د. خالد شوكات
كليبرالي لا أستسيغ حشر الدولة أنفها في لباس الناس وأذواقهم الخاصة، فقد كان هذا الأمر صفة من صفات الحكم الشمولي، الذي لا يكتفي بوضع قواعد القانون العام، ويتعداه الي وضع قواعد السلوك الشخصي، وكليبرالي أيضا أرفض تماما أن يجري تحويل لباس الناس الي ركن من أركان الدين، يدخل الي النار ويعتق منها، ويصبح لدي المسلمين في مقام الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج.
قبل أسابيع قليلة عدت من تونس، وكنت أعتقد قبل زيارتها، أنني ذاهب الي بلد يعيش نوعا من الصراعات الأهلية الطاحنة، وذلك جراء تأثري بما أقـــــرأ يوميا علي صفحات الجــــرائد وفي مواقع الانترنت، فـ تونس الحبيبة بلد الحضارة الاسلامية وجامعة الزيتونة تعلن الحــــرب علي الله وعلي شريعته وتدعو الي العري والسفور والرذيلة وتحارب الحجاب والفضيلة مثلما وصف الوضع الداعية الاسلامي المصري المودرن وجدي غنيم.
لم أعثر شخصيا علي ما يشير الي أن تونس تعيش هذه الحرب التي أخبر عنها الشيخ غنيم، ولا أي وضع غير طبيعي آخر، أو أن في شوارع مدنها ما يشجع علي الاعتقاد بأن حملات أمنية مشددة السلطات بصدد القيام بها، تستهدف مجموعات معينة من النساء، وأن المحجبات بالتحديد يسرن في شوارع العاصمة الكبري ومدن أخري بكل ثقة في النفس وتؤدة، لا يبدو علي وجوههن ذعر أو خوف من ملاحقة، بل لقد رأيت موظفات حكوميات يغطين رؤوسهن بالكامل ويرتدين زيا يرشد بوضوح الي التزامهن الديني.
في الصحف التونسية، التي اعتادت خلافا لصحف العالم جميعا، تصوير الواقع ورديا في غالب الأحيان، وجدت بعض الجرأة في التطرق الي موضوع الحجاب الاسلامي، الذي كان من التابوهات و الخطوط الحمراء طيلة السنوات الماضية، والخلاصة التي يمكن للقارئ أن يخرج بها، أن السلطات التونسية، خلافا لما جاء في كلمة الشيخ غنيم أيضا، لا تشجع علي العري والسفور والرذيلة، بل تدعو التونسيين والتونسيات الي ارتداء ما يحقق الحشمة والاحترام في لباسهم، غير أنها لا تري أن الحجاب المستورد من المشرق العربي وحده من يضمن هذين المبدأين، وأن نساء الرسول (ص) والصحابة (رض) كن يحققن مقصد الشريعة علي الشاكلة نفسها.
وقد أوردت وسائل الاعلام التونسية، مقتطفات من تصريحات الرئيس زين العابدين بن علي والناطق باسم رئاسة الجمهورية الوزير عبد العزيز بن ضياء والهادي مهني الأمين العام لحزب التجمع الحاكم، تؤكد في مجملها علي تمسك القيادة السياسية التونسية بثوابت الهوية العربية الاسلامية للبلاد، ومن ضمنها التشجيع علي اللباس المحتشم، الذي يمكن أن يستند الي تراث البلاد وصناعاتها التقليدية، لكنها ترفض في آن تحويل الملابس الي رموز سياسية ودينية ذات دلالة تمييزية، تقسم التونسيات الي طاهرات عفيفات و ساقطات فاجرات، أو الي مؤمنات ملتزمات و مؤمنات مستهترات بالدين.
وبصدد هذه التصريحات لي ملاحظتان اثنتان: الأولي، أن الحجاب المودرن الذي شاهدت غالبية المحجبات يرتدينه، لا صلة له بالتدين السياسي الذي كنت أعرفه خلال الثمانينات، والذي كان يحقق ما هو معروف في الفقه الاسلامي بـ ضوابط اللباس الشرعي، وهو مشابه أكثر لما ترتدينه بعض مقدمات البرامج في القنوات الاسلامية، وجمهور الدعاة المودرن من الفتيات المحجبات، اللاتي لا يرين مانعا في الجمع بين الحجاب والماكياج الكامل، وبين الحجاب وسراويل الجينز الضيقة والقمصان الملتصقة بالأجساد والكاشفة للمفاتن.
والثانية، أن ملامح المحجبات التونسيات الشابات، هي نفس الملامح التي وجدتها في المحجبات الشابات في عدد كبير من البلدان العربية ذات الأوضاع المشابهة، كمصر وسورية والجزائر والمغرب وغيرها، والتي اعتـــقد اعتمادا عليها، أن الأسباب الدافعة لارتداء الحجاب، ليست قط سياسية ـ خلافا لتقدير السلطات التونسية، بل هي نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ولهذا لم يكن ثمة داع لأية مخاوف أمنية أو سياسية، ربما عمل البعض علي تضخيمها واستغلالها للامعان في تشويه صورة تونس الخارجية، وخصوصا في محيطها العربي والاسلامي، وتصوير التونسيين وكأنهم مقبلون علي تغيير دينهم الي دين آخر.
ان افتراض وجود دوافع سياسية في الحالة التونسية بالتحديد، يثب للنظام السياسي في تونس، أن معالجة ظاهرة الاسلام السياسي المتشدد لا يمكن أن تكون اذا معالجة أمنية، فلقد خاضت السلطات والأجهزة الأمنية طيلة ما يقارب الخمسة عشر عاما حربا ضروسا ضد الحركة الاسلامية السياسية، صرف عليها الكثير من المال العام ونتجت عنها العديد من الآثار السلبية، التي بدا صعبا تطويقها الي حد اليوم.
وان اقبال الفتيات التونسيات الشابات علي ارتداء الحجاب بكثافة، في السنوات الأخيرة، أشبه ما يكون كظاهرة ثقافية واجتماعية، بالظاهرة نفسها التي ميزت حال فتيات الجاليات المسلمة في الغرب، حيث يصبح الحجاب رمزا لهوية أقلية خائفة وتمسكا بالرابطة العائلية المهددة من قبل ثقافة غربية مهيمنة، وبالتالي فان محاولة الحركات الاسلامية توظيفها لصالحها لا يعكس حقيقة الواقع، الذي يؤكد انتفاء أي دافع سياسي، فكما أن الأغلبية المطلقة للفتيات المحجبات في الغرب لا ينتمين من قريب أو بعيد لحركات الاسلام السياسي، فان محجبات تونس الشابات لا تربطهن أي صلة بحركة النهضة أو غيرها من الحركات الاسلامية.
لقد مر المجتمع التونسي، كغيره من المجتمعات في العالم العربي الاسلامي، بتحولات اجتماعية وثقافية انقلابية الطابع في العقدين الأخيرين، جراء ظواهر العولمة ومشاريع التحرر والانفتاح الاقتصادي، وهو ما ضغط علي أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة، التي نما طموحها الي الحياة الرفاهية المسوق لها اعلاميا من جهة، دون أن تسعفها مواردها المادية في الاستجابة لاحتياجات هذا الطموح من جهة ثانية، وفي حالة الأزمات عادة ما يلجأ الفقراء ومتوسطو الحال الي الثقافة الأصلية، بتجلياتها الدينية والقومية، لتقبل الواقع والاستمرار في الحياة.
ثمة جانب اجتماعي آخر في هذا الموضوع أيضا، فنتيجة لهذه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الهائلة، وبالنظر الي أن المجتمع التونسي يظل مجتمعا عربيا اسلاميا محافظا علي الرغم من الجرعات الليبرالية والتحررية التي تلقاها طيلة العقود الماضية، فان الصلة بين الجنسين بقيت أيضا محكومة في عمقها بالقواعد المحافظة المنصوص عليها في الثقافة العربية الاسلامية، وهو ما جعل ظاهرة العنوسة في ظل أوضاع معيشية صعبة، تستفحل بشكل غير مسبوق، بما يوفر بيئة ملائمة لانتشار المعتقدات الخاطئة، التي تجعل شكل المرأة في كثير من الأحيان أهم من المضمون، وتختزل الطهارة والعفة في العذرية والحجاب.
ان لتونس مشاكل أهم ألف مرة من الحجاب، ولا أعتقد شخصيا ـ دون أن أكون بالضرورة من عملاء الاستعمار أو رهبان فرعون تونس مثلما يصف الاسلاميون مخالفيهم في الرأي ـ أن نساء تونس سيكن أطهر أو أعف أو أتقي لو أنهن وضعن جميعا غطاء علي رأسهن، ذلك أن الله كرم خلقه نساء ورجالا فضلا عن لباسهم المحتشم الساتر لسوءاتهم، بما يمكن أن يضعوه من علم ومعرفة وعقل في رؤوسهم، لا ما يضعونه من قماش فوق رؤوسهم، كما أن دولا عربية واسلامية كثيرة أجبرت نساءها بالقوانين علي ارتداء الحجاب، فما غادرت تخلفا أو صنعت طائرة.
غير أنني بالمقابل، كنت أتمني لو لم تعمل السلطات التونسية علي اثارة هذا الموضوع، والغاء المنشور 108 المسبب له من الأصل، لأنه ليس من الأولويات الوطنية، كما كنت أتمني أيضا لو قامت بتكلــــيف بعض علماء الاجتماع لدراسة الظاهرة، ان كانت فعلا ظاهرة مقلقة ـ ولا أراها كذلك ـ، ولو فوتت علي المتربصين بمكتسبات المرأة التونسيــــة العظيمة، فرصـــة توظيف القضية سياسيا، والترويج مجددا لأفكار تزعم في ظاهرها الغيرة علي المرأة، لكنها في حقيقة الأمر ملخص مشروع لامتهان المرأة وتشييئها وتكريس النظر اليها كأداة للمتعة الجنسية. لقد استغل الحجاب طيلة الأشهر الماضية، لتأكيد صورة سلبية ارتسمت لدي كثير من العرب والمسلمين عن تونس، بما يجعلهم يترددون في زيارتها، مفضلين عليها وجهات سياحية أخري، والحال أن تونس بلد عربي واسلامي يستحق الزيارة ويتوفر علي مرافق ترفيهية ومنتجعات طبيعية وموارد تراثية وثقافية تؤهله الي أن يكون في صدارة الأجندة السياحية لكثير من شعوب المنطقة، ورأيي أن مليون سائح عربي يشغلون مائة ألف تونسي عاطل عن العمل، أهم للبلد من خوض نقاش جانبي حول كيفية وضع غطاء الرأس، علي الطريقة المشرقية، أو كما كانت التونسيات يفعلن طيلة أربعة عشر قرنا من تاريخ تونس المسلمة.
ہ كاتب من تونس8