بدلا من تقديم فاتورة الحساب يُعطونه المزيد من الميزانيات والألعاب الحربية
في البداية كان هؤلاء هم الأهالي القلقين الذين وضعوا في الخزينة في هذا العام ثمانية مليارات شاقل. بعدهم جاء العم سام وأرسل رزمة مفاجئة اخري تتضمن 2.5 مليار شاقل مع وعد بـ126 مليار شاقل للعقد القادم. والآن أخذ الاولاد يتشاجرون بعد أن حصلوا فجأة علي تصريح بشراء كل ما يحلو لهم من حانوت الدمي والألعاب الأكبر في العالم.
علي هذا النحو يقف ممثلو الأذرع المختلفة في الجيش الاسرائيلي أمام المعارض المكدسة بخيرة أصناف السلاح ويجدون صعوبة في تحديد كيفية توزيع هذه الغنيمة. من يرتدي زيا أزرق يطلب الطائرات الحربية المراوغة اف- 35 ، أما صاحب الزي الابيض فيدعي أنه لا مفر من شراء بوارج حربية حديثة، والثالث (البني الفاتح) فيُصر علي شراء مئات المجنزرات الامريكية من طراز سترايكلر والكثير من دبابات سيمن ـ 4 . المشرف علي كل هؤلاء هو الرئيس القديم – الجديد الذي نقش شعار جيش صغير وذكي، والذي لا يكتفي بكل هذه الاسلحة ويدعي أن من الواجب اضافة فرقتين جديدتين مدرعتين للجيش. وهو لا يكتفي بذلك قائلا أنه لا مفر من استثمار مليارات اخري كثيرة في جهاز دفاعي متعدد الطبقات لحمايتنا من الصواريخ الايرانية واللبنانية ومن قسام حماس.
الأمر الأكثر مفاجأة من كل ذلك هو أن هذا الهوس الجنوني يحدث أمام أعيننا من دون أن يطالَب الجيش الذي انكشفت عورته أمامنا في الصيف، بتقديم فاتورة الحساب وتوضيح ما فعله بالضبط مع المليارات التي حصل عليها في العقد الأخير. جهاز الدفاع حصل علي 470 مليار شاقل منذ عام 1998 (بحسابات جافة). رئيس هيئة الاركان الذي قال للوزراء في جلسة الحكومة: انا أُحذِّر من أن المسؤولية ستقع علي كاهلكم اذا لم تتم الاستجابة لطلباتنا، هو لم يطالَب باعطاء تفسير لتوجه الجيش الاسرائيلي للحرب من دون أن يكون لدي مقاتليه سُتر واقية وتجهيزات قتالية أساسية، وعدم توفير دروع ملائمة لدباباته رغم حصوله علي ميزانية أمنية سنوية تقترب من 50 مليار شاقل.
بعد فشل حرب لبنان الثانية اختار قادة الجيش الحل الأسهل: المزيد من التسلح وتوسيع صفوف الجيش. ولكن ليس العتاد هو ما يحتاجه الجيش الاسرائيلي أو زيادة الميزانية، وانما العودة الي التفكير الابداعي الخلاق الذي تميز به قادته في الستينيات. علي سبيل المثال مطلب شراء دبابات ميركافا اضافية الذي يُجسد الجمود الفكري الذي أُصيب به قادة الجيش. احتمالية تحقق سيناريوهات القتال التي تُستخدم فيها آلاف الدبابات شبه معدومة، وفي تلك الحالات التي ستكون فيها حاجة لاستخدام المدرعات يمتلك الجيش كميات كافية من الدبابات. عهد الحروب المباشرة في منطقتنا قد ولّي. حرب المستقبل سترتكز علي استخدام الجو والصواريخ البالستية والصواريخ قصيرة المدي وأطر القتال البرية الصغيرة. هذه هي العبرة من حرب لبنان الثانية. من الأجدر في هذا السياق أن يقول لنا ايهود براك ما هو السيناريو الذي يفكر به وهو يطلب زيادة فرقتين أخريين لصفوف الجيش. عندما طالب قادة الجيش باضافة 30 مليار شاقل للميزانية الأمنية مع انتهاء الحرب في لبنان، بدا ذلك مطلبا مبالغا فيه. الآن يتضح أن هذا كان في الواقع طلبا متواضعا. لجنة بروديت التي كشفت الحيل، كما أسماها، التي يلجأ اليها الجيش في مواجهة صانعي القرار ـ أوصت خلافا للنتائج التي توصلت اليها باضافة 90 مليار شاقل في العقد القادم لميزانية الدفاع. هذه الاضافة التي قبلتها الحكومة من دون اعتراض ستزداد بـ 25 ـ 28 مليار شاقل إثر قرار الادارة الامريكية بزيادة المساعدة الأمنية السنوية بـ 600 ـ 700 مليون دولار.
من الممكن فقط تخمين تأثير التقليص المتواضع بنسبة 2 في المائة فقط من ميزانية الدفاع علي المجتمع والاقتصاد في اسرائيل. من الممكن ايضا تخمين ما الذي كان يمكن فعله بعشرة مليارات شاقل في العقد الأخير في مجالات الرفاه الاجتماعي والتربية والبني التحتية. ولكن هذا الأمر لن يحدث بالطبع لانه لا توجد في اسرائيل بقرة أكثر قداسة من ميزانية الدفاع. المرضي سيواصلون كفاحهم من اجل الحصول علي سلة أدوية ملائمة، والناجون من الكارثة النازية سيواصلون نضالهم من اجل الحصول علي احتياجاتهم الوجودية الأساسية وفي هيئة الاركان العامة سيواصلون مشاجراتهم حول الألعاب التي سيشترونها من الحانوت، هل هي الطائرة المراوغة أم دبابة المركفاه.
رؤوبين بدهتسوركاتب دائم في الصحيفة(هآرتس) 26/8/2007