الجيش.. ولحظات تقرير المصير

حجم الخط
0

محمد السيد غنايمفي عام 1986 أثناء أحداث الأمن المركزي الشهيرة في مصر تصرف الجيش بحسم، وسأروي لكم من خلال تجربتي الشخصية، حيث كنت شاهد عيان، ومن خلال ما رآه أحد اصدقائي المقربين غير المشكوك في صدقهم بالنسبة لي، من موقع آخر كان فيه شاهد عيان كذلك. كنت أثناء اندلاع تلك الأحداث في ضاحية المعادي، حيث كنت أدرس في مدرسة المعادي العسكرية الثانوية، خرجنا جميعا طلابا ومدرسين من المدرسة على إثر الهرج والمرج الذي وصل صداه إلى مسامعنا في الفصول، خرجت متوجها إلى محطة قطار المعادي كي أستقله إلى بيتي في حلوان، وما بين المعادي وحلوان حوالي سبعة كيلومترات يقطعها القطار تقريبا في ثلث الساعة، على مدى عدد من المحطات يتوقف فيها لتنزيل وتحميل الركاب، توجهت إلى المحطة ورأيت بعيني عددا غفيرا من المجندين الهائجين يقومون بتحطيم كل ما يقع تحت أيديهم، بما في ذلك القطار المسكين القابع في المحطة، الذي غادره سائقه والركاب على حد سواء، مرددين كلاما غير مفهوم بالنسبة لي وقتها، حيث من بين ما سمعت كلمة (حرام، مش كفاية ثلاث سنين،) وغيرها الكثير، لكن الوضع بالنسبة لي كان صعبا فهذه اول مرة ارى فيها مثل ما يحدث أمامي، إذن فلا يوجد قطار، وقررنا أنا ومن معي من اصدقاء أن نمشي على فلنكات قضبان السكة الحديد باتجاه حلوان، ومشينا حتى محطة طرة البلد، حيث يقع ليمان طرة الشهير غير بعيد، وهناك رأيت ما هالني فعلا، كطالب ثانوي لم يخبر الحياة بعد، رأيت طائرة هليكوبتر عسكرية توزع نيرانها على هدف غير مرئي بالنسبة لي، لكني رأيت عن قرب أيضا بعض المجندين يطلقون النار من أسلحتهم على الطائرة، طبعا أفزعنا المنظر، فاضطررنا للاختباء تحت أحد القطارات المتوقفة إلى أن هدأت الامور نسبيا في غضون نصف ساعة، انتهى كل شيء، عاد الهدوء إلا من بعض الأصوات البعيدة، توكلت على الله انا ومن معي ووصلت بيتي بعد لأي، حيث بلغ مني التعب مبلغه، وهناك علمت أن الطائرة التي رأيتها كانت تتعامل مع عدد من المجندين المتمردين إضافة إلى عدد من السجناء الذين هربوا من الليمان في تلك الأحداث، قيل لي ان إنذارا وجه لهم من خلال مكبرات الصوت، ولما لم ينصاعوا، تم التعامل معهم بحسم وبلا تردد.

وفي جهة أخرى من القاهرة، وتحديدا منطقة معسكر الهايكستب قرب المطار ناحية مدخل طريق الاسماعيلية الصحراوي، كان صديقي المجند وقتها في الجيش وليس الأمن المركزي التابع للشرطة، يقف هو أيضا متابعا لمشهد أظنه لن ينساه، فأنا نفسي لن ولم أنس ما حكاه لي، فكيف بمن شاهد ورأى، حكى لي كيف أن سرية من الشرطة العسكرية قام قائدها بالنداء عبر مكبرات الصوت على عدد من الجنود الغاضبين المسلحين المتوجهين صوبهم، قال لهم القائد ‘أرجوكم ارجعوا ثكناتكم، أنا لدي أوامر صارمة بإطلاق النار، وانتم مثل أولادي ويعز علي أن يجرح أحد منكم لا أن يقتل’، وكرر القائد النداء مرارا من دون أن يثني ذلك هؤلاء الغاضبين عن عزمهم، قال لهم وقد بدأ صوته يتهدج، ‘ارجوكم عودوا من حيث أتيتم لو اقتربتم أكثر فسنفتح النار، أرجوكم وفروا دماءكم الغالية علينا جميعا’، لم يستجيبوا، أعطى القائد أمره بعدما أدار ظهره لهم، وتم إطلاق النيران باتجاههم فقتل من قتل وجرح من جرح وهرب من هرب وتفرق شملهم، بكى الجنود وهم يطلقون النار، وبعضهم، أقسم صديقي، كان يطلق النيران وهو مغمض العينين.

استمرت أحداث الأمن المركزي اسبوعا واحدا، فرض فيه حظر التجوال، حيث لم يكن يجرؤ أحد على خرقه، ثم عادت الأمور تحت السيطرة في كافة أنحاء البلاد، واستتب الأمن وقتها، والفضل بعد الله، للجيش.

الشاهد مما رويته أن الجيش يستطيع ان يتصرف وبحسم، تجاه كل ما ينغص أمن الوطن، ويعكر صفوه، يستطيع الجيش ان يتعامل بشدة وحزم، وأن يعطي الدروس لمن تحدثه نفسه بالانجرار وراء التخريب وإشاعة الفتنة والفوضى في مصر، مصر الغالية، مصر التي ضربت مثالا محترما لكل العالم وعلمتهم كيف تكون الثورات، وأشهدتهم معنى أن تكون الثورة بيضاء سلمية، كيف اجتمع المصحف والصليب في الأيادي المتعانقة، في قلب ميدان التحرير، كيف كان يقام القداس تحت حراسة المسلمين، ثم تقام الصلاة تحت حراسة المسيحيين، كيف كانت تقوم الأم المسيحية بصب ماء الوضوء على أيدي المتوضئين.

لا توجد في مصر فتنة طائفية، ومن يقول غير ذلك فهو الخاطئ الذي لا يعلم شيئا، أنا مصري، نشأت وتربيت لم أعرف تفريقا ولا تمييزا بين مسلم ومسيحي، وأنا ابن أحد أئمة الأزهر الشريف، من الذين أفنوا حياتهم في رحاب الدعوة والتعليم في مصر، لا أزال أذكر كيف كانت تزورنا جارتنا المسيحية، ‘طنط اوديت’، كيف كنا نستقبلها وكيف كنت ألعب مع أولادها وآكل في بيتها، كيف قام صديقي المسيحي أشرف بدهان شقتي لما علم أنني على وشك الزواج، وكيف هاداني عندما تزوجت، وإلى الآن حتى عندما أجلس على القهوة المحببة إلى قلبي قرب ميدان الجيزة، قهوة إسكندرية أو أليكس كافيه، كما يحلو لنا أن نطلق عليها، التي تحولت إلى بيت وملاذ وليس مجرد قهوة، جنبا إلى جنب نأكل أنا وأصدقائي مسلمين ومسيحيين من طبق واحد، نتكلم كلاما واحدا، نتشارك نفس الهموم، ونحلم نفس الأحلام.

ولماذا أتحدث عن نفسي، يذكر التاريخ أن قساوسة الغرب عندما جاءوا مصر لتنفيذ شرط حماية الأقليات فيها، بعد صدور تصريح شباط/ فبراير 1922، قفلوا عائدين الى بلادهم بعدما تساءلوا، من تحديدا من سنقوم بحمايتهم؟ إنه لا يمكن التمييز بين المسلمين والأقباط في مصر، هذه هي مصر كانت وستظل على الدوام.

لا توجد فتنة طائفية إذن، هذا صحيح، لكن يوجد فقر وجهل، وهما وصفة سحرية لخراب أي مجتمع، نعم، فقر وجهل، فقر يدفع الناس إلى عمل أي شيء مقابل النقود، وجهل يجعل السواد الأعظم مستعجلا النتائج، ومنتظرا أن تمس عصا الثورة السحرية حياتهم فتقلبها من البؤس إلى النعيم، وعندما لا يحدث المراد، ينقلب العباد ويتذمرون، ومصر فعلا مش ناقصة، فالثورة ليس لها عصا سحرية، والبلد الآن في موقف لا يحسد عليه، وإن لم يتحرك العقلاء، فمن يتحرك ويتصدى؟

ومن قلب الأحداث المؤسفة تنبع الأسئلة، فقد قدر لي أن أسمع بأذني كذلك من يهتف ‘بالروح بالدم نفديك يا حبيب’ قبيل تشييع جنازات من قتلوا في أحداث إمبابة من كاتدرائية الجيزة، سمعت ولم أفهم، من المقصود بالحبيب هذا؟ ثم أدركت أن المقصود حبيب العادلي غير المأسوف عليه، فقد تزامنت أحداث إمبابة مع الحكم بحبسه اثنى عشر عاما، وقد شاهدت كذلك بلطجية، يعرفون بسيماهم ومظهرهم، وهم يحاولون التحرش بالمسيحيات المشاركات في الجنازة ويسبونهن بأقذع الألفاظ، وما لفت نظري صغر سن هؤلاء البلطجية، الأمر الذي لا يحتاج كثيرا من التفكير كي تعلم أن هؤلاء مدفوع لهم ويتحركون بالأمر، والسؤال ألا نعلم من يحرك هؤلاء، هل الأمر بهذه الصعوبة كي نعلم من يحركهم؟ المؤامرة واضحة ولا تحتاج لمزيد كلام أو نقاش، ويكفي أن تسير في شوارع القاهرة كي تعلم وتقف على الحقيقة، لقد قرأت على جدران البيوت قرب منطقة الجيارة وورش الرخام شعارات من أمثال ‘يعيش حسني مبارك، يسقط الخونة’ من هم الخونة، ومن كتب هذا الكلام؟ ومن قام بالدفع والتمويل؟ وإلى متى تستعصي هذه الأسئلة على أن تجد حلا لدى أجهزة الأمن؟

قال لي صديقي ضابط الشرطة ذو الرتبة العالية، الذي يجلس معي على نفس القهوة، ‘كل أملي الآن أن أعود ضابط شرطة كما كنت، إنني، إن واجهت بعنف حوكمت، وإن تقاعست حوكمت، كل القصة ألفا جنيه شهريا، مش عاوزهم، بناقص يا سيدي، يا إما أرجع ضابط شرطة له هيبته يا إما متشكرين’. وأقول، معه كل الحق، فإن لم تعد للشرطة هيبتها، فكيف يعود النظام، وأقصد هنا بالطبع الهيبة مع الاحترام المتبادل، ورجل الشرطة قادر على ان يفرق بخبرته بين البشر، فيعلم من منهم يستحق أن يواجه بحزم.

على الجيش إذن أن يتحرك بحسم، الجيش الذي له في قلوبنا جميعا حب وتقدير بلغ عنان السماء، يتحرك داعماً للشرطة يدا بيد معها لتحقيق الامن واستعادة الاستقرار وملاحقة المفسدين، لا نريد شعارات، نريد أن نرى ضربا بيد من حديد على كل من يعكر أمن واستقرار مصر، مصر التي بها يحيا العرب، والتي بدونها، على الدنيا السلام.

ومني أقولها، لا تسجنوا أباطرة النظام الغابر في مكان واحد، فرقوا بينهم في المضاجع، اسلبوهم هواتفهم النقالة، واسلبوهم امتيازاتهم التي يتحركون من خلالها وكأنهم في رحلة وليس سجنا، إن فعلتم فقد حللتم جل المعضلة، وأمسكتم الأفعى من عنقها، وإن لم تفعلوا، فانتظروا المزيد.

عافانا الله وإياكم. ‘ صحافي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية