأنه سيرد المليون دولار للشعب الليبي.. ولم نسمع عن الأمر ثانيةً.. ولا عن دولار واحد وصل إلى الشعب الليبي للآن! قبلها كان عصفور قد قبِل بتولي وزارة انهيار النظام في مصر بتكليف مباشر من مبارك قبل خلعه بأيام، ووقف في الخندق المعادي للثورة.. هناك وضع نفسه. وهناك لم ينسها له مبدعو مصر الحقيقيون ومثقفو الوطن العربي الأحرار. إن النموذجين المذكورين في هذا المقال، ينسحبان على الكثير من النقاد الذين لا يتسمون بالنزاهة، ولم يدرسوا النقد إلا ليفتوا به على موائد الحُكّام، ولا يقدّمون رأياً نقدياً إلا بمقابل معلوم، للسائل غير المحروم. ومسألة الجوائز في مصر، إن كنت ضربت بها المثال، إلا أنها تتشابه في الكثير من الأقطار العربية، والكثير من المؤسسات الثقافية وليس المجلس الأعلى للثقافة فقط، الذي تتوزع فيه أصونت المحكّمين بين (النُقّاد) من جهة.. وهم رؤساء لجان في المجلس.. أي موظفون لا مبدعين.. و(كُتّاب) من جهةٍ أخرى، تحولوا أيضاً إلى موظفين بالفعل وعُيّنوا في أروقة المجلس وفي لجانه وصار همهم إرضاء الوزير ليبقيهم في ‘مجلس العز’ قريبين من المكتسبات وبَدَلات التحكيم والتصويت والتمثيل والسفر إلى المهرجانات.. إلخ، وهناك (الوزير) نفسه الذي له صوت في الجوائز من حقه الإدلاء به لصالح أحد المرشحين.

وهذا طبعاً يتحدد وفق موقفه السياسي من الوزير لا قيمته الإبداعية، ثم هناك ( رؤساء النقابات) الذين يحق لهم التصويت، ومن هنا لا أفهم مثلاً علاقة نقابة المهن التطبيقية الأعمال الحرفية في التصويت على جوائز الدولة في الأدب أو الفن التشيكيلي! وصحيح أن النموذج المذكور متعلّق بالجوائز الرسمية للدولة، ولكن جوائز المؤسسات الخاصة، وبعض الجوائز التي تقدّمها الوزارات العربية تتجسد فيها المهزلة بأقصى ما يمكن.. جمعني لقاءٌ عابرٌ بأحد (المثقفين) الذين يباهون بشغلهم أكثر من منصب ثقافي رفيع، وقد حكّم مؤخراً إحدى المسابقات الثقافية الكبرى بدولةٍ عربية. سألته.. كيف تأتّى له أن يختاروه لتحكيم هذه المسابقة، بينما هي تتبع مجالاً غير تخصصه، فقال لي مبتسماً إن المسألة عائدة إلى ناقدٍ كبير قام بترشيح اسمه لدى الجهة راعية المسابقة في الدولة العربية، ولما كان هذا الناقد علماً في بلده فقد وافقت الجهة على الترشيح فوراً. قال لي إنه كان في طريقه لبيته عندما اتصل به الناقد ليسأله ‘إن كان لديه وقتً ليسافر بضعة أيام للخارج ليحكّم المسابقة ويعود’ فوافق على الفور دون أن يعرف في أي مجالٍ هي! كان هذا هو المُحكّم.. فتخيلوا من سيكون الفائز.. وما هي معايير التحكيم؟ (تُرى من سيسأل أصلاً؟! هل هناك جدوى من التفكير؟) للأسف إن الكثير من الجوائز العربية (وليس كلها لكيلا نقع في فخ خطأ التعميم) صار يُدار بصورةٍ غير نزيهة ولا تحمل أدنى شروط القيمة والتحقق وإنما تتخذ شروطاً مستحدثة على شرط الإبداع وسابقةً له، تتمثل في المعارف والعلاقات وتبادل المنافع والمجاملات. وللأسف مرةً أخرى إن الكثير من أسماء النقاد الذين لم نسمع سوى بهم منذ وعينا أنا وثلاثة أجيال على الأقل وهم يحاصرون فضاءات الكلمات والنصوص في المطبوعات والمسابقات واللجان والهيئات، أتصور أنهم يجب أن يكونوا أحد ‘الآثار’ التي أتت الثورات العربية لتلغيهم من المشهد.. ليس أولهم الناقدان المذكوران، ولا آخرهم عبد المعطي حجازي الذي يكتب حالياً هواجسه وخوفه من فشل الثورة بمصر، بينما لم يكن يخلو لقاء لمبارك مع المثقفين إلا وكان في طليعته محتضناً إياه ومنشداً فيه الشعر كما فعل بعد حادث أديس أبابا- أو في لقاء مبارك الأخير بالمثقفين في قصر العروبة قبل الإطاحة به ليمنحهم من جيبه الخاص بعض الملايين لدعم الثقافة ليهلل بعدها حجازي وزمرته لاهجين بشكره.

إن الجوائز العربية، شأنها شأن الثقافة العربية، كالمجتمعات العربية، أوانٍ مستطرقة، إن طالت الثورة وعاءً / مجالاً منها تبعه الآخر، غير أنني وملايين الناس ـ نرى شعوباً تتطهر وأنظمةً تتغير، بينما تظل الثقافة ومجالها و’وجوهها’ تُكرّس لقيم الكذِب والانتهازية والمصالح. مرةً أخرى: هل هناك جدوى من التفكير؟ (هل هناك جدوى من أي شيء أصلاً)؟ * شاعر مصري مقيم في الخارج hotmail.com@hamza_qenawy

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية