الخرطوم ـ «القدس العربي» : أعلن الجيش السوداني، أمس الأربعاء، إخلاء المثلث الحدودي مع مصر وليبيا في إطار ما وصفها بـ «ترتيبات دفاعية لصد العدوان»، وذلك بعد اتهامه لقوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر بدعم هجوم لـ« الدعم السريع» التي أكدت فرض سيطرتها على المنطقة.
نقطة التقاء
وقالت «الدعم» إنها كبدت الجيش خسائر فادحة في الأرواح والعتاد واستولت على عشرات المركبات، مشيرة إلى أن انفتاح قواتها على محور الصحراء الشمالي يعد تحولاً استراتيجياً في تأمين الحدود وحماية البلاد.
وأوضحت أن المثلث يشكل نقطة التقاء محورية بين السودان ومصر وليبيا والسيطرة عليها تعد خطوة نوعية، سيكون لها ما بعدها على امتداد عدة محاور قتالية خاصة في الصحراء الشمالية، كما يسهم هذا الانتصار بزعمها في مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر على الحدود السودانية.
وسبق إعلان «الدعم» بيان صحافي للناطق الرسمي باسم الجيش أعلن عبره إخلاء المثلث الحدودي لترتيبات دفاعية لصد العدوان.
وقال المتحدث العميد نبيل عبد الله إن «الدعم» مسنودة بقوات خليفة حفتر الليبية «كتيبة السلفية» هاجمت نقاطا حدودية في منطقة المثلث. وعد الخطوة عدواناً سافراً على السودان وأرضه وشعبه وامتداداً للمؤامرة الدولية والإقليمية والمدعومة من دولة الإمارات وميليشياتها في المنطقة.
وأكدت مصادر مطلعة لـ «القدس العربي» انعقاد اجتماع طارئ لمجلس الأمن والدفاع السوداني لمناقشة تداعيات سيطرة «الدعم السريع» على المثلث واتهام الجيش قوات خليفة حفتر بالتدخل في الحرب السودانية والتوغل في حدود البلاد.
وقال مصدر ميداني لـ «القدس العربي»، إن «قوات الدعم السريع هاجمت منطقة المثلث عبر محورين، الأول عن طريق قوات كانت تتجمع في منطقتي الزرق والمالحة وتقدمت شمالاً، والآخر من داخل ليبيا وبمساندة من كتائب موالية لـ«خليفة حفتر»
وأشار إلى أن الدعم السريع استولت على المحطات الحدودية وبعض المعسكرات التابعة للقوة المشتركة للحركات المسلحة المساندة للجيش، بالإضافة إلى احتجازها عددا من الشاحنات المحملة بالمؤن والبضائع التي تتبع لمواطنين يعملون في التجارة الحدودية.
وتقع منطقة المثلث في موقع جغرافي واستراتيجي مهم في أقصى شمال غرب البلاد، وهي نقطة حيوية وتعد معبراً حدودياً مهما يربط السودان مع دولتي مصر وليبيا.
وفي عام 2010 اتفقت كل من الخرطوم وطرابلس على تكوين قوات مشتركة لحماية الحدود التي تنشط فيها عصابات الهجرة غير الشرعية لكن لم يستمر الطرفان في إنفاذ الاتفاق.
ويشار كذلك إلى أن المنطقة تعرف باعتبارها مركزاً اقتصادياً تنتعش فيه تجارة الحدود والتعدين الأهلي للذهب، وهي من المناطق الغنية بالثروة المعدنية رغم تمددها في مناخ صحراوي قاس.
فيما قال الجيش الليبي بقيادة حفتر إنه تابع باستغراب شديد بيان الجيش السوداني ومزاعمه بالتدخل في مناطق حدودية، مبيناً أن دوريات لقواته تعرضت لاعتداء من قوات سودانية خلال تأمينها الجانب الليبي من الحدود.
اتهم حفتر بمساندة هجوم لقوات «الدعم» التي أعلنت سيطرتها على المنطقة
وشدد على أن القوات السودانية كررت اعتداءاتها على الحدود الليبية وأنها تعالج الوضع بهدوء.
كما قالت وزارة الخارجية والتعاون الليبي في طرابلس إنها تابعت تصريحات الناطق باسم الجيش السوداني، بشأن مشاركة مجموعة مسلحة ليبية في اعتداءات على الجيش السوداني، مشيرة في بيان لها الى أن المجموعة المشار إليها لا تتبع لسلطة وزارة الدفاع الليبية.
وأعرب البيان عن استنكاره الشديد ورفضه التام للزج بأبناء الوطن في أعمال من شأنها زعزعة أمن حدود الدول «الشقيقة» واستقرارها، مجدداً دعم حكومة الوحدة الوطنية الثابت لأمن السودان واستقراره ووحدة أراضيه.
مواجهات عنيفة
والأسبوع الماضي، شهدت المنطقة الحدودية بين السودان وليبيا مواجهات عنيفة بين القوة المشتركة للحركات المسلحة المساندة للجيش، وكتيبة «سبل السلام» التابعة لقوات خليفة حفتر في ليبيا، وأدى القتال إلى سقوط قتلى وأسرى من الطرفين.
وبيّن الجانب السوداني أن القوة الليبية تسللت إلى داخل الحدود، بينما تحدث الطرف الآخر عن أن القوة المشتركة للحركات هاجمت دورية تتبع لأحد كتائبه داخل الحدود الليبية.
وفي السياق، قال المحلل السياسي أيمن إبراهيم لـ «القدس العربي»: «إنه من الواضح أن هجوم وسيطرة الدعم السريع على منطقة المثلث تمت بتنسيق بينها وقوات خليفة حفتر والتي نفت أي علاقة لها بالصراع في السودان، ولم تأت على ذكر الدعم السريع في البيان الذي أصدرته رداً على الجيش السوداني، مشيراً إلى أن الدعم السريع بدورها أصدرت بياناً لم تشر فيه على غير عادتها إلى اتهامات الجيش السوداني لها بمهاجمة الموقع مسنودة بقوات خليفة حفتر.
ورأى أن المعلومات تشير إلى أن قوات حفتر تمركزت عند الحدود منذ أسبوع قبل الاشتباك مع القوة المشتركة، ما يشير إلى أن هناك تنسيقاً بينها وبين الدعم السريع للسيطرة على المنطقة الاستراتيجية، والتي قد تدفع بمصر أيضا إلى اتخاذ موقف بسبب اشتعال جبهة جديدة على مقربة من حدودها. ولفت كذلك إلى أن الدعم السريع تسعى إلى تهديد الولاية الشمالية بهدف تخفيف الضغط على قواتها في محور كردفان، بجانب الحصول على إيرادات تجارية من المثلث وكذلك على إمداد عسكري عبر الحدود من ليبيا.
وكان قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو المدعو «حميدتي» جدد الثلاثاء الماضي اتهاماته لمصر بدعم الجيش السوداني، مشيراً إلى منحه ثماني طائرات. كما توعد «حميدتي» بمهاجمة شمالي السودان وشرقه حتى بورتسودان إلى جانب مدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان.
وفي وقت متأخر من مساء الثلاثاء الماضي، هاجمت كذلك مسيرة تتبع للدعم السريع مدينة الدبة، واستهدفت منشآت خدمية مما أسفر عن إصابة 3 أشخاص بجروح، وذلك حسبما أعلنت السلطات المحلية أمس.
ضابط سابق في الجيش السوداني قال لـ «القدس العربي» إن «التحركات الأخيرة للدعم السريع من الداخل الليبي تأتي بعد الضغوطات التي مورست على الرئيس التشادي محمد دبي من قبل الجنرالات المعترضين على استخدام قاعدة أم جرس لإمداد الدعم السريع، وبالتالي فكرت الأخيرة ومن يقف خلفها مثل دولة الإمارات في تمرير مواد تموين القتال عبر طريق آخر وهو خليفة حفتر «.
وأضاف: «كل الطائرات التي كانت تهبط في مطار أم جرس التشادي انتقلت حسب المعلومات للهبوط في الكفرة الليبية التي أنشئت فيها أيضا معسكرات للتدريب واستجلاب المرتزقة».
وأكد أن الهدف من التحرك الأخير نحو المثلث هو الحد من حركة الجيش والقوات المشتركة فيما يتعلق بعمليات فك الحصار عن مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، بجانب محاولة الوصول إلى الولاية الشمالية بما يتضمن مدن دنقلا ثم مروي والدبة، بالإضافة إلى تخفيف الضغط على قواتها في محاور ولايات كردفان فضلاً عن محاولة جر مصر للقتال.
وأوضح أن منطقة المثلث بعيدة عن المدن التي تسيطر عليها الدعم السريع، وبالتالي الفائدة منها ستكون ضعيفة. وأشار إلى احتمالية أن تسعى الدعم السريع لاستخدام المنطقة كقاعدة متقدمة لقواتها.
عمليات خطف
إلى ذلك، كشفت مصادر محلية لـ «القدس العربي» عن استدراج عناصر يتبعون لقوات «الدعم السريع» مجموعة من الشباب الذين كانوا في طريقهم للخروج من مدينة الفاشر غرب السودان واقتيادهم إلى جهات مجهولة.
وقالت إن الدعم السريع استدرجت نهار أمس الأربعاء العشرات من الشباب في منطقة «قرني» شمال غرب الفاشر كانوا في طريق خروجهم من المنطقة التي تشهد مواجهات مستمرة، حيث تم اختطافهم بواسطة عربة شحن وفي حراسة ثلاث عربات قتالية واقتيادهم نحو جهات مجهولة شرق الفاشر. وأمس الأول دعا قائد ثاني قوات الدعم السريع، أخو «حميدتي» غير الشقيق عبد الرحيم دقلو، في خطاب له، القوات المشتركة للاستسلام والمواطنين للخروج من مدينة الفاشر، في حين سخرت القوة المشتركة للحركات المسلحة من دعوة دقلو.
وقالت في بيان لها أمس إن دقلو خسر الخرطوم ومدني وغيرهما من المدن وخرج ذليلاً مكسوراً، مضيفة: أن من هزم في 212 معركة على أسوار الفاشر ليست له الصلاحية أن يدعو خصومه للاستسلام.
ووصفت محاولة دقلو استمالة شباب الفاشر بـ «البائسة»، وقالت إنها تأتي بعد فشله الذريع في غزو المدينة، وإنه دليل على خسائره المتكررة وإفلاسه العسكري.
وتشهد الفاشر منذ أكثر من عام مواجهات دامية بين الجيش المسنود بالحركات المسلحة والمقاومة الشعبية وقوات الدعم السريع، وميليشيات القبائل المتحالفة معها
وفي آخر إحصائية لها قالت شبكة أطباء السودان إن (179) شخصاً قتلوا في القصف المتعمد للدعم السريع على الفاشر خلال مايو/أيار الماضي إلى جانب وفاة 12 آخرين بسبب الجوع وانعدام المواد الغذائية والدواء.