الرباط ـ “القدس العربي” ـ من محمود معروف: لن يكون سهلا علي فؤاد عالي الهمة، رجل محمد السادس القوي، والذي اعفي من مهامه الرسمية يوم الثلاثاء الماضي، ان يتابع من بعيد اداء الوفد المغربي في الجولة الثانية من مفاوضات الصحراء الغربية التي بدأت الجمعة في منتجع مانهاست احدي ضواحي نيويورك، ليس فقط لانه شارك في الجولة الاولي وكان احد الاعمدة الاربعة التي جالت عواصم العالم لتقديم مقترح مغربي للسلام الصحراوي، بل الاهم انه مهندس المشروع المغربي الذي يرتكز علي منح الصحراويين حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية كحل دائم ونهائي للنزاع وهو ما ترفضه جبهة البوليزاريو.
واعفاء الهمة من منصبه الرسمي كوزير منتدب في الداخلية، طغي علي المفاوضات التي يراهن عليها المغاربة لحل نزاع دام اكثر من ثلاثة عقود ويؤرق الحياة السياسية المغربية، وبقي لليوم الثاني علي التوالي يحتل خبر ابعاده الحيز الاكبر من الصفحات الاولي للصحف المغربية وتخصيص عدد من الصفحات الداخلية لردود الفعل والتعليقات والتحليلات فيما هو يواصل اعتكافه في منزله في الرباط قبل التوجه الي ابن جرير مسقط رأسه لخوض معركته الانتخابية التي تبدأ يوم 25 اب (اغسطس) الجاري بحملة انتخابية تسبق تشريعيات 7 ايلول (سبتمبر) اللقادم.
وبعد ان ذهبت التحليلات الي ان الهمة غادر الداخلية ليعود عبر بوابة البرلمان رئيسلا للحكومة فإن اخر ما ورد من مصادر صحافية ان اعفاء الهمة من منصبه الرسمي في الداخلية قفزة نحو رئاسة مجلس النواب.
وكل التحليلات الواردة تنطق من التقديرات وليس المعلومات، فالرجل لا زال ملتزما الصمت بعد نفيه في تصريحات لوكالة الانباء المغربية اي بعد سياسي لاعفائه، لكن التحليلات فتحت نقاشات في الاوساط الحزبية والصحافية حول مسألتين اساسيتين الاولي تتعلق بالوزارة الاولي والثانية حول ديمقراطية مغادرته موقعه الرسمي في الداخلية لخوض الانتخابات التشريعية انسجاما مع المساواة بين المواطنين ودعوة اوساط الي الوزراء المرشحين في الانتخابات للحذو حذو الهمة وتقديم استقالتهم.
واذا كان الدستور المغربي لا يلزم الملك بكيفية اختيار رئيس حكومته وان اشترط حصولها علي اغلبية برلمانية، فإن العاهل المغربي الملك محمد السادس التزم في خطاب له باختيار وزيره الاول من صفوف الاحزاب الممثلة بمجلس النواب دون ان يحدد ان كان الوزير الاول عضوا في المجلس ام لا.
وبالتالي اذا كان عين الملك علي فؤاد الهمة وزيرا اولا فإنه لم يكن من الضرورة ان يخوض غمار الانتخابات او حتي يعفي من مهامه فادريس جطو الوزير الاول الحالي جاء الي الوزارة الاولي من وزارة الداخلية ولم يكن عضوا في البرلمان.
وكانت مسألة اختيار ادريس جطو كوزير اول تقني او لا منتمي للاحزاب قد اثار في 2002 موجة انزعاج في الاوساط الحزبية المغربية وقال الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الحزب الاول في مجلس النواب ان الاختيار خروج عن المنهجية الديمقراطية.
والملك محمد السادس لا يريد لاول حكومة بعد انتخابات ايلول (سبتمبر) ان تقابل بنفس ردود الفعل الذي شاطرت فيما بعد احزاب اخري الاتحاد الاشتراكي موقفه.
وفؤاد عالي الهمة، دخل مجلس النواب في 1993 مرشحا علي لوائح الحركة الشعبية، وهي جزء من الاغلبية الحالية الا انه يتردد انه سيخوض الانتخابات مستقلا او خارج اطار لوائح الاحزاب المتنافسة وهذا يعني مسبقا حسب التزام العاهل المغربي انه غير مرشح للوزارة الاولي.
المسألة الاخري التي اثارتها الصحف ما كان قد ورد في بلاغ القصر الملكي من ان اعفاء فؤاد الهمة من منصبه رغبة منه للترشح في الانتخابات مع كافة المواطنين وبدون تمييز او استثناء بين المرشحين وما حملته الصحف من تأويل من انها دعوة لكافة الوزراء المرشحين في الانتخابات لتقديم استقالاتهم وهي دعوة قابلاتها الاحزاب المشاركة بالحكومة بالامتعاض ووصفتها بالشعبوية.
وقالت صحيفة العلم لسان حزب الاستقلال تحت عنوان المنطق والسياق ان هذه الدعوات يعوزها المنطق السليم اذ تبقي الحكومات القائمة مشرفة علي الانتخابات حتي نهايتها، بل ان وزير الداخلية يكون احيانا ضمن قائمة المرشحين للانتخابات التي يشرف عليها واحيانا تأتي النتائج ضد الاحزاب المشاركة بالحكومة التي اشرفت عليها وتقترح العلم ان المنطق السليم في الدول الديمقراطية ان الوزراء المنتمين يترشحون للانتخابات لتقديم الحساب للناخبين.
واضافت ان هذا المنطق يحتم الاقتداء بالنموذج المتطور وليس الانجراف وراء الخطابات الشعبوية التي لا تنظر بطبيعتها الي عمق الاشياء بقدر ما تقتصر علي كل ما هو سطحي وتحاول الرجوع بالمغرب الي الخلف.
وقالت صحيفة الاحداث المغربية (مستقلة) ان استقالة الوزراء ليس تقليدا ديمقراطيا وليست الا مظهرا للعجز وانعدام الضوابط واشارت الي تجربة سابقة في المغرب استقال الوزراء المرشحون للانتخابات وجيء بغيرهم وكانت نتائج العملية الانتخابية كارثية.