طاغور: الشاعر الصوفيّد. خالد أقلعي
ما السّحر الذي يبثّ فينا نظم الشعراء فيملؤنا بالفرحة والانتشاء، ويسلمنا إلي عوالم خيال رحبة لا حدود لها ولا مرافئ؟ أين يكمن سرّ بعض الأصوات الشعرية التي تنجح في اصطحابنا إلي عوالم روحية لا يملك بلوغ أعماقها السحيقة إلا من اعتزل الحياة وملذاتها، وتشوفت روحه إلي كمال الفن وجماله؟ في الروح، إذن، يكمن السرّ.. في هذا الكائن الهلامي الذي يقوي علي مواجهة فتنة الموت المريعة بكل شجاعة وشموخ، ثم يعجز في نفس الآن عن كبت أقلّ نزوات النفس هونا وأكثرها حقارة! الرّوح لدي شعراء الإنسانية نبع الحياة والخصب علي الأرض، وهي كذلك وأكثر عند الشاعر الأسطورة رابيندرانات طاغورTagore الذي عنون أحد دواوينه الرائعة باسم الشاعر. ولد طاغور في كلكوتا الهندية في 6 ايار (مايو) 1861 وسط أسرة عريقة من أشرف الأسر البنغالية مكانة روحية في محيطها وتأثيرا، إذ ان جدّه الأمير دواركاناث Dwarkanath كان أحد مجدّدي المذهب البراهْمّيBrahma Samaj (الحشر الربّاني) الذي تأسس في الهند عام 1828. في هذا الوسط نشأ الشاعر الصغير الذي أخذ ينظم مقطوعات صغيرة باللغة البنغالية يعبر فيها عما يعنّ له في وحدته داخل قصر العائلة الغاص بالنساء والأطفال والعبيد. وبعد أن شبّ عن الطوق سافر إلي انكلترا بغرض دراسة القانون في أحد معاهدها، شأنه في ذلك، شأن باقي شباب الهند المستنير في تلك الحقبة الزمنية المتقدمة. وبمجرد عودة طاغور إلي كلكوتا أصدر أول ديوان شعر (أغاني الصّباح) الذي أكسبه شعبية كبيرة توالت مع نظمه المتميّز في دواوين الشعرية والنثرية الكثيرة مثل:
البستانّي، قصائد عاشقة، جيتنجاليGITANJALI، وهي عبارة عن مناجاة نثرية صوفية تضم حوالي مئة وثلاث مقطوعات شعرية منثورة نال بها الشّاعر الصّوفي جائزة نوبل للآداب عام 1913 . ولكي يأخذ القارئ الكريم صورة عن روحانية هذا المبدع المتنوع: الرسام والإنسان والمربّي والسّياسي والزّعيم الرّوحي.. الذي شغل الناس في عصره ولا يزال رمزا أدبيا خالدا بشعره الصوفي العميق.. نعرض صورا نثرية من مناجاته جيتنجالي*:1كانت إرادتك التي جعلتني خالدا. كأسيَ الهشّ هذا أنت من سكبته مرة ومرة، وعدت لملئه بحياة جديدة. حملتَ عبر الوديان والجبال هذا النّاي المنشدَ، ونفخت فيه أنغاما خالدة الِجدّة. عند لمس يديك الخالد يتمدّد قلبي الصغير في السعادة بدون نهاية، وتُبعث الحياة في التعبير المعجز وصفُه. نعمك الدائمة ما عليّ إلاّ أن أتلقفها بكفيّ الصغيرين الفقيرين. و تمرّ القرون، وتستمر في السّكب، ولا يزال دائما في كفيّ مكان للملء. 2 عندما تأمرني بالإنشاد، يبدو قلبي وكأنه سوف ينكسر غرورا. أنظر إليك وأشرع في النّحيب. ينصهر كل ما في حياتي من قسوة وحموضة في نغمة ناعمة لا أعرفها، ويبلغ سجودي منتهاه، سعيدا مثل عصفور يجتاز محلّقا النّهر. أعلم أنك تستجيب لنشيدي، يكفي أن آتيك منشدًا، وبهدّاب** جناح نشيديَ المشرّع بضخامة ألمس قدمك، وما كنت أحسب أبدا أنني قادر علي إدراكها. وأنشد، ويسكرني النّشيد، وأنسي من أنا، وأناديك بصاحبي، أنت يا من هو مولاي وسيدي. 3كيف تنشد أنت، مولاي؟ أصغي إليك باستمرار وقد أخرستنيَ الدّهشة! أنوار أنغامك تضيء الكون من حولنا، أنفاسك تجري من سماء إلي سماء، جدولك المقدس يهزم كل جذب، ويمضي، في تدفّق، إلي الأمام. يتوق قلبي أن يتوحّد بنشيدك، لكن عبثا يبحث عن صوتك. أريد أن أبوح، لكن كلامي لا يتفتّح نغما، وأصرخ مهزوما. آه، كيف تأسر قلبي في شراك نغمك الخالد، مولاي!4أحبّ أن أحتفظ بصفاء قلبي، حياة حياتي، من تركت بصمتك الحيّة في وجداني، سوف أحتفظ بخاطري دائما حرّا من أيّ رياء، فأنت الحقّ الذي أشعل نور العقل في جبهتي. سوف أصون قلبي من كل شرّ، وأحتفظ بعشقي دائما متورّدا، فأنت تتربّع علي مذبح روحي المقدس الأكثر حميمية. سوف تكون رغبتي إعلانك في أناشيدي، فأنا أعلم أنك الجذر الذي يقوي عملي. ہ ترجمت هذه المقاطع عن اللغة الإسبانية من خلال المرجع الآتي:Los premios Nobel de Literatura، Plaza&Janژs، s. a. Editores، Barceona، 26 Abril 1964، P:1625** الهدَّاب: الخيوط التي تبقي في طرف الثوب دون أن يكمل نسجها.