خليل قانصو
في الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 1973 مات سلفادور أليندي رئيس جمهورية التشيلي وكانت آخر كلماته ثابروا وأعلموا أنه لن يمر وقت طويل قبل أن تنقشع الغمامة وقبل ان يستبين الانسانُ الكريم نهجا لبناء مجتمع أفضل. حاول هذا الثائرالكبير استنهاض القوي الشعبية في بلاده وتوحيدها في سبيل مواجهة أخطار النظام الراسمالي، التي تحيق بها في الحاضر، فتحرفها عن الاعداد لما بعده.
وتتوّجت مسيرته النضالية التي بدأت في الثلاثينات من القرن الماضي بانتخابه في عام 1970 رئيسا للجمهورية، علي أساس برنامج سياسي قائم علي فكرة امكانية استحالة النظام الي الاشتراكية، اذا رغبت بذلك الأكثرية الشعبية، وَنشِطت في التعبير عن رأيها في صناديق الاقتراع. نبذ سلفادور أليندي العنف واندفع الي العمل السياسي في سبيل الاصلاح، حسب فهم يحفظ للفرد حقه ويحترم ارادته ويثق به. لقد آمن هذا الرجل بقدرة الانسان علي الارتقاء وآمن أيضا بالديمقراطية. ولكن هذا الأمر لم يرق للادارة الأميركية، وكان علي رأسها آنذاك الرئيس نيكسون، ومعاونه هنري كيسينجر، فأوعزت الي وكالة مخابراتها، والي الشركات الاستثمارية والي المحتَسِبين في التشيلي من سياسيين وكبار ضباط، باجهاض مشروعه وبالقضاء عليه. و ما أن تسلّم مهامه كرئيس للبلاد حتي اعلنت الولايات المتحدة عن حظر اقتصادي ضدّ التشيلي، وأجبرت الحكومات التابعة لها في أمريكا اللاتينية علي أن تحذو حذوها، ولم تتخلف بالطبع الديمقراطيات الأوروبية عن اللحاق بها، استنادا الي رؤية استعمارية تنكر امتلاك الشعوب مؤهّلات الاختيار والقرار السليمين.
ثم تصاعد التسلّط في سنة 1971 الي حد اقدام وكالة المخابرات الأميركية علي دفع الأجور للناس، شرط ألا يذهبوا الي أعمالهم وأن يخرجوا الي الشوارع للتظاهر، وللتطبيل علي الطناجر الفارغة. وبلغ هذا التخريب ذروته عندما أوقفت شركات النقل البري حركة الشحن في البلاد في اطار اضراب عام، مقابل تعويضات سخية قدمتها جهات وشركات أجنبية. ولكن الصعوبات والعراقيل لم تفتّ في عضد الرئيس أليندي، فلم يتراجع عن تطبيق برنامجه القاضي بارساء الاشتراكية انطلاقا ً من قناعته بأن صيانة المجتمع الوطني تقتضي كشرط لازم، توظيف نتاج العمل وعائدات بيع المواد الأولية في الطبابة والتعليم والتطوير، بدلا من استئثار حفنة من الرأسماليين بكل مقدرات البلاد، ينقلونها من موقع مالي عالمي الي آخر، وينفقون منها بغير حساب علي تشييد القصور وعلي اقتناء الخدم وعلي اشباع الشهوات. واستطاع بالحجة والبرهان، توسيع قاعدته الشعبية. فلم تُفلح ألاعيب الامبريالية ولا الرشي التي وزّعتها، ولا الاضطرابات التي أثارها أذنابها، في الحؤول بينه وبين الجماهير. ظهر ذلك بجلاء في انتصار حركة الوحدة الشعبية التي كان يقودها في الانتخابات التشريعية التي جرت في مطلع 1973. اتضح عندئذ للادارة الأميركية بشكل قاطع، أن القضاء علي أليندي، وكان الرئيس نيكسون يتناوله بكلام بذيء كلما أتي علي ذكره، غير ممكن طالما بقي الاحتكام الي الديمقراطية. فارتأت ايقافها ووأدها. وهذا ما اضطلع به جنرالات الجيش التشيلي في 11 ايلول (سبتمبر) 1973.. الذين قاموا بانقلاب عسكري، بايعاز وبدعم من الولايات المتحدة من اجل احلال الديكتاتورية والبربرية العسكرية، مكان الديمقراطية والتعددية في الفكر السياسي والاجتماعي. في تلك الأيام، كان شاعر تشيلي الكبير بابلو نيرودا يحتضر، وكان عشرات الآلاف من المعتقلين يملؤون مساحات المدينة الرياضية القومية في العاصمة سانتياغو وكان من بينهم المغني فيكتو جارا، الذي قطع العساكر أصابعه بواسطة الفأس وقالوا له الآن يمكنك أن تضرب القيثارة. حدث كل ذلك وسط أجواء معبّأة بالرعب، خيّمت عليها أخبار التعذيب، والتصفيات والخطف، علي أيدي رجال جهاز المخابرات المعروف باسم ((dina دينا. لم يقتصر الاجتثاث علي ملاحقة الناشطين السياسيين والمعارضين، التي استمرت طيلة سنوات سميت بسنوات الكوندور ((Condor، وهو عنوان خطة عمل ارهابية أعدتها أجهزة أمنِ الحكومات الامريكية ـ اللاتينية التي َجنّدتها آنذاك الولايات المتحدة، بل طال أيضا ًً الكتب ودور النشر، ونظام التعليم الذي استبدل بنظام هجين لا يعير اهتماما للابداع الأدبي والفني، منعا لتولـُّد أفكار التجديد والتغيير.. يتحذ َّر الديكتاتور من الذين يقدمون علي اتخاذ المبادرات، ولا يستأمن الا للذين يتفرجون ويسمعون ويقولون نعَمْ.
أما ادارة البلاد فلقد أوكل قادة الانقلاب العسكري أمرها، الي مغتربين تشيليين استقدموهم لهذه الغاية من الولايات المتحدة وكانوا في غالبيتهم مجازين من جامعة شيكاغو. لذلك أطلق عليهم لقب فتية شيكاغو، لا سيما وأن المهمة التي تصدرت أولوياتهم كانت توفير أفضل شروط الاستثمار للشركات الأمريكية. انه حال المغترب الذي يقبل العمل في بلده الأصلي لحساب البلد الذي تبنّاه لاحقا ً، فتراه يتمرّأ بأبناء جلدته ويتعالي عليهم ويظلمهم، ويبالغ في اظهار الغيرة علي مصالح مستخدميه وكأنه يريد تسديد دين استحقوه عليه.
وجملة القول أن الولايات المتحدة أقدمت في 11 ايلول (سبتمبر) 1973، بواسطة عملاء لها في التشيلي علي تعليق العمل بدستور البلاد وبقوانينها، وفرضت الأحكام العرفية التي تكفلت مؤسسة الجيش بتطبيقها، بعد أن حُلّت مؤسسات الدولة الأخري. وبهذه الطريقة استطاعت ايقاف وكسر سيرورة سياسية، تراكمت أثناءها وعلي مدي عقود من الزمن، تجارب الشعب وكل ما رافقها من انتاج فكري ومن تنوع في أساليب التحرك الجمعوي. لم يُسفر الانقلاب العسكري في التشيلي عن اسقاط حكومة الرئيس أليندي اليسارية، وعن موته وعن حظر الأحزاب وحسب، بل أدّي الي حالة من الواقعية، وقد يصح القول حالة من الخيبة أو من الشكوكية. بمعني أن استيلاء العسكر علي الحكم أسكت صوت الذاكرة وخنق الأمل، بقصد الايحاء بأن النشاط السياسي مسموح به فقط، ما بقي منافسة للوصول الي المناصب، دون المس بطبيعة النظام وبسياساته. دام الحكم الديكتاتوري في التشيلي سبعة عشر عاما، أي الوقت اللازم لالغاء دور جيل من المناضلين الذين انبني وجدانهم وتكونت معارفهم في مدارس بلدهم، وفي أحياء مدنه وقراه، واستمعوا الي روايات كبار السن، فحملوا هموم الناس وتطلعاتهم. ينجم عن الخوف والقلق من المذلة ومن التعذيب الجسدي ومن القتل، طيلة سنوات عديدة، حالة ٌ شبيهة بالسقوط في ثقب أسود. بمعني أن الشخص ينغلق علي ذاته ويتّبع أهواءها، بينما تخبو مشاعره بوجود الآخر أو الغير وتتهتك علاقته به. يترتب عليه صعوبة في التعاون بين أفراد المجتمع المقهور علي مواجهة مشكلات يعود حلٌّها بالفائدة علي الجميع. والملحوظ هنا أن هذا المجتمع المنكوب الي حدود الانحلال والتلاشي، يتحول الي مجتمع استهلاكي في كافة الحقول. وبكلام آخر تعوز مثل هذا المجتمع الأسبابُ التي تحثُُّ علي الانتاج والابداع. فيعمد أعضاؤه الي تلبية حاجاتهم كيفما كان. لذلك تتعاظم أهمية المال ويسود سلطانه. وتأسيسا عليه يصير الحديث عن الحكومة والوزير والقائد، الي غير ذلك من التعابير التي تُعرّف الدولة، تجاوزا للمعني واسرافا في الاستخدام. وبالنظر الي أوضاع العديد من البلدان التي باتت بشكل مباشر أو غير مباشر، مستعمَرة من الولايات المتحدة، ليس تجنيا القول بأن الوزراء الذين يحكمون هذه البلدان، والمسؤولين الأمنيين الذين يراقبون سكانها، تشربوا النظريات في المعاهد الأميركية، وتدربوا في المصارف الدولية، قبل عودتهم الي بلادهم لممارسة وظائفهم في ادارة توزيع المعونات والهبات، بالاضافة الي دورهم كأدِلـّةٍ محليين في خدمة المستعمِرين. ولكن ما يستوقف المرء في هذه المناسبة هو السؤال عن الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة الي اسقاط حكومة الرئيس سلفادور أليندي في تشيلي. فهذا الرجل لم يلجأ الي الأساليب التي اعتمدها الشيوعيون، حيثما استولوا علي السلطة. أو بتعبير أوضح لم يفرض حكم الحزب الواحد، ولم يتذرّع باحلال الاشتراكية لاقامة ديكتاتورية البروليتاريا. ويتفق أعداؤه ومحبوه علي القول بأنه تسلـّم الحكم بعد فوزه في الانتخابات، وكان بالطبع سوف يتخلي عن مهامه لو تغيرت نتائج الاقتراع الشعبي. وهذه هي الديمقراطية!
ومن ناحية ثانية لم يكن أليندي متدينا متشددا، أو أصوليا، كما هم المحافظون الجدد في الولايات المتحدة، وكما هم أيضا المستعمِرون الاسرائيليون. وأغلب الظن أنه كان يعتقد بالانسان، مما يعني ضمنيا ازدواجية تجليات الوجود. فالروحاني شأن من شؤون الذات، ليس لأحد أن يتكهن بما يختلج أو يختمر في فنائها، أما الانسان الاجتماعي فهو قول وفعل. وطيلة السنوات الثلاث التي استغرقتها ولاية أليندي لم تنشب حروب بين التشيلي وجاراتها، ولم تمتلئ السجون بالمعتقلين السياسيين، ولم يسمع الناس عن العثور يوميا، علي جثث آثار التعذيب بادية عليها.
وأخيرا، ربما يكون مفيدا أن تقف الشعوب العربية ازاء هذا السؤال، فبعض الحكام يتداولون دوريا الخطط السياسية والأمنية باشراف الوزراء والسياسيين الامريكيين.