الحاجبُ في دار الخلافة : المجالُ والسلطة

حجم الخط
1

أوضحتُ في دراسة سابقة ( محكيات الباب العالي القدس العربي 6 فبراير 2013 ) أن نمطاً من الحكايات القصيرة ظهر في غضون القرن الثالث الهجري، سعى إلى تمثيل لقاء بين الخليفة أو أحد رموز السلطة في المجتمع، وبين بطل الحكاية الذي يقدمه السردُ فكِهاً ناقداً جريئاً، يجهر أمام الخليفة بما لا يجرؤ جمهورُ المدينة الإسلامية على الجهر به، أو حتى مجرد الهمس.
ويبدو أن الهدف الأساسي لتحديد هوية البطل ( مجنوناً أو متنبئاً أو عابداً غريب الأطوار والكلام..) هو توفير مبررات دخوله السهل على الخليفة، من دون أن يخضع لإجراءات البيروقراطية الاستبدادية، من انتظار الإذن على باب السلطان، واختبار عجرفة الحاجب وإذلاله للراغبين بعبور الباب العالي و دخول الحضرة. حيث تمتلك هذه الأنماط من الشخصيات الحكائية خاصية إثارة الفضول لدى السلطان وأتباعه، لسماع كلامها الغريب الجريء المفعم بالحرية والحقيقة.
لقد ألغت تلك الحكايات سلطة الحاجب تماماً، وأبعدته عن طريق بطل الحكاية وهو يمضي لمواجهة الخليفة أو أحد أعوانه، متسلحاً بهويته الغريبة، كمجنون أو متنبئ أو واعظ لا يخاف في قولة الحق سلطاناً أو أعواناً.
الأمر لم يكن كذلك داخل التاريخ. فمن ذا الذي يسعُه تجاوز الحاجب وسلطتَه المستمَدة من سلطة المحجوب نفسه..؟! إن الحكايات التي تناولتُها في الدراسة المذكورة تقدم الحاجب موضوعاً للازدراء والإهمال من قبل بطل الحكاية، لا يكاد السرد يلتفت إليه أو يراه. بينما نجد أن النصوص التاريخية التي تعود إلى الفترة نفسها – بين القرنين الثالث والخامس للهجرة التي شهدت ازدهار إنتاج وتداول تلك الحكايات؛ تقول كلاماً آخر بخصوص الحاجب وسلطته.
بين خطاب الحكاية وخطاب التاريخ مسافة صنعها الحلم العام بسلطة لا تحتجب ولا تتعالى خلف الستر والأبواب، استجلاباً لغموض مخيف وقداسة راسخة.

* * *
يوفر كتابُ هلال الصابئ ( رسوم دار الخلافة) فرصة نادرة للاقتراب من مجال السلطة المركزي، بتعبيراتها الرمزية والإجرائية المكثفة والمحسوبة بدقة وصرامة بالغتين. حيث يتناول الكتاب الآداب وقواعد السلوك التي يتبعها الداخلون إلى دار الخلافة من جهة، و مهام الموظفين داخل الدار، وأدوارهم في حفظ هذه الآداب والسهر على تطبيقها وإلزام الكلّ بها، من جهة أخرى. و من المعلوم أن دار الخلافة تتكون من المجمّع الضخم من القصور والمرافق الخاصة بالأسرة العباسية، التي كانت تقع على الجانب الشرقي لدجلة، إلى الجنوب من الرصافة، حيث أقيمت تباعاً، خلال حركة الزحف العمراني الرسمي، عدة قصور سوف تشكّل في مجموعها ما عُرف تاريخياً باسم دار الخلافة ‘ وهي مدينة قائمة بذاتها، تضم قصور الخليفة والأمراء و مساكن الخدم والحجّاب مع المؤسسات المتعلقة بمصالح الدار كالمخازن والمساجد والثكنات و مشاجب السلاح …’ على ما يشير هادي العلوي -.
لقد مثّلت دار الخلافة مجالاً تستعلن فيه سلطة الخلافة، بديمومتها وسيطرتها المطلقة على الجميع، حيث تتكثف دلالات التمكين والقدرة لدى الدولة وممثلها الأرأس، و تسطع رمزيات الشرعية، ومبررات المشروعية، ضمن إطار مشهدي احتفالي مضبوط و محسوب.
وكتاب الصابئ سابق الذكر يبسط كل ذلك من منظور داخلي، واستناداً إلى معايشة لصيقة ومديدة لفضاء الدار ‘ و ما كان داخل أسوارها من خبايا و خفايا و أسرار ‘، مكنته من معرفة تفاصيل تلك الماكينة الإدارية الهائلة، التي تكفل عبر رسومها ورمزياتها المعقدة، تشغيل السلطة ودوام فاعليتها.
يسمح لنا كتاب الصابئ رسوم دار الخلافة باستجلاء الصورة التاريخية للحاجب ومهامه المفصلية الحاسمة داخل هذا المجال المترع بدلالات السلطة وآليات اشتغالها. فكيف بدت هذه الصورة..؟ و ما موقع الحجابة كخطة وكمهام وأشخاص- داخل هذا المجال، مقارنة بصورة الحاجب في تلك الحكايات موضوع دراستنا السابقة ؟ .

* * *
أفرد الصابئ للحجابة فصلاً مستقلاً بعنوان ‘ قوانين الحجابة ورسومها ‘، وهو أمر لم يفعله بالنسبة لأي من وظائف التدبير الأخرى داخل الدار، مما يعكس إدراك المؤلف لأهمية الدور الذي اضطلعت به الحجابةُ في هذا المهرجان التدبيري الباهر، والبالغ الدقة والتنظيم.
يفتتح المؤلف مسردَه عن الحجابة بعرضٍ سريع للصفات التي يجب توافرها في الحاجب، من حيث السنّ والتجربة وأسلوب معالجة المواقف المتعلقة بعمله، لينتقل بعد ذلك مباشرة إلى عرض الإطار العام لمهامّ الحاجب على الشكل التالي:
‘ أن يرتب الحواشي ( الحاشية ) فيما يتولونه ترتيباً لا يجاوز بكل منهم فيه حدّه، و لا يحمله ما لا يطيقه. ثم يراعيهم مراعاةً تدعوهم إلى التحرز في الأفعال، والتحفظ في الأعمال، ومداومة الخدمة من غير إخلال، و ملازمة الحشمة من غير استرسال ‘.
من الواضح أن الصابئ يرى في الحاجب الساهرَ الأكبر على تطبيق القواعد والآداب داخل دار الخلافة، والمُتتبّع اليقظ لمخالفات الموجودين هناك، من خدم وأعوان و زوّار، حيث يبادر بالسرعة والصرامة المناسبتين إلى ردع المخالفين، وتصحيح الخطأ. وقد عرض المؤلّف بعض الوقائع التي حدثت فيها مخالفات داخل دار الخلافة، و بادر الحجّاب وخلفاؤهم إلى ضبطها ومعاقبة مرتكبيها. وتعكس هذه الوقائع، في مجملها، ما تمتّع به الحاجب من صلاحيات واسعة في تلك المرحلة القرنين الرابع والخامس – و قدرة على المبادرة والتصرف بحسم وصرامة من أجل ضبط تصرفات الحاشية أو الزوار الراغبين بلقاء الخليفة، وترتيب الفضاء المحيط بالخليفة، وفق الأصول والقواعد المقرّرة. وتشمل هذه المخالفات: تبذّل الحاشية ولهوهم، طريقة الجلوس داخل الدار، هيئة حضور طالبي الإذن للقاء الخليفة، من حيث لون الثياب والخفاف…الخ. وتتدرّج صلاحيات الحاجب في هذا السياق من تنبيه المخالف والإشارة عليه بالبديل المقبول لتصحيح الخطأ، إلى التقريع أو إنزال العقوبة المناسبة بالمخالف، وصولاً إلى المنْع من الوصول إلى الخليفة، والطرد خارج الدار.
إن العرض الحي الذي يقدمه الصابئ عن ترتيبات يوم الموكب واستقبال الخليفة الناسَ على قدْر منازلهم، يدل بوضوح على أن الخطة في القرن الرابع الهجري كانت تشتمل على ثلاث مراتب تبدأ بحاجب الحجّاب، ثم الحجّاب، ثم خلفاء الحجّاب. وكانت المهام الموكَلة إليهم في تلك المناسبة تعكس الصرامة المراتبية داخل الخطة نفسها. فعندما يتكامل الناس يتولّى حاجب الحجاب إعلام الخليفة بذلك، ويكون هو أول من يدخل صحن المجلس الذي يقع في صدره سرير الخليفة، وقد لبس زيّ العباسيين من أرباب المراتب. ثم يُرسَم له البدء بإيصال الناس إلى الحضرة على منازلهم : ولي العهد، أولاد الخليفة، الوزير، أصحاب الدواوين ..الخ. ويتولى الحُجّاب وخلفاؤهم المهامّ في تلك الإجراءات المشهدية الدقيقة، بحسب مراتبهم أيضاً. فبينما يخرج حاجب الحجاب ليدعو وليالعهد وأولادَ الخليفة؛ يمشي الحُجّابُ بين يديّ الوزير إلى أن يقرب من السرير. أما خلفاء الحجاب فيَقْدمون أمراءَ الجند والقادةَ العسكريين في دخولهم الحضرة.
وبوصفهم خبراءَ الرسوم، حُداةَ الداخلين إلى الحَضْرة، والأكثر معرفة بدقائق الترتيبات وآداب الخدمة، يوكَلُ للحجبة دور رئيسي أيضا في مناسبة هامة أخرى داخل دار الخلافة، وهي استقبال كبار الزائرين لدار الخلافة، القادمين للقاء الخليفة والمثول بين يديه، كما حدث سنة 367هـ، خلال قدوم عضد الدولة البويهي ودخوله الدار للقاء الطائع لله (363-381هـ)، ‘ عند استقرار ما استقر من الخلع عليه وتلقيبه تاج الملة، والعهد إليه بولاية الأمور ‘.
يتلقّى الحاجبان مؤنس و وصيف الضيفَ الكبير، ويمشيان بين يديه، وفي اللحظة التي تُرفع فيها الستارة وتقع عين الخليفة على عضد الدولة، يقول الحاجبان للضيف : ‘ قد رآك أمير المؤمنين، فقبّل الأرض. ففعل وأخذا بعُضديه وكرر ذلك مرارا ‘. يوضح هذا المشهد الدال دورَ الحجابة في العصر العباسي- بوصفها جزءا من ماكينة التدبير الإداري الذي يخدم الايديولوجيا السلطانية في تكريس صورة الخليفة كمقدس متعال، يتطلب الاقتراب منه منتهى التضاؤل والخضوع. وبالفعل فقد أكبرَ أحد مرافقي عضد الدولة تقبيلَ الأخير الأرض وقال مشيراً إلى الخليفة: هذا هو الله !.
وفي مرحلة تالية من هذا اللقاء الاستعراضي الزاخر بالرموز والدلالات، يتّخذ الحاجب موقع الوسيط الذي رمزيا – تنزاح عبره السلطات والصلاحيات الممنوحة من الخليفة إلى عضد الدولة، حيث يقوم مؤنس الفضلي بتقديم اللواءين ‘ أحدهما على المشرق والآخر على المغرب ‘ فيعقدهما الخليفة ويعيدهما إلى يد مؤنس كإجراء يختتم به الخليفة إعلان تفويضه أمورَ الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرَها في جميع جهاتها، إلى عضد الدولة.
ويُستدل من سرد الصابئ أن دور الحجبة كحُداة أدلاّء، ومراقبين يقظين في رحلة التعبيرات المشهدية الرمزية لبلوغ الحضرة، كان موصولا بمعرفة دقيقة بالفضاء المادي للدار معمار الدار من حيث أبنيتها وأقسامها وغوامض مواضعها..الخ . وهو الفضاء الحاضن لمهرجان الرسوم والتدبير. وهي معرفة تتيح للحاجب القيام بدور الدليل في هذا الفضاء المادي، عبر المباني والصحون والممرات والمجالس، مثلما أتاحت له خبرته في التدبير أن يكون الدليل في فضاء الرموز والرسوم وآداب الخدمة:
‘ كان عضد الدولة عند قدومه إلى الحضرة في سنة أربع وستين وثلاثمائة… أحب أن يشاهدها أي دار الخلافة – ويستقرئ أبنيتها ومجالسها ودورها وصحونها ودواخلها وغوامضها، فصار إليها وطافها موضعا موضعا، وبين يديه مؤنس الفضلي الحاجب يريه شيئا شيئا، ويعرفه مكانا مكانا ‘.

* * *
لقد سعى الصابئ في كتابه، مستخدماً سلطة السّارد المطّلع الخبير الذي عاين بنفسه الوقائعَ والترتيبات، وألمّ بأدقّ تفاصيل الإجراءات الميدانية، إلى إثارة الإعجاب المقترن بالدهشة واستشعار الهيبة لدى القارئ، بما يعرضه في مؤلّفه من مشاهد ووقائع وإحصائيات وقواعد وآداب ناظمة لكل نأمة وسكنة، وفي جميع الأحوال والمواقف، داخل الدار. وفي سبيل تحقيق هذا المسعى كان لابد من استحضار خطة الحجابة، كمحور للوقائع والمشاهد المدهشة تلك. إن الصابئ يستجيب لبداهة الحقيقة التاريخية، مقدار استجابته لنزعة الإدهاش في السرد، مما جعله يرسم صورة حية وحقيقية عن مهام وصلاحيات الحَجَبة في العصر العباسي الثاني وما تلاه، حيث كانت الحجابة قد وصلت الذروة في التدبير الإداري، وفي امتلاك السلطات والصلاحيات الواسعة القائمة على قواعد ورسوم مقررة صارمة ذات بنية إدارية بالغة الدقة والتنظيم.
كان الحَجَبة يتحركون إداريا – داخل دار الخلافة، بين كوكبة سلطات ومصالح وطموحات: كمخرجي مشاهد وإيماءات، كناقلي صلاحيات ومحوّلي سلطات، كصادّات تحمي فضاء الهيبة والقداسة في الدار من أي انتهاك أو تبذّل، كواضعي لمسات أخيرة على رسائل صادرة عن مركز سلطة الشرعية باتجاهات متعددة. ودائما كأدلاّء خبراء في متاهة التعبيرات الرمزية المتنوعة عن الولاء والطاعة، التي يتطلبها الولوج إلى فضاء الحضرة.
في مهرجانات الانضباط والامتثال تلك التي كانت الدار تشهدها، خلال أيام المواكب، وإجراءات استقبال كبار الزوار والسفارات، والتي ارتقت بها الرسوم إلى مستوى تنظيمي بالغ الصرامة والدقة والشمول،حيث الجميع تحت حكم الحدّ والوقت والترتيبات المقررة؛ كان الخليفة يمكث مراقباً بصمت ووقار الحشد الداخل إلى الحضرة عبر مساربَ إجبارية وبخطوات مرسومة. ويتحقق بيقين المشاهدة الحية من فاعلية التدبير المهيب. وكانت الحجابة وموظفوها بمراتبهم جميعا، يبدون بمثابة الذراع المتحركة لتلك السلطة القارة فوق سرير شرعيتها العالية. وعلى مسرح استعراض الرسوم، التي هي تجليات للسلطة والنفوذ والقدرة على فرض الإجراءات وتنفيذها، يبدو الحَجَبة كممثلين رئيسيين، يديرون بمهارة واقتدار وقائع العرض وترتيباته. وبخطواتهم المحسوبة جيداً، الواثقة الرصينة والتي تهيمن حركاتها على المسرح، يصلون بالعرض إلى تحقيق غاياته الأخيرة : استعراض للقوة لترسيخ الشرعية من جهة، وإسناد المشروعية من جهة أخرى. وفيما بينهما التأكيد على المراتبية كمبدأ اجتماعي وسياسي وإداري، ترعاه الايديولوجيا السلطانية وتغذّيه كلما وجدت إلى ذلك سبيلاً.
* كاتب وباحث من سوريا
** هذه الدراسة جزء من بحث ضاف يتناول مهام الحجابة ودور الحجبة، والأدب الذي انتسج في فضاء الوقوف على أبواب السلاطين في التاريخ الإسلامي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية