الجيوش العربية تعفى من مهمات تحرير الامة

حجم الخط
1

لم يحدث في تاريخ ثورات العالم ما حدث لثورات الربيع العربي من اجهاض او احتواء او تدجين او حرف عن المسار او التحويل الى حرب داخلية طاحنة. كما لم يسبق ان تمت هندسة دقيقة لتوفير امن كيان محتل كما حدث في الاعوام الاخيرة للكيان الاسرائيلي وذلك بتحييد الجيوش العربية ذات الشأن في الصراع العربي الاسرائيلي. كما لم يحدث من قبل ان استخدمت الطائفية سلاحا لمنع التغيير الديمقراطي بالشكل الذي يحدث الآن.
في خضم ما يجري من اضطراب امني واجتماعي وديني في المجتمعات العربية، يجدر اعادة قراءة ملف ثورات الربيع العربي بشكل فاحص لاستيضاح ديناميكية الحراك الشعبي من جهة والهندسة السياسية التي حدثت لاعادة رسم خريطة منطقة الشرق الاوسط باتجاهات مخالفة لما كانت الحركات السياسية والدينية تتطلع لها. وقد اتضح الآن ان من بين اهم اهداف قوى الثورة المضادة توفير الامن للكيان الاسرائيلي وبدء مسار التطبيع معه لاحقا. فكيف حدث ذلك؟
وما مدى صحة ما يقوله البعض من ان الثورات العربية كانت مختلقة من الاساس لتحقيق مصالح مشتركة لقوى اقليمية عديدة شعرت بالخطر على وجودها من الحراك الشعبي فتحركت بتعاون مشترك لاستباق نتائج تلك الثورات بمنع انتصارها والقضاء على اي أمل في التغيير السياسي. ثم ما الذي يجمع بين هذه القوى في منطقة ما تزال تعيش هواجس الاحتلال الاجنبي والتعدد الديني والمذهبي؟ وما الخيط الرابط بين المشروع الطائفي الذي فرض على الامة وتحقيق تلك الاهداف الاستراتيجية التي يسعى لتحقيقها التحالف السياسي بين قوى الثورة المضادة؟
تساؤلات مشروعة في ظل ما يبدو من قطع شطرنج متناثرة لا يجمعها الا التوافق على مشروع سياسي عسكري يعيد للامتين العربية والاسلامية قدرتهما على التفكير السياسي السوي بعيدا عن الارتماء في احضان الاجنبي او القبول بمبدأ الاحتلال كأمر واقع مفروض بالنار والحديد؟ وما دلالات التوجه العربي لمواجهة قوى التحرر والديمقراطية.
في البداية يجدر التأكيد على امور عديدة ذات صلة بجوهر النقاش حول الامن الاسرائيلي وكيف تم تحريك قطع الشطرنج المبعثرة باتجاه تحقيق الامن الاسرائيلي:
اولا: ان الحراكات الشعبية التي حدثت في مثل هذه الايام قبل ثلاثة اعوام انطلقت عن رغبة شعبية في التغيير السياسي الجذري في دول ما برحت تبحث عن الحرية والتمثيل الشعبي، فالثورات جاءت نتيجة شعور عميق بالظلامة والتخلف بعد عقود من الاستبداد والديكتاتورية، وليس بتحريض خارجي.
ثانيا: ان الحراكات كانت مفاجئة في بداية انطلاقتها ولكن سرعان ما بدأت قوى الثورة المضادة خطط الانقضاض عليها بدون رحمة، وراحت تتآمر عليها بعد ان اكتشفت جماهيرية النزعة للتغيير وادركت رغبة الشعوب في الانعتاق من انظمة حكم لا تملك الشرعية الشعبية او الدستورية.
ثالثا: ان قضية فلسطين ما برحت تحرك مشاعر الشعوب وتذكرهم بالغبن التاريخي وان كرامة الامة لن تستعاد الا بتحريرها، وان التحرير يعترضه وجود الانظمة. ومصدر الربط ان الغربيين دعموا انظمة الاستبداد في مقابل تخليها عن مشاريع التحرير، فاصبح التغيير يعني اعادة الاهتمام الرسمي والشعبي بقضية فلسطين والتصدي للاحتلال الاسرائيلي.
رابعا: ان التخطيط ضد الثورات اشتركت فيه كافة قوى الثورة المضادة، ومن بينها ‘اسرائيل’ التي تعلم ان قيام انظمة ديمقراطية في الدول المحيطة لن يكون لصالحها، وان اي امل في التطبيع مع الشعوب العربية سيتلاشى.
خامسا: ان الغربيين مارسوا ابشع اشكال النفاق السياسي في تعاطيهم مع ثورات الربيع العربي، فلم يدعموا التوجهات الديمقراطية ولم يتخذوا مواقف جريئة ازاء قضايا حقوق الانسان، وانتهجوا سياسات انتقائية في مواقفهم ازاء هذه الثورات. ومن اهم اسباب تلك المواقف ان الغرب ينطلق في سياساته تجاه المنطقة وعينه على الامن الاسرائيلي. وهذا واضح من تصريحات الزعماء الغربيين خصوصا الادارات الامريكية المتعاقبة التي تعتبر أمن الكيان الاسرائيلي من اولويات سياستها الخارجية خصوصا مع العالم العربي. هذه الادارات اكدت دائما التزامها بالحفاظ على التفوق العسكري الاسرائيلي.
ازاء هذه الحقائق كيف يمكن النظر الى المواقف الغربية تجاه الثورات خصوصا بلحاظ الامن الاسرائيلي ودور الجيوش العربية؟ يمكن قراءة تلك السياسات بالنظر الى اربع دول ذات اهمية خاصة من منظور الامن الاسرائيلي: مصر وسوريا والعراق ولبنان. وفي السياق نفسه لا يمكن التغاضي عن كل من تركيا وايران، كدولتين كبريين لهما تأثيرهما على الامن الاسرائيلي. ولان مصر اكبر الدول العربية واكثرها اهمية في اطار القضية الفلسطينية والشأن الاسرائيلي، اصبح التركيز عليها من قبل الغرب مكثفا، خصوصا في العقود الثلاثة الاخيرة. وكان من اهم انجاز الغرب هنا ابعاد الجيش المصري عن الصراع مع الكيان الاسرائيلي، في اطار اتفاقات كامب ديفيد. فقد نصت المعاهدة على افراغ منطقة سيناء من الوجود العسكري المصري، ومنعت مصر من اي تواجد عسكري فيها الا بموافقة الاسرائيليين. وحتى عندما شنت القوات المصرية هجوما عسكريا على مجموعات مسلحة في 2012، لم تستطع القيام بذلك الا بعد الحصول على موافقة الاسرائيليين. وما تزال سيناء منطقة منزوعة السلاح، مع ان مساحتها اكبر كثيرا من مساحة الاراضي الفلسطينية المحتلة. اما الجيش المصري فقد ابعد عن الصراع مع الاسرائيليين، واشترطت الولايات المتحدة في صفقات التسلح مع مصر عدم استخدام تلك الاسلحة في اي نزاع مسلح مع الكيان الاسرائيلي. وفي مقابل ذلك تعهدت الولايات المتحدة بدفع معونة سنوية للجيش المصري لا تتجاوز ملياري دولار، وكثيرا ما تعثرت تلك المساعدات. هذا يعني ان واشنطن ضمنت للكيان الاسرائيلي تحييد اكبر جيش عربي في مقابل معونة زهيدة. وقد التزم الرئيس المخلوع، حسني مبارك، بتلك الاتفاقات. وعندما ألمح الاخوان المسلمون الى احتمال عرض معاهدة كامب ديفيد للتصويت او اجراء تعديلات عليها، صدر القرار باسقاط حكمهم، ولم تنفعهم الخطوات التي اتخذ وها لطمأنة الامريكيين والاسرائيليين ازاء الموقف من ‘اسرائيل’. كما لم تشفع لهم رسالة الرئيس مرسي لشمعون بيريز التي كانت من اكبر الاخطاء التي ارتكبها من وجهة نظر الكثيرين. وبرغم ما يقال عن الاخوان المسلمين واخطائهم، وبرغم محاولاتهم المتواصلة لطرح ‘خطاب معتدل’ ازاء الكيان الاسرائيلي، الا ان ادبياتهم التقليدية كانت كافية لدفع الغربيين بالتعاون مع بعض الدول العربية لانهاء حكمهم قبل ان يتمكن من تثبيت اوضاعه. وباعادة نظام العسكر الى الحكم، تنفست قوى الثورة المضادة خصوصا امريكا والسعودية والكيان الاسرائيلي الصعداء واصبح تحييد الجيش المصري في الصراع مضمونا.
اما سوريا التي كانت أخر دولة مما كان يسمى ‘دول الصمود والتصدي’ فقد بقيت في محور المقاومة ضد الاحتلال. وبرغم سياسات القمع الداخلية التي انتهجها النظام السوري، الا ان احدا لا يستطيع انكار ان دمشق كانت معقلا لكافة مجموعات المقاومة الفلسطينية حتى اندلاع الازمة الحالية. وبقيت سوريا مستهدفة من قبل الاسرائيليين في الجانبين السياسي والعسكري. وقبل اربعة اعوام قام الطيران الاسرائيلي بقصف موقع بدعوى انه يعمل في المجال النووي، في خطوة استباقية لمنع اية محاولة لامتلاك مشاريع نووية. كانت ردة الفعل ضد ذلك العدوان باهتة، بل ان الامم المتحدة بعثت فرقا لتفتيش المواقع السورية بحثا عما يشير الى نية دمشق لامتلاك مشروع نووي. وفي الفترة الاخيرة اجبرت سوريا على التخلي عما لديها من اسلحة كيماوية بعد حادثة في ضواحي دمشق استخدم فيها سلاح كيماوي. وحتى الآن لم تعرف بشكل حاسم الجهة التي استخدمت تلك الاسلحة. وزج بالجيش السوري في معارك طاحنة ضد المجموعات المسلحة، واصبح مشغولا بحرب محلية خففت الضغوط على الكيان الاسرائيلي الذي اصبح مطمئنا لأمنه بعد ضرب الجيش السوري. ويوما بعد آخر يتضح ان قوى الثورة المضادة اخترقت خطوط الثورة وحرفت مسارها لتتحول الى حرب اهلية فتمنع التحول الديمقراطي من جهة وتلغي الجيش السوري كقوة عسكرية ضاربة يمكن ان تساهم، مع الجيوش العربية الاخرى، في التصدي للاحتلال وعدوانه المستمر على الشعبين الفلسطيني واللبناني.
ويعتبر العراق تاريخيا مصدر قلق آخر للكيان الاسرائيلي، فهو اكبر دولة عربية مشرقية، وله دور مهم في القضايا الاساسية للدول العربية. هذا الدور تم تهميشه بعد الثورة الاسلامية في ايران. فقد توجهت قواته لمحاربة ايران شرقا، الامر الذي شجع الاسرائيليين على الشعور بتقلص الخطر الذي يواجههم، خصوصا ان مصر كانت قد خرجت من ‘الحظيرة’ العربية بعد اتفاقات كامب ديفيد وانحسر دورها في مقابل الدور السعودي المتصاعد. وأمضى العراق ثمانية اعوام في حرب ضروس أتت على الاخضر واليابس واعاقت تطور البلدين، ايران والعراق. واستغلت ‘اسرائيل’ الحرب لشن عدوان ساحق على مفاعل ‘اوسيراك’ العراقي ودمرته تماما. وبعد توقف الحرب في 1988 توجهت القوات العراقية لاجتياح الكويت، فكان ذلك مستنقعا ادى الى الحرب التي اسقطت نظام صدام حسين في العام 2003. واذا صدقت مقولة ان السفيرة الامريكية في العراق، أبريل غلاسبي، لها دور في استدراج العراق لتلك المغامرة، أمكن القول بان من اهداف ذلك إشغال جيش العراق بقضية جانبية وإبعاده عن جوهر الصراع مع ‘اسرائيل’. وكانت المؤسسة العسكرية والامنية العراقية من اول اهداف الحرب الانكلو امريكية على العراق، بينما لم تستهدف وزارة النفط او المنشآت النفطية بأية اضرار خلال الحرب. وما تزال القدرات العراقية معطلة بعد ان فتحت الجبهة الطائفية التي كانت الأشرس منذ عقود، فاصبح جيش العراق مستنزفا في حرب طاحنة لن تعود بالخير على أحد.
من الذي يستنزف جيش العراق؟ ومن الذي يتاجر بجيش مصر بعيدا عن الدور المنوط به لأكبر دولة عربية، ويدخله في صراعات سياسية وامنية لا تهدأ؟ ومن الذي استدرج الجيش السوري الى حرب طاحنة لن ينتصر فيها أحد؟ وكيف أصبحت حركة ‘حماس’ محاصرة من قبل الاصدقاء قبل الاعداء، وتركت وحدها تواجه غضب المحتل الاسرائيلي؟ وكيف استدرجت للمشاركة في عمليات عسكرية خارج الحدود المحتلة، لتحدث حالة من اللغط غير المسبوق بين المجموعات التي كانت الى ما قبل الربيع العربي متحالفة في الموقف ضد الاحتلال الصهيوني؟ من الذي قام بهندسة المشروع الذي استطاع تهميش كبرى الجيوش العربية ودفعها الى خارج المعركة، وادخلها في دوامة من الصراع الذي لا ينتهي بين قوى التغيير والاستبداد المدعوم بالارهاب والطائفية؟ تساؤلات مشروعة لكنها لا تكفي لتوضيح معالم الصورة الكبرى للمشهد الدرامي الذي تمر به الامة. فالمؤامرة الخارجية لم تتوقف عند استنزاف الجيوش العربية الكبيرة فحسب، بل ادخلت الشعوب نفسها في حالة احتراب داخلي مقيت لكي لا تمارس دور الرقابة او الضغط على جيوشها التي تم تحييدها. فشعب العراق يعاني من محاولات خطيرة للتشطير المجتمعي وفق خطوط الانتماء والاصل والمذهب، وشعب سوريا هو الآخر يعيش اقسى الاوضاع بين قتل وتشريد وضياع. اما مصر فهي الاخرى تستهدف في شعبها ويستدرج لصراعات داخلية وفق خطوط الانتماء الديني او المذهبي. ولبنان هو الدولة الاخرى التي تعاني من كافة تلك المشاكل حتى اصبحت اوضاعها الداخلية مرآة لما يجري في دول العالم العربي. انه الخريف القاتل الذي يقتل الزرع والشجر ويهدد الناس بالمزيد من الرعد والصواعق، مرة اخرى تبدو الامة كأنها عقمت عن انتاج الرجال القادرين على حمل رسالتها والذود عن حياضها، والتصدي للغزاة والمحتلين والظالمين والديكتاتوريين.
فلا بد من تحرير الجيوش العربية من قبضة الاستبداد واعادة بنائها ايديولوجيا لاداء مهماتها في تحرير فلسطين وابعاد الامة عن مستنقع الخلافات البينية. فالاستبداد والارهاب والطائفية والتناحر الداخلي توفر حماية للاحتلال وتقضي على روح النضال والجهاد والحرية.

‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية