يحصل أن نقف أمام واجهة مكتبة، وسط عاصمة البلد، أو غيرها من مدن أخرى، نجد فيها كتباً من تخصصات مختلفة، عدا الشعر. وإن تجرأنا ودفعنا الباب ودخلنا، فلن نجد الشعر سوى في رف أو رفين بعيدين، تبلغهم أضواء خافتة، ولا تصل إليهم أصابع الزبائن أو المارة. وفي معارض الكتاب المحلية، يبحث الناس عن كتب كثيرة، بما في ذلك كتب تفسير الأحلام وأخبار الجن، ونادراً ما يسألون عن شعر، وإن حصل وسألوا عنه، فلن يخرج عن طلب دواوين لشعراء مشرقيين. كما أن أمسيات الشعر، على قلتها، بات لا يحضرها سوى عابرين أو نمامين أو مُخبرين أو صائدي شاعرات أو متقاعدين داهمهم ضجر أو بعض من معطوبي الإبداع. فهل هي هزيمة الشعر في الجزائر؟
من الشجاعة أن نقر بأن الجزائر لم تكن ـ يوماً ـ بلداً للشعر الفصيح، لأسباب كثيرة؛ فقد ضيعنا وقتاً في مناقشة حجج تغيب الشعر، بدون أن نكتب شعراً، ثم إن شعراء الجزائر المعاصرين يكتبون، وهم لا يعلمون لمن يكتبون، ولا لمن يقرؤون ومن يقرأ لهم. وأحياناً الشاعر نفسه لا يُعيد قراءة ما يكتب، وفي هذه الحالة، لا ننتظر من القارئ أن يبذل جهداً في شراء ومطالعة ديوان شعر لا يفهم منه الكثير. قد يقول أحدهم أن الشاعر ليس ملزماً بشرح ما يكتب، وأن الشعر لا يتوجه إلى عامة الناس، لكن في المقابل، لم يتكيف الشعر في الجزائر مع المرحلة التي يعيشها، ما يزال ماضوياً، غريباً عن الجغرافيا، التي يدور فيها وحولها. لكي نقرأ شعراً نحتاج تفرغاً، وقتاً، ونحن اليوم نُصارع نظاماً اجتماعياً مضاد لقراءة الشعر وللتفرغ، فهل نرضى بهزيمة الشعر أم نُعيد تكييفه مع متطلبات المرحلة؟
لقد طُرحت، في الماضي، أسئلة عن الشعر، وقليلاً ما طُرحت أسئلة على الشاعر في حد ذاته، الذي يدرك أن كتابته لم تتغير ولم تتعدل، ومع ذلك يشتكي من قلة القراء، وضعف منافسته لضروب كتابية أخرى. من الطبيعي أن تُباع رواية ما بالمئات، مع أن الجزائر من أضعف أسواق الرواية عربياً، لكن هذا لا يعني أن يحس شاعر بكبت، وبأن هناك مؤامرة على الشعر، لأنه لا يبيع بالكمية ذاتها. أن يوجد قراء للشعر، على قلتهم، فهم ليسوا بالضرورة قراء لشعراء جزائريين، وأن يعجز شاعر على تحويل بصرهم إليه، فالأولى له أن يطرح أسئلة على نفسه، قبل إطلاق سخطه على القراء، الذين يبتاعون سنوياً نسخاً لشعراء من سوريا وفلسطين ومصر، ويتجاهلون كتاب بلدهم، ولهم في ذلك أعذارهم.
إذا فشلنا في امتلاك شعر فصيح، ذلك لأننا امتلكنا شعراً آخر، يتداوله الناس ويحفظونه، ويتراشقون بكلماته، وهم ينسون أو يجهلون أسماء مؤلفيه، ونقصد هنا الشعر الملحون في الجزائر.
إذا فشلنا في امتلاك شعر فصيح، ذلك لأننا امتلكنا شعراً آخر، يتداوله الناس ويحفظونه، ويتراشقون بكلماته، وهم ينسون أو يجهلون أسماء مؤلفيه، ونقصد هنا الشعر الملحون في الجزائر، أو ما يصطلح عليه ـ أحياناً ـ ﺑ»القصيد» أو شعر العامية، الذي استوعب العربية، وفتحها على الأمازيغية، وعلى تأثيرات لغوية أجنبية، وهو شعر لم يتوقف عن تجديد نفسه، وتنويع شكله ومضمونه، خصوصاً في اقترابه وتماسه مع الناس مباشرة، حيث تكاد تكون لكل مدينة شخصية «قوال»، ذلك الذي يلقي شعراً ويرتجل، في الأمكنة العامة، ثم إن سجلاً واسعاً من الأغنية الجزائرية يقتنص كلماته من الشعر الملحون، الذي يكتب، في الغالب، على إيقاع موسيقي، ما يسهل تلقيه، وانتشاره بين الناس. ويشبه الباحث عبد القادر عزة شخصية «القوال» الذي ينظم «القصيد»، ويحفظ قصائد الملحون، يشبهه بشعراء الجاهلية، باعتبارهم متحدثين عن قبائلهم، بينما القوال، هو الناطق باسم المنطقة التي ينشط فيها، ما يكسبه مكانة معنوية، ويجعل من الشعر الملحون نصاً ينصت إليه الناس، ويغنيهم عن الالتفات إلى الشعر الفصيح، في الجزائر.
بما أن الشعر الفصيح فشل في أن يُقيم مزاراً له، وعجز عن منافسة الشعر الملحون، كما أن الجامعات تكاد تصرف النظر عنه، وقليلاً ما نُصادف رسالة جامعية عن ديوان شعر فصيح، كما أنه لم يقدر على رفع صوته أمام «القوال»، فهل يصح أن يطلق أحدهم على نفسه «شاعراً» في الجزائر؟ كلمة شاعر تبدو كلمة عبثية، في عقول الناس، يدركون معاني كلمتي مداح أو زجال، وما ينبغي لهما أن يكتبا أو يقولا، لكنهم يجدون صعوبة في تفسير معنى شاعر، والأمر لا يتوقف عند تواري الشعر الفصيح، بقدر ما يتعلق بسير الشعراء أنفسهم، فمنذ جيل مفدي زكرياء، ونهاية ثورة التحرير، بالكاد نجد شاعراً واحداً متورطاً في قضايا يومه، وقريباً من السجالات والنقاشات، التي تحدث في بلده، فقد كون الشعراء صورة مغبرة عن أنفسهم، حياديين، صامتين، في اللحظات الحاسمة، ولا ينطقون سوى عندما يؤذن لهم بذلك، في أمسيات أو في مناسبات يختلط فيه الشعر بالولاء السياسي.
وعندما تستضيف تلفزيونات محلية شاعراً، فالأمر ليس مغريا ولا يجذب مشاهدين، مثل تقديم مدون أو ناشط أو خبير في أمر ما، حتى إن كان خبيراً في الشعوذة، على العكس تماماً مما يحصل، على الجهة المقابلة، في الشعر الملحون، المشتبك مع كل ما يحصل، والمستمسك بجرأته في التعليق والنقد والمدح والذم، أحياناً بكلام فظ، غير مبالٍ بالأخلاقيات اللزجة، ولا قوانين الدبلوماسية المتحولة.
من السهل أن يرد واحد من الشعراء بالقول إن فارلين لم يكن يبيع في وقته أكثر من 8 نسخ، من دواوينه، وكذا الحال مع رامبو، أو بودلير، ولكن أولئك وغيرهم عاشوا شعراء، في اشتباكهم مع راهنهم ومحاورته جمالياً، فقد خاضوا حياة شعر، والشعر ليس بالضرورة ما يُكتب، بل هو ـ قبلاً ـ تجربة حياة، بينما في الجزائر ما يزال الشعر هو فقط حين تنشر قصيدة، أو يصدر ديوان، مع أن الشعر يوجد في الكلام اليومي، في ومضات إعلانية على تلفزيون، في أغنية، في فيلم، أو في مسرحية.
ما سبق لا يعني أن الأمر حسم، وأن الشعر لن يقف على رجليه، في الجزائر، بل هي معاينة عما حصل، في وقت سابق، بينما اليوم توجد وسائل لتغير الوضع، باستغلال وساط التواصل، مع ما توفره من نشر وانتشار وسهولة في تلقي الشعر، تنظيم لقاءات تخص فقط الشعر، بالخروج من القاعات المهجورة إلى الشارع، ربط الشعر بالموسيقى، فعندما ينتقل الشعر إلى الأغنية سيجد جمهورا له. عدا ذلك، سيظل متكئاً على هزيمته التاريخية.
٭ روائي جزائري