حراس ثلاثة يقفون عند بوابة مصرف الرشيد بكامل قيافتهم العسكرية، وعتادهم يدل على جاهزيتهم للقتال في أي لحظة. حارس رابع واقف قريباً منهم ويرتدي ملابسَ عادية، بنطالا وقميصا، ولا يحمل سلاحاً.
اللصوص المحترفون لا يخشون الحراسَ الثلاثة المجهزين بالأسلحة، فهؤلاء وظيفتُهم تخويف المارة والبُلَهاءِ من السراق، أما اللصوص الحاليون، الذين هم على درجة عالية من الاحتراف والذكاء، فإن ما يقلقُهم كثيرا هو أمرُ الرجل الرابع؛ الشرطي الواقف بملابسه المدنية ولا يحمل سلاحا ظاهرا. إنهم يحسبون كثيراً له لأن ملابسه عادية: بنطال وقميص، ويرتعبون أكثر ـ بل هم أقلعوا عن فكرة السطو على المصرف ـ لأنه أعزل من السلاح.
الثياب القشيبة
تمام الحادية عشرة والنصف قبل الظهر في متحف المدينة، مع الأثاث القديم والستائر كامدة اللون يشعر المرء بأن كل شيء ميت هنا، حتى الهواء. هناك تهاويل رطوبة على الحيطان المغطاة بورق أسمر محبب، أريكة منجدة بقماش بني عتيق، وألبوم صور ودفاتر يوميات وكتب يحجب عناوينها الغبار ملقاة بإهمال على رفوف المكتبة.
هل يشبه المتحفُ القبرَ، فالاثنان لا علاقة لهما بالزمن، والساكن فيهما لا يهمه الوقت والساعة؟ كما أن أغلب الزائرين لا يعرفون شيئا عن الأمير المعلقة صورته على الجدار المقابل؛ شيخ بشعر أبيض وخدين مترهلين، نظرته حادة كطير جارح، ويحدق في الحائط المقابل حيث وسم الرطوبة. زوار المتحف يدفعهم الفضول أكثر من طلب المعرفة، ويأخذون الصور بالموبايل مع الموجودات، مثلما يفعلون في حديقة مع الورد والشجر. كانت روح الأمير الميت هناك على رفوف مكتبته، حيث الدفاتر والصور التي يغطيها الغبار. الصمتُ هنا كثيرٌ وطويلٌ، الريح تئن في النوافذ، البحر الداكن كالنبيذ يصطخب من بعيد، والسماء أصغر من أن يبصرها أحد. عند تمام الزيارة كان الجميع يشعرون بأن وجوههم غدت باهتة، بل إنهم يكادون يشبهون الشيخ في الصورة، ويوجهون نظرات حادة إلى بعضهم بعضا. هنيهات، ثم أعادت ملابسُهم الجميلة إليهم الشعور بالواقع، وعاد إليهم حضورهم. الثياب القشيبة تجددنا عندما تجذب الحياة البهيجة مثل مغناطيس، منْ يخلعها عنا يرانا مشبوحين، ومعلقين على الحائط في لوحات مؤطرة بالذهب الميت، ونحدق بعيون رمادية اللون في تهاويل الرطوبة.
يا ليتهم بقوا فقراء
مرة أخرى هدير الأسلحة، ضربوني على رأسي، ورموني أرضاً، ثم أخذوا يركلونني حتى تعبوا. كنت أبصر من خلال خرقة قذرة، وكانت الخرقة الحمراء هي الضياء. كان جو الغرفة مثقلا بالروائح الخانقة، ولم أكن أتبينهم سوى من أصواتهم. كان الدم وحده دافعهم للكلام. يا ليتهم بقوا فقراء محرومين حتى من الخبز. إنهم يحملون اليومَ الأسلحةَ حتى وهم نيام، ثم رأيت بعدها، من مكاني، ضوءاً ميتاً في النافذةً. بقيت أزم فمي بألم وتحد طوال النهار، ثم لا أعرف ما السبب، ابتسمتُ. خمس مرات رأيت النجمة في سماء النافذة، وفي السادسة أطل القمر من بين السحاب. خمس مرات رسمتُ ابتسامة عريضة على شفتي. الرب وحده يعلم لماذا يحجر قومي أنفسهم بالأسلحة، وليس من حديث لهم سوى القتل وسفك دماء الأبرياء.
ما تحتاجه كي تكون رجلاً
ما زلتُ في السادسة عشرةَ، وسيارة مرسيدس حمراء ذات دفعٍ رباعي تطوف بي على الطريق السريع في المدينة. وجهت إليّ امرأة واقفة على جانب الطريق إشارةً، ولم أستطع إبعاد نظري عن شعرها الأسود وساقيها المتصالبتين تحت تنورتها الواسعة الملونة. أوقفتُ العجلة، ودعوتها للركوب معي. تريد أن تصيرَ رجلاً يا حبي؟ صاحتْ بي المرأة الحسناء، وقبل أن أفكر في الإجابة، صرخت بي: ما الذي تعرفه عن الحب والولع، ما الذي جربته من ألوان العذاب يا روحي؟ ثم أخذ وجهها يحمر ويشحب، وجمدتْ فـي مكانها دون أن تحرك رمشها حتى خِلتُها تمثالاً: عليك أن تبعد أحلامك عن هذه الِفخاخ ـ وأشارت إلى سيارتي. ثم أتمت كلامها، وقد عادت الدماء كأنما في مشهد سينمائي إلى وجهها: لا شيء تحتاجه كي تكونَ رجلاً غير شيء من الشجاعة وشيء من طيبة القلب. قالت ذلك، وابتعدت، وكان شعرُها يثقل ركضَها، ثم توقفت على مبعدة مني، والتفتت: هنالك الكثير من الفخاخ في طريقك يا روحي…
أطفأتُ محرك المرسيدس الحمراء، ونظرت إلى وجهي في المرآة المعلقة، وأخذتُ أرتعش؛ كانت لي ملامح شيطان جائع للشر. حتى اللحظة، وقد قاربَ عمري الستين؛ كلما تذكرت كلام الساحرة تحضرني صورة الشيطان، وأظل أرتعش.
قصرٌ شاهقٌ ومنيف
حمل لي سجل فحص المرضى لهذا اليوم اسم: «ملكية» ودخل رجل يرتدي دشداشة وغترة، وجهه مدور أسمر مع شارب أسود خفيف. سألته عن شكواه، فأجابني، وعرفتُ من نبرة صوته قصته. هو أنثى في سيماء رجل، ويعامل معاملة الذكور، ويُحسبُ له حساب الرجال بين أهله، والجميع يدعونه باسم الكنية الذي اختاره: «أبو طارق». سألته:
– ما هو عملك؟
– لدي بسطة على الأرض أبيع فيها إطارات الشاحنات المستعملة.
أجابني أبو طارق بصوت ذكوري خشن جهير.
– والحر والقر والشمس والمطر؟ قلت له مستفسرا، بينما كنت أتفحص وجهه الذي يشبه القناع القاسي والوقور من تأثير العمل في الشارع وسط البرد والقيظ:
– هذه البسطة أرتاح فيها كما لو أنها قصر شاهق منيف، فهي مكان عملي.
– لكن قلبك مجهد بسبب ارتفاع ضغط الدم وعليك أن ترتاح.
– العمل هو «دورة» وجهنا. من يعيل أولاد أخي الميت وزوجته إذا لم أعمل أنا؟
«مليكة» المرأة التي يدعوها الجميع «أبو طارق» عرفت العمل بصورة فيها دقة وأمانة وفصاحة تفوق ما لدى أهل العلم والمعرفة. العمل هو «دورة» وجهنا، أي أنه يأخذ شكل الدائرة بواسطة العمل، وهذه أجمل الأشكال الهندسية وأقربها إلى حالة الإعجاز لأنها تمثل صورة الشمس والقمر…
الزواج المستحيل
اسمه محمود، وكان يحب شيرين، ويغير عليها في الليل في بيتهم الصغير. مرات ومرات ومرات. تترك له حبيبته الباب مواربا، ويدخل متلصصا، يجتاز غرفة المعيشة، ويجدها في انتظاره. خطبها من أهلها، وجاء الرفض من قبل أخيها. تدخل آغا القرية، ووافق الأخ، لكنه طلب مئة مثقال ذهب مهراً. محمود فلاح، وليس بمقدوره تقديم حتى ربع المبلغ، حتى ثُمنه… في آخر الليل كان يفكر: الغارة على حبيبتي شيرين أسهل من الزواج بكثير. المشكلة أن عليه أن يعبر في هذه الليلة فوق جسد أخيها الممدد على الأرض، وهو يشخر. ربما كان يحلم بما يفعله بمهر أخته: مئة مثقال ذهب!
كاتب عراقي