في فيلم ‘الديكتاتور العظيم’، الذي كتبه ومثله واخرجه ‘تشارلي شابلن’ قبل ثلاث سنوات من انتاجه عام 1940م، حيث لم يبال بالصعوبات المتوقعة التي قد تعيق عرضه. اذ تمكن الفنان القدير ان يسخر بقوة من الحاكم الدكتاتور الأوتوقراطي الذي كان يتولى السلطة المطلقة، ويحكم بقبضته عليها كما الملوك المستبدين.. فتهكم على الحزب النازي ورئيسه وحلفائه. كان الفنان دقيقاً في وصفه، وكذلك أغوار الدائرة المقربة منه.. كاشفاً الفاشية العابثة، كـ’جماعة سياسية منظمة حريصة بجشع وقلوب قاسية’. ولم تلحق الفنان اية مسائلة قانونية من اشهر طاغية في القرن العشرين، ولكن صفات الشخصية الدكتاتورية متشابهة مع اي مستبد في العالم، في زمان ومكان.. حتى وان غير الاسماء، واستبدل رمز ‘الصليب المعكوف’ بحرفين ‘ XX’. وما يبدر عن الحاكم من تصرف.. يعطي انطباعاً عن قوة الشخصية، فتبدو جمله غير مشوشة واضحة الافكار عبر خطبه ومقابلاته. وكلما كان معبرا بألفاظه الجادة.. يؤمن به جمهوره الى درجة سيجد من يحفظ له كل نأمة، وكل تنهدة. فوجد في شخصية بطل الفيلم بانها لم تبتعد كثيرا بصفاتها عن الحليف ‘موسليني’، غير متزن، متقلب الاهواء.. الموضوعة تسببت الى مقاضاة ‘تشارلي شابلن’، والذي لم يتوقعه احد ان يكون الامر من ذلك الجانب، حيث تضافر الجمهور حول الفنان ‘تشارلي شابلن’ لإنصافه، ولم يستطع احد نفيه عن ارض بلدهِ، كما تقرر لأنه سخر من الحاكم. فالحاكم يحمل اسم الدولة، ويكون رمزها البارز امام العالم، وكل ما يصدر عنه كأنما يصدر عن الدولة كلها. فأية فكرة يتبناها الحاكم، يجب ان يتبناها الجمهور، بالفرض، وسرعان ما تجد لها من يتبنى امتداداتها، ويبدع في فلسفة تفرعاتها. لأنها تمثل تيار الحاكم، ولابد ان تكون فكرة سامية، بالفرض ايضاً، تتغطى بالمشروعية وتَنِمْ عن قرب منزلة الملتزم بها من الحاكم، ويكون من التزم بها هم المبرزين، المحظيين، والقريبين من دائرة الحاكم. يكونون متفاخرين بها.. بمناسبة، او غير.. حيث هي وجهة الحاكم، ومدعاة للمباهاة.. وكل ذلك يكون في غير صالحة اذا كان يقول شيء ويسير عكسه، حيث يتصدى له من يسخر منه وليس من الدولة. فيكون هو الساخر بنفسه من دولته وليس الفنان الساخر. فكلما كان الحاكم يعرض مشروعاً مشوشاً غير متكامل، وغير مدروس. وكلما يبقى الحاكم مصراً على الخطأ. كلما اوقع بلده في الحرج المقيت بطريقة اكثر سوءاً من اي فعل، لان تصرفه يقلب المعادلة القوية الى حالة ضعف المستبدون في كل زمان ومكان، تتعاظم فيهم خصال الشعور بالعظمة، تجعله ينسى بان بلده من مشرقه الى مغربه، كأنما خالية من العقول المتنورة، المبدعة، المتحررة من كل القوالب القاسية التي يحاول فرضها بجبروته، ويتناسى ادوارها، وغالبا ما تكون مرحلة نهايته.. حيث يجد الفنان ما يحفزه على التقاط تلك الهفوات وتسجيلها ضمن موضوعة تتمحور حولها السخرية، ولو كان الحاكم متزناً في خطواته، وقد حسب جيداً لذلك. ضيع على الآخرين، تلك الهلهلة، والركاكة، والأرجحة هي التي تستفز الفنان.. وعندما يتهم اعلامي بالسخرية من احدى الشخصيات فهو لا يأتي بسخريته من العدم، فغالبا ما يكون السياسي قد سمح له بذلك ليس المقصود قانوناً، ولكني اقصد بانه هو الذي صنع موضوعاً ما استطاع منه الفنان. ‘الشخصيات العامة هي شخصيات اعتبارية، وعرضة لانتقادات، بشرط عدم التعرض للخصوصية العائلية وانحداراتها’. فالحاكم هو اول من يسخر من بلده عندما يقع في محظور سياسي، وعادة البشر ليس معصوماً ولكن الخطأ الاول يقع على شخص الرئيس لأنه سخر من شعبه، ومن دستور بلادة، ومن كفاءات بلاده، وكل شيء. يُقال ان ‘ادولف هتلر’ كان من المستمتعين بمشاهدة الفيلم الذي تقصد النيل منه، فقال يومها معلقاً ‘بان حالة الفن اعتبارية وجائزة في اي عمل ابداعي’.