عواصم ـ وكالات: وضعت قوات كبيرة من الجيش الليبي، امس الخميس، في حالة تأهّب للفصل بين المتقاتلين الثوار غرب البلاد، تنفيذاً لقرار المجلس الإنتقالي بفرض وقف إطلاق النار بين هذه المناطق بالقوة.
وأكد ضابط كبير في الجيش الليبي لـ’يونايتد برس إنترناشونال’، أن قوة كبيرة من الجيش حرّكتها رئاسة الأركان باتجاه المنطقة الغربية (مناطق زواره ورقدالين والجميل) جاهزة لاستخدام القوة ضد أي طرف في حال عدم استجابته لوقف إطلاق النار.
ولفت الضابط الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إلى أن قوات من الجيش والأمن متواجدة بالفعل بالقرب من خطوط التماس وتراقب الأوضاع وتتابع مجريات الأحداث، وقال ‘نحن مستعدون للتدخل في أي لحظة في حالة عدم إلتزام أي طرف بما تم الإتفاق عليه’. وكان رئيس المجلس الإنتقالي الليبي مصطفي عبد الجليل هدّد الليلة قبل الماضية باستخدام القوة ضد أي فئة في المدن المتقاتلة في غرب ليبيا، في حالة عدم امتثالها لقرار وقف إطلاق النار الذي تم التوصّل إليه.
وكلف المجلس رئاسة أركان الجيش الليبي بالسيطرة على خطوط التماس في المناطق المتوترة أمنياً وفوّضه باتخاذ كافة التدابير والإجراءات التي تؤكد على وقف إطلاق النار بين المسلحين في زواره من جهة ورقدالين والجميل من جهة أخرى. وحذّر المجلس في أول قرار قوي يصدره لمعالجة الإنفلات الأمني في البلاد، كافة الإطراف بالكف عن إطلاق النار خلال مدة أقصاها ثلاثة ساعات من لحظة إعلان هذا القرار، مطالباًَ الجيش باستخدام القوة ضد أي طرف في حال عدم الإستجابة، ومنَحه صلاحية التعامل العسكري مع أية آلية تطلق النار على المدنيين.
وطالب رئاسة الأركان بالسيطرة على أي تحرك داخل المنطقة ومنع الدخول إليها أو الخروج منها عسكرياً إلا بعلمها، مشدداً على ضرورة الإسراع في اتخاذ الإجراءات اللازمة لبسط سيادة الدولة على جميع المنافذ.
وكان وزير الداخلية الليبي فوزي عبد العال أكد بعد ظهر الاربعاء، توقف الإشتباكات المسلّحة في المدن المذكورة، غير أن شهود عيان تحدثوا عن خروقات للهدنة بين الحين والأخر. وكانت الإشتباكات المسلّحة التي استجدّت بين أهالي مدن زواره والجميل ورقدالين، أدت إلى مقتل 14 شخصاً وإصابة 70 آخرين بجروح وفق آخر حصيلة كشف عنها الناطق باسم المجلس الانتقالي الليبي محمد الحريزى في مؤتمر صحافي عقده في طرابلس مساء الثلاثاء الماضي. يشار إلى الإشتباكات التي تشهدها مدن غرب ليبيا اندلعت عقب اتهام ثوار زواره الثوار في مدينتي راقدالين والجميل بالقبض على مجموعة منهم يتبعون وزارة الداخلية كانوا في مهمة على الحدود الليبية التونسية.
وغادر وسام الكيلاني المقاتل البالغ من العمر 22 عاما خط المواجهة بعد ظهر الاربعاء ليعيد التسلح بقذيفتين صاروخيتين ثم يعود مباشرة إلى القتال في احدث حلقات الصراع العرقي والقبلي في ليبيا الجديدة.
وقال الكيلاني وهو واحد من المقاتلين في بلدة زوارة في غرب ليبيا يقاتل منذ اربعة ايام ضد جيرانه في منطقتي الجميل ورقدالين ‘سأواصل القتال’. واضاف الكيلاني الذي ربط ساقه بضمادة بعد اصابتها قبل يومين ‘لا نريد عقد سلام معهم… هذه ارضنا وسوف ندافع عنها’. وبعد اربعة ايام من القتال بين الميلشيات المتصارعة حول زوارة قتل 16 شخصا على الاقل من الجانبين وجرح المئات.
وكشف القتال عن مدى الاضطراب الذي تعانيه ليبيا بعد ستة اشهر من انهاء انتفاضة شعبية مسلحة لحكم معمر القذافي وعن مدى معاناة القيادة الجديدة لفرض سلطتها على البلاد.
وفي طرابلس قال رئيس اركان القوات المسلحة الليبية يوسف المنقوش ان قوات التدخل الحكومية وصلت إلى زوارة. وقال في مؤتمر صحافي ان هذه القوات مستعدة لاعادة الاستقرار للمنطقة وقال ان الحكومة فوضت قائد الجيش باستخدام القوة اذا لزم الامر لاقرار الامن.
لكن العلامات الوحيدة الظاهرة على الوجود الأمني الحكومي كانت طائرة تابعة لسلاح الجو الليبي تحلق فوق البلدة وعدد قليل من القوات الحكومية التي تمركزت بعيدا جدا عن خط المواجهة. وقال المنقوش ان القوات الحكومية تراجعت قليلا بسبب القتال.
وفي الوقت نفسه تواصل القتال دون مؤشر على قرب التوصل إلى وقف لاطلاق النار كما يسعى المجلس الوطني الانتقالي الليبي.
وقال فريق تابع لـ’رويترز’ دخل زوارة انه سمع أصوات صواريخ غراد الروسية الصنع إلى جانب اصوات نيران البنادق. كما استخدمت اسلحة اكبر من بينها المدافع المضادة للدبابات من عيار 106 ملليمترات والمدافع المضادة للطائرات التي عدلها المقاتلون لضرب أهداف على الأرض.
وبسبب القصف تصاعدت سحب الدخان بين النخيل والزراعات الخضراء حول زوارة التي تقع على ساحل البحر المتوسط على بعد نحو 120 كيلومترا إلى الغرب من العاصمة طرابلس.
وأعربت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة ليبيا (أونسميل) امس الخميس عن قلقها البالغ إزاء ازدياد العنف في ثلاث مدن غرب البلاد وما نجم عنه من ارتفاع في عدد الضحايا. ودعت البعثة في بيان لها نشرته عبر موقعها على الإنترنت جميع الأطراف المشاركة في القتال بمدن زواره والجميل ورقدالين إلى وقف القتال فورا.
ورحبت البعثة بجهود الوساطة التي تبذلها القيادات المحلية لإعادة بسط الأمن والاستقرار بالمنطقة، وطالبتهم باستمرار بذل هذه الجهود بما يحقق إعادة الهدوء الكامل الى غرب البلاد.
ونقل الموقع عن رئيس البعثة وممثل الأمين العام في ليبيا، إيان مارتن، قوله إن ‘الشعب الليبي ضحى بحياته للحصول على حريته وعلى بلد ديمقراطي جديد لكل المواطنين.. وأدعو كل الأطراف إلى تذكر هذه التضحية وحل خلافاتهم من دون اللجوء إلى استخدام القوة’. وشددت البعثة على ضرورة أن تعمل السلطات الليبية على تسريع جهودها لبناء مؤسسات أمنية قوية بما في ذلك دمج الثوار وجمع الأسلحة الثقيلة المنتشرة بين المواطنين.
وأضافت أن الإشتباكات تعد الإرث الناجم عن أربعة عقود من الحكم الإستبدادي، مؤكدة على ضرورة إدراك كل أفراد المجتمع الليبي العمل معا لتحقيق المصالحة.
يشار إلى أن مارتن سبق وأبلغ مجلس الأمن أن الأمن في ليبيا ما زال يمثل عقبة كبيرة أمامها، وأن الاشتباكات الدائرة تؤكد المخاطر المتعلقة بتوفر الأسلحة بصورة كبيرة ووجود عدد من المليشيات التي تعمل من دون قيادة موحدة وخارج السيطرة.
ويغلب على سكان زوارة الأمازيغ الذين عارضوا حكم القذافي خلال الانتفاضة التي جرت خلال العام الماضي أما جيرانهم في الجنوب فأغلبهم من العرب الذين كانوا موالين للقذافي.
وادى ذلك إلى غياب الثقة ومشاعر الغضب التي اشتعلت يوم الاحد عندما قتلت مجموعة من رجال زوارة يقومون بالصيد على سبيل الخطأ شخصا من بلدة الجميل. وجرى احتجاز هؤلاء الرجال لفترة وجيزة لكنهم قالوا انهم تعرضوا لسوء المعاملة مما أثار غضب سكان زوارة.
وفي مستشفى زوارة قالت ممرضة ان شخصين من البلدة قتلوا في الاشتباكات الاربعاء.
وخارج المستشفى كانت عربات الاسعاف والشاحنات الصغيرة – وبعضها محمل بالمدافع المضادة للطائرات – تنقل المصابين من خط المواجهة.
ورفع مقاتل مصاب يده المخضبة بالدماء وسط تكبيرات مجموعة من الناس خارج المستشفى. وبكى عدد من المقاتلين الشبان بينما كانت نساء ينظفن الدماء من محفات على الارض حتى يمكن استخدامها مرة ثانية.
وذهبت رحيل ناصر (27 عاما) إلى المستشفى لأن قريبا لها قتل في الاشتباكات. وحثت المجلس الوطني الانتقالي على التدخل لحماية البلدة.
وقالت باكية ‘علينا ان نفعل الجيش لحماية الشعب… اطفالنا وثوارنا يموتون… سنضطر للقتال دفاعا عن انفسنا.’لكن قدرة المجلس الوطني على التدخل محدودة لأن الميلشيات تتفوق عسكريا على قواته بينما تدين هذه الميلشيات بالولاء لقادتها فقط.
ووصلت القوات التي ارسلها المجلس الوطني وهي خليط من القوات الحكومية التي ترتدي الزي الرسمي ورجال من ميلشيات مصراتة إلى البلدة لكنها وقفت على مشارف غرب زوارة على مسافة بعيدة من خط المواجهة.
ولم يتمكن مراسلو ‘رويترز’ من عبور خط المواجهة للحديث إلى الناس على الجانب الاخر في رقدالين والجميل للحصول على وجهة نظرهم في الاحداث.
ويقول مقاتلون من زوارة ان خصومهم متعاطفون مع القذافي الذي قتل في اكتوبر تشرين الاول بعد وقت قصير من القبض عليه قرب مسقط رأسه في سرت.
وقرب خط المواجهة نشر مقاتلان الاربعاء علما اخضر اللون ولافتة كتب عليها ‘عاش الفاتح’ قالا انهما عثرا عليهما في رقدالين.
والفاتح هو الاسم الذي اطلقه القذافي على الانقلاب العسكري الذي جاء به إلى الحكم عام 1969 بينما كان العلم الاخضر هو علم البلاد خلال حكمه.
لكن ليس هناك دليل على ان القتال يدور بسبب التأييد للقذافي. وكثيرا ما وصف المتقاتلون بعد الانتفاضة خصومهم بأنهم من الموالين للقذافي.
وفي مواجهة أخرى أبرزت مدى هشاشة الوضع في ليبيا قتل نحو 150 شخصا في اشتباكات خلال الأسبوع الماضي بين قبائل متناحرة في مدينة سبها بالجنوب.