لطالما احترفت بعض الحكومات فرض نوع من الحجر الفكري على شعوبها ليس بغاية حمايتهم من فيروس قاتل بل بهدف حماية سلطتها من حجرٍ يرميه أحدهم ويحرك مياه سياستها الراكدة. وفي سياق التدابير الأمنية وأخذ الحيطة، صنعت تلك الحكومات فيروساً خاصاً من نوعه، بإشراف أمهر وأدهى الخبراء المختصين في تطويع الشعوب وإفراغ طاقاتها، أطلقت عليه اسم «فيروس البطش». مهمة الفيروس، حقن المواطن بإبرة تخدير فكري من العيار الثقيل في حال صحا من غيبوبته.
ولعل أكثر ما يدفع تلك الحكومات إلى إطلاق فيروس البطش من خزائنها: توقف مواطنيها عن الخوف، بزوغ فكر حر، والصحوة. في حالة الطوارئ هذه، تقوم الحكومات بالإفراج عن فيروس البطش من خزائنها بمرافقة عسكر وفرقة موسيقية. القصاص في تلك الدول، يجب ان يكون علنياً واحتفالياً في الوقت نفسه، فالشعب يجب أن يرى بأم عينيه العقاب الذي سينزل بمن يخالف السلطة حتى لا يتجرأ على مخالفتها، وتطبيق ذلك العقاب، يجب أن يكون احتفالياً، فالقضاء على الخونة مناسبة وطنية تستحق دق الطبول وذبح الخرفان.
فيروس البطش، لا يشبه الفيروسات الأخرى، حيث لا يحتاج إلى فترة حضانة في الجسم، هو يعرف من يصيب ويعرف كيف يحقق هدفه. في اليوم الأول يكسر كبرياء المحكوم عليه، وفي الثاني يجعل من الموت خياراً مشتهى، أما في الثالث، فيسوقه إلى حبل المشنقة. ولكن قبل تنفيذ الحكم بدقيقة تُعرض على الخائن فرصة وحيدة للنجاة، إن رفضها سُيشد الحبل حول عنقه، أما إن أشهر توبته، فلا بد أن يوقع على صكوك الغفران ويعمل تحت رقابة مشددة لمدة محددة حتى يحصل على شهادة حسن سير وسلوك.
في دول الحجر الفكري، لا يملك المواطن الأمل الذي يملكه أسير الحجر الصحي، ففي الثاني هناك أمل بالخلاص والخروج إلى الحياة، أما في الأول فالطريق الوحيد للخلاص هو في الإخلاص إلى قانون العصا والجزرة والإيمان بأنه دستور بلاده التي تضمن سلامته. الناس في دول الحجر الفكري يعلمون علم اليقين أنهم إذا لم يمشوا وراء الجزرة، فستكون العصا بانتظارهم، ولكن إن أكملوا المشي وراءها، سيحظون بالثواب الذي يتمثل بإبقائهم على قيد الحياة. في تلك الدول يوقع الطغاة مع رجال دين البلاط اتفاقاً ينص على إغلاق جميع منافذ الرؤية والسمع والتعبير، فإذا طرح قانون ما، سارع رجال الدين إلى تشريعه، وبهذا تتمتع السلطة بفتوى دينية لا تقبل التشكيك او التخوين، وإلا فإن الله شديد العقاب. أما عن أهم بنود الاتفاق الموقع بين الطغاة ورجال الدين، فتتناول شرح دور كل منهما في لعبة التطويع النفسي، فيكون «على الطاغية إبقاء شعبه فقيراً، وعلى كاهنه تغيّيب وعي ذلك الشعب»، الفقر يقتل الحلم بما هو أكبر من الخبز والستر، وتغييب الوعي يُبقي من في الكرسي، في الكرسي، لا لتحسم النتائج لصالح السلطة وحسب، بل لتضمن نفاذها إلى الأبد.
أما كيف يتم اختيار رجل الدين في تلك الدول، فعلى أساس ولائه المطلق للسلطة، وظيفته نزع حرمانية الحرام وتحليله، وتحريم ما لا يتوافق مع عقلية الحاكم، والمقابل: سيحظى بعباءة الحاشية ويصبح عضواً في الجوقة السياسية طالما أن أداءه لا يشذ عن النوتة التي يفرضها المايسترو.
ومن نتائج الحجر الفكري، قتل ردود الفعل عند الناس مهما كبر الفعل، فإذا مروا برجل يرزح تحت التعذيب على يد واحد من أهل السلطة أو حاشيتها، لن ينكروا مرورهم من مسرح الجريمة، بل وجود جريمة في الأصل.
الناس هناك، تتواطأ مع القوي ضد الضعيف، والمدهش، أنها لا تخجل من تواطؤها ولا تشعر بأنها تقف في صف الظالم. فالبطش في منهاج المواطنة الإيجابية لا يؤلم بل يقّوم، البطش واحد من دعائم الحكم السليم أو المواطنة السليمة، ولعل أكثر نتائج الحجر الفكري إبهاراً، إيمان المواطن نفسه بأن البطش هو الحل الوحيد لإبقاء بلاده في حالة استقرار، فلا وقت للخلل، وبالتالي لا وقت نضيّعه مع من يسببه. وفي ظل هذا المنطق يصبح المسجون أشرس المدافعين عن السجّان، فمهمة السجن حمايته ودور السجان ردّ الأذى عنه، وأي تحريض داخلي أو خارجي للهروب من السجن سُيقابل بالرفض، فأكثر ما يخافه نزلاء مصح الحجر الفكري بعد حكامهم، هو الأشياء التي يجهلونها.
المواطن في تلك الدول يتعلم منذ صغره أبجدية الطاعة والتبعية، فيحفظ ألف باء الخنوع، كما يحفظ خطابات الحاكم، ويتدرب على طأطأة الرأس، كما يتدرب على الهتاف باسمه، هو لا يخشى فيروس كورونا، كما تخشاه شعوب الأرض قاطبة، القتل عنده أرحم من الحرق، وإذا كان القتل هو تهديد كورونا الأول، فإشعال النار في ما تبقى من أشلائه قد يكون أمنيته الأخيرة.