الجيوش العربية هل نحتاجها؟

قالها صديقي غاضبا ومضى..
كانت حرب السادس من اكتوبر 1973 هي آخر الحروب التي خاضها الجيشان المصري والسوري (أي قبل اربعين عاما)، وحتى لا يصدآ استمرا في التسليح والتدريب. مصر وقّعت اتفاقية كامب ديفيد وخرجت من المعادلة والمواجهة، اما سورية فتعرضت لاعتداءات متكررة ولم ترد لأنه لم يحن لا الوقت ولا المكان المناسبين.
انطلقت الثورة السورية في آذار (مارس) 2011 وتبين ان الجيش (العربي) السوري في كامل عدته وعتاده وجاهز للرد فورا في كل انحاء سورية، اذ أن الوقت والمكان أصبحا مناسبين الان، فالصواريخ والطائرات تصيب أهدافها (البيوت والمستشفيات الميدانية والمدارس والمساجد والاسواق والمخابز) بدقة متناهية. اما الجيش المصري فقد أثبت جدارته في معركة فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة، وأوقع بالأعداء خسائر فادحة جدا، وسجل نصرا تاريخيا على شعبه.
هذه الجيوش العربية، هل نحتاجها؟ ليس لها عدو خارجي، ابناء الوطن ينتسبون لهذه الجيوش (كرها أو طوعا) ليجدوا أنفسهم في مواجهة أخوانهم وابنائهم، فما الداعي اذا لوجودها؟ بديهيا مهمة الجيوش هي لحماية حدود الاوطان من أي اعتداء خارجي، أما ان تنكفئ الى الداخل لتقمع وتقتل الشعب، فهي مهمة جديدة لم نعهدها تليق بها لا ماضيا ولا حاضرا ولا مستقبلا.
أصل المشكلة أن العسكر في بلادنا حكموا (بعد سلسلة انقلابات عسكرية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ) بالحديد والنار، عندما اندلعت هذه الثورات استشعر العسكر رياح الديمقراطية كرياح السموم، اذ انها ستفقدهم نفوذهم وستكشف حجم الفساد المالي والاخلاقي المتغلغل في المؤسسة العسكرية، فاختاروا الاصطفاف مع الحاكم ضد الشعوب، وامعنوا في التنكيل بالثائرين ظنا منهم انهم سيمنعون هذه الثورات من الوصول لأهدافها لحياة حرة كريمة.
يخطئ من يظن ان طاغية قـــادر على ممارسة كل هذا الاستبداد، فالطاغية يكرس اساليبه من خلال حلقات عديدة من الطغاة الصغار والكبار، من سياسيين وعسكريين وقضاة ورجال أعمال ورجال دين واعلاميين… لقد أفسد هـــؤلاء الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية، في المجتمعات العربية الى أبعد الحدود، وهذا هو السبب الرئيسي لفشل دول الربيع العربي في الوصول لبر الامان بعد.
رحل زين العابدين وعلي عبد الله صالح والقذافي ومبارك، وسيرحل الأسد، ولكن حلقات الطغاة الصغار والكبار، بالالاف بل الملايين، ما زالوا يعيثون في الارض فسادا. انها ثورة ناقصة تلك التي تطيح بالرأس فقط، لذا لا أحد يمكنه التغني بأن أيا من هذه الثورات قد نجحت بالفعل، سقوط الرأس هو البداية فقط والمشوار لا بد طويل جدا.
في بلاد العالم المتحضر، يدين العسكري للسياسي بالسمع والطاعة، اما في بلادنا فالعسكري يريد ان يكون صاحب القرار السياسي ويهيمن على المؤسسات المدنية وعلى القضاء وعلى اقتصاد البلاد. الغريب في الامر ان الليبراليين واليساريين والناصريين يبررون للفريق السيسي كل قراراته وتعيين كبار ضباط الجيش المتقاعدين كمحافظين ونواب محافظين، وحرضوه على فض اعتصامات رابعة والنهضة بالقوة، ووصف الاسلاميين ومناصريهم بالارهابيين تمهيدا للقبول بسفك دمائهم لاحقا، وقد حصل.
الجيوش العربية الان مهمتها أصبحت اكثر وضوحا، قمع الشعوب، واذا كانت هذة المهمة تتقاطع مع مهام الشرطة والامن المركزي وأمن الدولة والمباحث والمخابرات فهل نحتاج للجيش فعلا؟ وهل يصح ان نقتطع من لقمة عيشنا لندرب هذه الجيوش ونسلحها حتى تقتلنا وتقصفنا وتقنصنا؟ الجيوش العربية فقدت بوصلتها، الاعداء هناك في الخارج وليس في المدن والقرى والعواصم، مَنْ يريد جيوشا مثل هذه، مَنْ؟
المجازر التي ارتكبها الجيش السوري وصــــمة عــار في جبينه، اعتقدنا يوما ما انه سيزحف غربا نحو الجليل وحيفا، فاذا به يدمر حمص وحلب وريف دمشق. الجيش المصري الذي ارتكب مجزرتي النهضة ورابعة في الرابع عشر من اب/اغسطس اقترف فعلا يندى له جبين اي جيش ما تزال تجري في عروقه ولو قطرة واحدة من المروءة والشهامة، ليته ما فعل.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية