الحداثة العربية: مفارقة الظاهر والباطن

ليس من الهين الحديث عن إمكانية إنجاز مقاربات موضوعية لآلية تحديث المؤسسات في عالمنا العربي، نتيجة ما يتخلل المشهد السياسي والثقافي من أعطاب، تلقي بسلبيات ظلالها على كل مقاربة تهدف إلى ضبط الإشكاليات التي تخص منهجية اشتغال هذه المؤسسات. باعتبار أن الحديث عن المقاربة الموضوعية والعقلانية، يستدعي توافر شروط الحوار المتعدد الأبعاد والمسارات، الذي يشترط في تحققه مساهمة النخب المثقفة الخبيرة بأدق التفاصيل المتعلقة بالمقتضيات القطاعية.
وفي ظل تعذر هذه الشروط، كثيرا ما تثار إشكالية الحوار الذاتي، الفرداني، والأحادي البعد، باعتباره البديل الحتمي الذي تلوذ به الذات، كلما اقتنعت بغياب فرص اندماجها في تواصلات حوارية متعددة الأطراف، ومؤطرة برؤية تنظيمية يستأنس الجميع بقوانينها. مع التأكيد على أن الحوار الذي يعنينا في هذا السياق، يختلف جذريا، عما هو متعارف عليه في شبكات التواصل الاجتماعي، إنه التواصل المعرفي المتخصص، الذي يشتغل ضمن أفق وظيفي، محدد ومعلوم.
ومع اقتناعنا بأهمية الحوار الذي تقيمه الذات مع ذاتها، خاصة في مجال الإنتاج الفكري والإبداعي، إلا أن فعاليته تصبح لاغية، حينما يخرج السياق من دائرة الإبداع والفكر، إلى مجالات تشاركية لها علاقة مباشرة بالشأن العام، الذي يستدعي تدبيره توافر كفاءات مدنية، وإدارية مؤهلة لذلك. والملاحظ حاليا هو هيمنة ظاهرة تمجيد الاشتغال الفردي والذاتي المعزول عن الآخرين، في أوساط المثقفين، بتواز مع تفاقم حالة يأسهم من إمكانية بث الروح في جسد المنظومة المؤسساتية، التي تعتبر مبدئيا الحاضنة الفعلية للمناظرات واللقاءات ذات الصلة. وهي وضعية ساهمت في ظهور معجم مفاهيمي، يعكس بجلاء الأجواء السلبية التي عممها البؤس الثقافي والمعرفي. والغريب أنها المفاهيم ذاتها المتداولة في جماليات الحداثة الغربية، والمنسجمة مبدئيا مع شروطها المجتمعية والثقافية والحضارية. تحضرنا في هذا السياق ـ على سبيل المثال لا الحصر – مفاهيم من قبيل اليتم، واللاجدوى، ومديح الخسارات، والتغني بالفراغ، إلى جانب التباهي بالانتماء إلى ثقافة الهامش. وهي مفاهيم تحيل كما هو ملاحظ بالنسبة للثقافة الغربية، على حالة التخمة الشاملة، التي أصابت مجتمعاتها بلوثة الإشباع. غير أنها تعبر بالنسبة للمثقف العربي، عن حالة البؤس الثقافي المتجذرة في واقعه، كما أنها تعبر في الوقت نفسه، عن وضعية الحصار العام والشامل، المضروب على طموحاته، جراء انعدام شروط التواصل الفكري والجمالي، مع مكونات محيطه المجتمعي، حيث سنجد أنفسنا نظريا ومن جديد، إزاء ثنائية الظاهر والباطن التي تستحوذ على بنية الذات المثقفة.
فالظاهر هنا، ومن خلال المفاهيم التي ذكرناها، يوحي بانتماء المثقف العربي فكريا، وإبداعيا على مدارات الحداثة الكونية المصابة بلوثة التخمة والإشباع الحضاري على جميع المستويات، في ما يحيل الباطن ومن خلال المفاهيم ذاتها، إلى تخبطه ثقافيا ومجتمعيا، في واقع الخصاص المعرفي والفقر الثقافي أيضا، الغريب في الأمر، هو أن نسبة كبيرة من مبدعينا ومفكرينا، غير معنية تماما بالوقوف على ما تضمره هذه الثنائية القاتلة من مفارقات، التي من شأنها موضعة واقعها في إطاره الحقيقي والطبيعي، الذي لا علاقة له بالمرجعية الحداثية. وفي نظرنا أن مصدر تلافي الإقرار بهذه الحقيقة، هو الإصرار على الانتماء إلى الحداثة الغربية، على أساس احتقار هذه النخب لواقع حالها. فكل من المفكر والمبدع، غير مهيأ مطلقا للاعتراف باغترابه في واقع عربي، مصاب بالصمم والعمى، باعتبار أن هذا الاعتراف سيكون بمثابة إعلان صريح عن إفلاسه الثقافي، كي تتضح في نهاية المطاف وبالملموس، عبثية القول بمشروعية إبداع أو فكر، لا يترك أي صدى في محيطه الثقافي والمجتمعي.

وفي ظل غياب أي حلول عملية لهذه الإشكالية، سواء على المدى القريب أو البعيد، قد يكون تعلق الفكر والإبداع بظاهر حداثة مستحيلة، هو الاختيار الأخير لمبدعين ومثقفين، يتهيبون من محنة الموت البطيء، في باطن يفتقر إلى الحد الأدنى من الضوء والهواء التواصلي والمعرفي.

إنها، وفي غير قليل من المرارة، وضعية الحداثة العربية.. قشرة خارجية يخطف لمعانها الأبصار، وفي الوقت نفسه، باطن مثقل بكل ألوان التخلف الثقافي، والبؤس الحضاري. وسنجد أنفسنا مدعوين في هذا السياق، لإبراز خصوصية هذه الحداثة النشاز، المسجاة بأناقة مرهفة في قلب كفن نظري حريري النعومة. إنها حداثة، ذات بعد شخصي وفرداني، منغلق على أوهامه ومأساويته في آن. وهو بعد ملتبس يحتاج لأكثر من مقاربة، خاصة إذا ما نحن تناولنا الحداثة ضمن المنهجية التي تمارس بها حضورها على المستوى الكوني. ونعني بها خاصية اشتغالها بالشرط التعميمي، الذي يخول لها إمكانية اكتساح الفضاءات العامة والخاصة على السواء. ويمكن تشبيه هذا الشرط مجازيا، بتلك الإنارة النفاثة التي تسلطها الحداثة على مجموع ما يحيط بها من فضاءات، في أفق اكتساحها الشامل لها، وذلك بقوة ما تتفرد به من حركية، هي بامتياز المصدر الحقيقي لقوتها، ذاك هو جوهر المفارقة التي نحن الآن بصددها، باعتبار أن سلبية المفاهيم التي أشرنا إلى حضورها الوازن في الخطابات الغربية، والمؤطرة، لما وسمناه بالحوارات التي يديرها كل من المفكر والمبدع الحداثي مع ذاته، لا تتشكل على أساس يأسهما من التواصل الثقافي والمعرفي مع محيطهما، بقدر ما تتشكل على أرضية رؤية جمالية وفلسفية لهذا المحيط، بدليل ما تتميز به نصوصهما من قوة تداولية في أسواق التلقي العام، التي تزدهر فيها ظاهرة القراءة. ما يضفي على المفاهيم السلبية الرائجة، من قبيل اليتم و اللاجدوى، والخسارات، والهوامش، وكل أصناف العزلة والاغتراب، نوعا من الألفة الفرحة، لكونها محاطة أينما حلت ورحلت، بأضواء التلقي، النقد والمساءلة. وخلال ذلك، يكون المفكر والمبدع محفوفين – وضدا عليهما – باهتمام التداول الإعلامي والجماهيري.
هنا تحديدا، تصبح للحوار الإبداعي والفلسفي الذاتي، أبعاد جديدة، تنتقل به من انكفاءاته الرمزية والنظرية، إلى مستوى أكثر تقدما، قوامه شبكات لامتناهية من الحوارات المتعددة، التي لا تني القراءات تفتحها أمامها، في كل منعطف معرفي ودرب ثقافي. وواضح أننا هنا بصدد مفارقة حداثية من نوع آخر، وطبعا على الطريقة الغربية، مفادها استغرابنا من نصوص مسكونة باليتم، وبالخسارة، وباغترابها الكوني، إلى آخر مفهوم في لائحة المعجم السلبي، إلا أنها مع ذلك محفوفة بصخب التلقي، بكل ما يعنيه هذا الصخب من تعاطف إيجابي أو انتقاد، قد لا يخلو من التحفظ والاستهجان. وهي وضعية ثقافية جد صحية، خاصة حينما سيتبين لنا أن المفاهيم السالبة المتداولة خلالها، هي في الأصل تنويع دلالي ومعجمي، على هوية مرحلة تحيط أغلب الشرائح المجتمعية بمكوناتها.
غير أننا، وفور انتقالنا إلى واقعنا العربي، فسوف نجد أن الأمر يختلف بشكل جذري، حيث تعيش الكتابات قاطبة غربتها القاتلة، وانتكاساتها المأساوية، فضلا عن حبستها، مقارنة بما يحدث هناك في الضفاف الأخرى، وكلها حالات لا علاقة لها بالعمق الفلسفي والجمالي للكلمة، بقدر ما هي إفراز طبيعي لخمول ثقافي ومعرفي بحت، يسود فضاءات التلقي، ومؤسساتها المتداعية كافة.
وفي ظل غياب أي حلول عملية لهذه الإشكالية، سواء على المدى القريب أو البعيد، قد يكون تعلق الفكر والإبداع بظاهر حداثة مستحيلة، هو الاختيار الأخير لمبدعين ومثقفين، يتهيبون من محنة الموت البطيء، في باطن يفتقر إلى الحد الأدنى من الضوء والهواء التواصلي والمعرفي.

شاعر وكاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية