عاموس هوكشتاين، المبعوث الأمريكي للرئيس بايدن، صرح مؤخراً بأنه لن يأتي إلى الشرق الأوسط مرة أخرى إلا إذا ظهرت في الأفق احتمالات حقيقية للتوصل إلى صفقة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. هوكشتاين تردد بعد الانتخابات الأمريكية، لكنه أخيراً اتخذ القرار وجاء إلى لبنان أول أمس، وأمس وصل إلى إسرائيل. مصادر لبنانية وأمريكية – سواء استندت إلى شيء أم لا، تنشر تفاؤلاً حذراً فيما يتعلق باحتمالية التوصل إلى الاتفاق، وتقول إن “80 في المئة من المشكلات” تم حلها.
نقاط الاختلاف المركزية، التي بقيت عالقة حسب التقارير الأخيرة من لبنان، تتعلق بتحديد حق إسرائيل في العمل حال خرق الاتفاق، وبالتدخل الأمريكي في الإشراف على تنفيذه. الأمين العام لحزب الله الجديد، الشيخ نعيم قاسم، قال أمس في خطاب ألقاه في بيروت إن الحزب يوافق على اقتراح الوساطة الأمريكية، وإن كل شيء الآن يتعلق بإسرائيل. تقديرات إسرائيل أكثر حذراً؛ ما زال بإمكان الاتصالات أن تستمر لفترة معينة رغم التوجه الإيجابي. من المرجح الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً في المرحلة الأولى، يحاولون خلالها التوصل إلى تفاهمات بعيدة المدى وملزمة.
ما تريد إسرائيل تحقيقه باستثناء وقف القتال في لبنان، هو قطع العلاقة بين جبهتي الحرب الأساسيتين، لبنان وغزة. الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله، الذي اغتالته إسرائيل في نهاية أيلول، صمم على العلاقة بين الساحات ورفض وقف إطلاق النار في لبنان ما لم يتم التوصل إلى اتفاق في غزة. أما قاسم، فألمح مؤخراً بأنه يمكن التوصل إلى اتفاق منفصل في لبنان، ولم يتراجع عن ذلك في خطابه أمس. هذه الخطوة ستمكن الجيش الإسرائيلي من تقليص نشر القوات في الشمال والتركيز على أعمال الإعمار والاستعداد الأمني للوضع الجديد هناك، في الوقت الذي يستمر فيه القتال في الجنوب. إسرائيل تجد صعوبة أكثر مما كان في السابق في التنبؤ بخطوات حزب الله القادمة، على خلفية التغييرات الكثيرة في قيادة الحزب. جزء من القيادة الرفيعة الجديدة التي تم استدعاؤها لاستبدال القادة والزعماء الذين قتلوا، غير معروفين للاستخبارات الإسرائيلية الآن.
اعتبارات إسرائيل واضحة، رغم أن على الحكومة إقناع سكان الحدود الشمالية للموافقة على العودة بأمان إلى بيوتهم، فإن اعتبارات حزب الله معروفة: معظم قيادة الحزب العليا السياسية والعسكرية قتلت في الأشهر الأخيرة، وتم تدمير جزء كبير (70 – 80 في المئة) من قوة نيران، وتجاوز عدد الإصابات في صفوفه -حسب تقدير الجيش الإسرائيلي- الـ 3 آلاف قتيل. لذا، الحزب بحاجة إلى الهدوء. كما أنها باتت رغبة جميع الطوائف الأخرى في لبنان، التي نزل عليهم الدمار بسبب المواجهة مع إسرائيل.
اللاعبة الأهم من وراء الكواليس هي إيران. فقد وصل إلى بيروت مبعوث آخر قبل هوكشتاين، وهو الشخصية الإيرانية الرفيعة علي لاريجاني، مبعوث الزعيم الأعلى علي خامنئي. وأجرت إيران حساباً أوسع، وبالنظر إلى الأمام، قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض. إيران تخشى من خط أمريكي متصلب أكثر بقيادة ترامب. هم يريدون التوصل إلى اتفاق يقلص العقوبات على اقتصادهم المتعثر، ويرفع تهديد هجوم عسكري، مقابل وقف تقدم المشروع النووي. في إطار ذلك، جرى جس نبض من جانبهم تجاه الإدارة الجديدة، وهكذا تزداد الإشارات إلى أن إيران في هذا الإطار مستعدة لكبح حزب الله لإنقاذ ما تبقى من قوته العسكرية، وفي محاولة لحل المواجهة حول المشروع النووي.
الوعود والواقع
رغم التنبؤات المتفائلة ما زالت الصورة العسكرية معقدة. فكل يوم يطلق حوالي 100 صاروخ وعدد من المسيرات على شمال البلاد. ومرة كل يومين أو ثلاثة أيام يتم إطلاق الصواريخ نحو المركز أيضاً. بطء سيطرة الجيش الإسرائيلي على خط القرى الثاني جنوبي لبنان، شمال الحدود، تصطدم في الواقع بمقاومة قليلة نسبية من قبل حزب الله، ولكنه ينجح مع ذلك في إلحاق الإصابات بإسرائيل كل يوم.
بعد احتلال خط القرى الأول قبل نهاية تشرين الأول، سرحت إسرائيل جزءاً كبيراً من قوات الاحتياط التي عملت في جنوب لبنان، واستخدمت عدداً أقل من القوات التي في معظمها قوات نظامية، في هذه المنطقة. التقدم نحو الخط الثاني جزئي، لكن إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق فستقرر الحكومة إبقاء الجيش في لبنان، وستضطر لحسم ما إذا كانت تشن هجوماً برياً آخر نحو الخط الثالث، المحاذي لنهر الليطاني. في هذه الحالة، يجب تجنيد الاحتياط من جديد بشكل واسع، الذي سيثقل العبء على جهاز الاحتياط وأبناء عائلات الجنود.
الانشغال الكثيف بلبنان يدل على رغبة الحكومة في إنهاء القتال هناك، حتى الجناح اليميني المتطرف في الائتلاف لا يدفع نحو بقاء طويل في جنوب لبنان ولا يتحدث عن إقامة مستوطنات في المنطقة. هذه الأحزاب تركز على ما يحدث في غزة وتضغط على نتنياهو لإقامة حكم عسكري في أجزاء من القطاع تجهيزاً لإعادة المستوطنات، بعد عشرين سنة على الانفصال. وألمح نتنياهو لرؤساء أحزاب “قوة يهودية” و”الصهيونية الدينية” بأنه سيكون منفتحاً على مثل هذه الأفكار، لكنه يفضل الانتظار إلى حين اتضاح موقف ترامب.
في غضون ذلك، ينثر رئيس الحكومة مرة أخرى تنبؤات متفائلة حول مصير المخطوفين. ففي خطاب ألقاه في الكنيست أول أمس، تحدث فجأة عن الأمل في إعادة عشرات المخطوفين قريباً. وقبل يومين، أجرى نقاشاً في الليل حول المخطوفين مع قيادة جهاز الأمن، ويلمح من هم في محيطه إلى أن الاتفاق في لبنان سيمكن من نقل الضغط إلى غزة والمضي بصفقة تبادل. ولكن مصادر تنشغل بموضوع المخطوفين، شككت بواقعية هذه الأقوال. حسب رأيهم، يعود نتنياهو للعب على الوقت، ويحاول إزالة ضغط عائلات المخطوفين وحركات الاحتجاج عنه، بدون التوصل إلى اتفاق يقتضي تقديم تنازلات ويؤدي إلى أزمة مع شركائه في اليمين المتطرف.
عاموس هرئيل
هآرتس 21/11/2024