الجيش لن يكون طرفا في السياسة او الحكم

حجم الخط
0

الحماسة التي تملكت حركات الاحتجاج لسماع بيان الجيش، الذي منح الاطراف 48 ساعة ‘للاستجابة لارادة الشعب’، كفيلة بان تشهد ظاهرا على تفسير واحد ووحيد لهذا البيان: على مرسي أن يرحل، والا فان الجيش سيأخذ الحكم. ولكن البيان غامض بما فيه الكفاية بحيث يرى الاخوان المسلمون فيه أيضا، وان كان بصعوبة، تحذيرا لمن يحاول المس بشرعية الحكم.
مثلما قبل نحو سنتين ونصف السنة، عندما أخذ المجلس العسكري الاعلى الحكم الى يديه، هذه المرة ايضا يشدد بيان الجيش على أن ليس في نيته ان يكون طرفا في السياسة او الحكم في الدولة. ولكن عندما يوضح الجيش ان في نيته وضع ‘خارطة مستقبل’ لحل الازمة، فانه على أي حال يجعل نفسه جزءا لا يتجزأ من الحكم. والاصح، هو الحكم.
بيان الجيش يضع نفسه في وضع مفعم بالمعضلات. فالطرفان، حركات الاحتجاج والاخوان المسلمين، لا يريدان حكم الجيش. كان هذا موقفهما قبل نحو سنتين، عندما واصل الجيش الحكم بعد الانتخابات للبرلمان. ومقارنة بالاخذ السلس نسبيا للحكم من جانب الجيش في اعقاب اسقاط مبارك، الفترة التي تعاون فيها الاخوان المسلمون مع حركات الاحتجاج العلمانية ورأوا في الجيش حلا مؤقتا مناسبا، فان هذه المرة الخصومة بين المعسكرات عميقة بشكل لا مثيل له.
الاخوان، الذين سيكونون اكثر المتضررين من خطوات الجيش، سيحاولون ان يمنعوا حتى بالعنف كل محاولة لالغاء انتصارهم ووضعهم في مكانة متساوية مع حركات المعارضة، التي خسرت في الاختبار السياسي في الانتخابات.
اذا اراد الجيش تطبيق خريطة طريق، فان عليه أن يضمن أولا ان يوافق الطرفان عليها، كي لا يتحول على الفور ليصبح عدوا لنحو نصف الشعب ويعرض نموذجا متجددا من نظام مبارك. الامكانية العملية هي ان يسمح الجيش لمرسي بان يكون رئيسا مؤقتا الى ان يتقرر موعد جديد وقريب لانتخابات الرئاسة والبرلمان. وفي هذه الاثناء يعين الجيش، بالتعاون مع مرسي، حكومة جديدة. فالحكومة الحالية على اي حال محطمة واستمرار وجودها كان أحد الاسباب الاساس للاحتجاج.
سؤال مهم آخر يتعلق بالدستور الذي اقر في استفتاء شعبي في كانون الاول/ديسمبر 2012 باغلبية 64 في المئة. هذا الدستور هو لب لباب الاحتجاج: فالمتظاهرون يطالبون بالغائه او تعديله بشكل جوهري. واذا اراد الجيش استقرار الدولة فان عليه ان يعلن الغاء الدستور، اقامة لجنة صياغة جديدة واقرار الدستور المعدل في استفتاء شعبي. هذا اجراء طويل ومضنٍ في اثنائه ستجد الدولة صعوبة في اداء مهامها. فضلا عن ذلك، فانه ليس من صلاحية الجيش الغاء الدستور، والسؤال هو اذا كان يريد أن يعمل في هذه المرحلة خلافا لصلاحياته الدستورية، ويحطم بذلك كل الاجراءات الدستورية التي اقرت حتى الان.
ان أخذ صلاحيات كهذه من شأنه أن يضع الجيش في مسار الصدام ليس فقط مع الاخوان المسلمين الذين يرون في انجازهم السياسي خطا أحمر لا يجب تجاوزه، بل وايضا مع حركات الاحتجاج، التي ستكون مطالبة بان تشرح كيف تسمح للجيش بان يقرر اجراءات صياغة الدستور واقراره وبالتالي خرق ما يصفونه بانه ‘قيم الثورة’ اي الثورة الديمقراطية من دون اكراه عسكري.
ان تحديد جدول زمني قصير، يومين ضاعت منهما منذ الان ساعات عديدة، كفيل بان يشهد على أن الجيش اتخذ منذ الان القرار وانه يعتزم اخذ الحكم في يديه. ولكن في الفترة الزمنية المتبقية كفيل بوزير الدفاع عبد الفتاح السيسي أن يحاول ان يفرض على الطرفين تنازلات متبادلة، بما فيها تغيير مواد في الدستور، اشراك حركات الاحتجاج في حكومة جديدة وتحديد موعد للانتخابات البرلمانية التنازلات التي اذا ما اتفق عليها، سيدعو الطرفان مؤيديهم الى التفرق وبالتالي اعفاء الجيش من مواجهة المعضلات القاسية وابقائه في قواعده.
اذا حاكمنا الامور حسب ردود فعل المتحدثين من المعسكرين، فان احتمال الحوار والتوافق بين الطرفين طفيف جدا. فحركات الاحتجاج واثقة من أن موقف الجيش يعمل في صالحها، والاخوان المسلمون، المستعدون للحوار، يرفضون بحزم، علنا على الاقل، كل تنازل عن انجازاتهم السياسية والدستورية.
سيواصل الطرفان بالتالي خوض مظاهراتهم المنفصلة في القاهرة وفي مدن اخرى، التي يرتفع ثمنها بالارواح كل يوم. وهنا يكمن الخطر الاكبر الذي يخشاه الجيش. مع أن عدد القتلى قليل نسبيا، ولكن اذا ما ثارت الخواطر وأصبحت الاسلحة الكثيرة التي توجد في ايدي المواطنين سلاحا سياسيا، فان ميادين القاهرة ستشهد حمام دماء. اذا كان هذا سيكون التطور، فان المسائل السياسية ستتنحى جانبا والجيش سيستدعي نفسه ليس فقط للسياسة، بل وللشوارع ايضا. سيناريو الرعب هذا كفيل بان يقصر مدة الانذار الذي اصدره الجيش.

هآرتس 3/7/2013

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية