الحداثة المعطوبة لمحمد بنيس: بين الاستبداد السياسي وسطوة الديني وخذلان المثقفين

حجم الخط
0

يوسـف نـاوري

في مؤلفه التنظيري الأخير الحداثة المعطوبة )دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2004) يكتب الشاعر محمد بنيس بكلمات تصعد من حد الاحتراق لتقف علي تجربة التحديث كما كان ابتغاها مفكرون ومثقفون عرب منذ النهضة وقد سميتْ بعثا ويقظة من أجل بلدانهم المتخلفة. واذا كان الاعلان عن واقعة التحديث انما ابتدأ منذ الطلائع الأولي للاستعمار وبصدمة الانفتاح علي الآخر الأوروبي، فان تأمل حال ومآل تجربته بعد ذلك في البلدان العربية لا يقود الي غير الاحساس بالاحباط والخذلان وبكثافة المأساوي، يلاحظ محمد بنيس. فعلي اثر هزيمة الأنظمة السياسية وانغلاق الآفاق أمامها وفشل اختياراتها الثقافية لاذ المثقفون العرب (وهم نخبة الممارسة الثقافية) بالصمت وتخلوا عن أهم ما دعا اليه سابقوهم منذ بداية القرن العشرين وهو توطينِ قيم التحديث والدعوة الي الحرية والايمان بالعروبة من أجل بناء الثقافات والأوطان. كما أهملوا العمل من أجل المستقبل فاستكانوا لاخفاقهم في المحافظة علي وهج الوديعة الثقافية في الفكر وفي حياة المجتمع. ولذلك لم يكن غريبا أن يُنْظَر اليهم بعين الهوان وأن تطردَ كتاباتهم (ذات التوجه النقدي منها بالخصوص) عن الثقافة المعترف بها، وعن مؤسسات المدينة ومواقع السلطة، وأن يُنكَرَ عليهم كل معني في الانتماء الي هوية وطنية.

يبحث كتاب الحداثة المعطوبة في سياق سوسيو ـ ثقافي أتقن تبديد القيم التي نشأ عليها الانسان العربي في اتصال بالأوروبي واقتباس النماذج الحياتية عنه. في هذا جاء الكتاب راصدا لأهم الوقائع والأفكار التي عينت مظاهر ما يمكن تسميته بالنموذج الثقافي العربي الذي لا يوجد في غير وهم بعض الأفراد والمثقفين. فبعدما تخلت الثقافة العربية عن فكرٍ تنويري جاء به رواد النهضة، انقادت الي متابعة المظاهر الساذجة للتحديث والانخراط في صراعٍ حياتي بين الأساليب الجديدة والعتيقة، وبين تقنية يُنظَرُ اليها باعتبارها آية التقدم والتحديث لها قوة التأثير التي سرعان ما تنتهي بمضاعفات جذرية وبنيوية في حياة الناس ومصائر المجتمعات. لقد تميز الاقبال علي مظاهر التحديث عربيا بالاقتصار علي الانتفاع من التقنية دون تمثل للوعي التاريخي ودون الافادة من توجهه النقدي. ولعل ذلك ما يفسر مآل خطابات الحداثة التي لم تعد تجد بدا من اختيار العنف لغة للدفاع عن وضعها في الزمن الجديد سواء بالتحايل أو بالتفاعل مع غياب ـ الحرية وانعدامها في الحياة ككل: حداثة تفتقد الشمولية في الرؤية فيما هي تفتقد الوعي النقدي للدفاع عن تصور للثقافة والحياة والموت. كأنما الزمن يتقدم ليتراجع الاختيار. حريات العالم الحديث في أوروبا وخارجها تتسع، فيما هي حريتنا تشيخ (ص 42 ـ 43). وليست الحرية في هذا المقام غير قيمة أخري من القيم التي اعتبرت شعلة تضيء طريق الانسان نحو ثقافته ومستقبله.

في هذه العناصر المشكلة لمعني وعناصر الحداثة جاء كتاب محمد بنيس موزعا الي ثلاثة أقسام: أولها في مساءلة الثقافة العربية وفاعليتها النقدية، وثانيها في عناصر وبناء مظاهرها ووضعها التاريخي، وثالثها في مقاربة حالات ومراجعة بعض النماذج الثقافية التي تعرفها الساحة الثقافية العربية الآن. ومجموع الأقسام يركب خطابا عن الثقافة العربية وهي تتماس مع باقي مؤسسات المجتمع والدولة من منظور التفاعل المفترض بين هذه العناصر من أجل بناء تصور نقدي واضح الأهداف. ولطالما قاد البحث في معني الحداثة ومظاهر تشكلها في السياق السوسيو ـ ثقافي العربي الي الوقوف علي مجموعة من القضايا التي عاقت بناء نموذجٍ تحديثي في البلدان العربية وفي مقدمتها:

ـ نظام التفكير ذاته، اذ عادة ما توجه الفكر العربي الي تأمل موانع التقدم والحداثة وليس شروط وأشكال تحققها. اقترب من العوائق المتعامدة للحرية في السياق العربي دون أن يستطيع النظر في معني الحرية وضرورتها بالنسبة للانسان أولا.

ـ السلطة السياسية التي تشكلت في البلدان العربية علي أرضية ثقافية رسختها عادات الاتباع والتكرار ووسائل الاعلام وتصاعد وتيرة حضور الأصولية.

ـ المركزية الثقافية للمشرق، فلكون بعض بلدان المشرق العربي اعتمدت أنموذجا من الثقافة العربية القديمة، توجهت باقي مشاريع التحديث العربي الي تبني الطريق نفسها، مما حجب عنها فرصة المحافظة علي خصوصيتها والانفتاح علي تعدد التجارب الحديثة في آن.

في امتداد هذه العوائق يجد المثقف العربي مفهوم التحديث غائما، والطريق اليه متعرجة بفعل الايديولوجيات وعبث القيِّمين علي الحياة السياسية والثقافية للمجتمعات. ولأن التحديث مسارٌ من القيم والاختيارات المنطلقة في اتجاه المشروع المستقبلي، تظهر الحداثة التي لبسها المجتمع العربي بايعاز وجهدٍ من نخبةٍ لم تستطع الوصول الي روح المجتمع ـ بل ولا الي فكر المثقفين أنفسهم. حداثة وثقافة مجتثة عن تاريخها منقطعة عن مستقبلها. وأمام انتشار لغة اليأس وتصاعد نبرة الاحساس بالعدمية هذه لم يعد غريبا تفشي عادة البحث عن المغانم وانتقال جانب من المثقفين الذين كانوا يُعَدونَ علي الحداثة الي العمل خارجَ مجال اهتمامها بل والي معاداتها بتخليهم عن خطها النقدي ونزوعها التحرري ولو باستدامة فقر وجهل الشعوب. يتأسس نقد النموذج الثقافي العربي عند محمد بنيس علي اعادة التفكير في المسار التاريخي للتحديث والقيم التي أثثته طيلة القرن العشرين كالحرية والعروبة والأدب. فقد كانت هذه المفاهيم مركزية لبناء التجربة التاريخية ودالة علي ارادة التقدم بالانسان والمجتمع. من خلالها قام المثقفون باعادة توضيب علاقة العربي بذاته (والتاريخ ضمنا) وبالآخـــــر، ضمن تجليات ثقافــــــته وأنماط سلوكياته الحياتية. تمثلتها الثقافة العربية في:

ـ حرية المرأة والفـــــكر والممارسة السياسة والعقدية وتحرر المجال الثقافي والابـــداع الأدبي من الاستبداد.* استقلال المثقف عن الحجاب السياسي والايديولوجي وانفتاحه علي نوافذ المجالات المعرفية المختلفة.* الأدب باعتباره عتلة الفكر وبناء الوعي المجتمعي بالجسد وباللغة وبأمكنة الحرية التي تحدد مقام الانسان في الزمن ومدي استثماره لعقله وفكره.

ورغم أن رواد النهضة والتحديث في البلدان العربية اختاروا واجهة العمل من أجل قضايا لازمت معني التحرر المجتمعي والسياسي من أجل ابدال الوعي بها وبالشروط التاريخية المستحكمة، فلم يقيض لمنْجَزهِم غير النسيان والاهمال، اذ سرعان ما أصبحت الحداثة انتقائية، وأصبح المثقفون خاضعين للمؤسسات السياسية (أجهزة الدولة والحزب والتوجهات الدينية)، مرددين خطابات اعلامية جوفاء ومستكينين لفعل التقنية في الحياة اليومية.. ولعلها الصفات التي هيأت للكاتب وصفه للحداثة في سياقها العربي بـ الحداثة المعطوبة: تقبل بالتقنية وترفض القيم العقلانية، تعيش اللامعني وتمنع المساءلة، تعيش علي التكرار واستعادة القيم القديمة وتمنع كل نزوع نحو التحرر أو التفاعل مع الزمن ومظاهره. في هذا تتخلي الحداثة العربية عن كنه المشروع التحديثي، وتسقط في ولاءات السلطة السياسية ومؤسسات تجعل مصيرها معرضا للاحتقان والتوقف وللموت. ان وقائع حربي الخليج تدلنا علي حقيقة نهاية عالم عربي ونهاية ثقافة كانت وجدت في المشرق العربي مركزها أيضا. فالانقسام السياسي ألغي وظيفة الثقافة في أن تكون مجلية لمظاهر التعدد والاختــــــلاف، وأبطل كل ما لا يتطـــــابق مع نزعة التمركز حول الذات المشرقية خالقــــــا نموذجا ثقــافيا معزولا عن شرطه التاريخي ومحيطه المجتمعي والانساني، منكسراً أمام المأساوي الذي وجد المجال للاستتباب. والنتيجة أن أصبحت الحداثة العربية رهينة اللعنة والطرد والابعاد عن مجتمع وقيم الزمن الحديث. يلخص محمد بنيس حدود التحديث قائلا: ها هو عالم عربي منقسم علي ذاته مطوق بانتصار الاسلام السياسي علي الاسلام الحضاري، مهدد بنسيان الأدب والفن والفكر، مصرٌ علي عدم اعادة النظر في نموذج التحديث الثقافي، الذي ألغي تاريخ الثقافة العربية وتعددها مثلما ألغي ما لم يتطابق مع التمركز حول الذات المشرقية. مجاف للحسم في اللغة وحرية التعبير والآداب الوطنية واستقلال الثقافي عن السياسي. مرتاح لتعويض المعرفة بالاعلام، متفاخر باستدراج الثقافة الي خدمة التنمية. (ص 9 ـ 10). بالسؤال اقترب محمد بنيس من قضايا الثقافة العربية ومن اليومي الذي أصبح مستبدا بها. وقف علي حدود بعض مفاهيمها الكبري متلمسا حضورها في حياة الناس وأثرها فيهم. واذا كانت هذه المفاهيم (والتقنية الي جانبها) ولدت الاحساس بتسارع وتيرة الزمن وأطلقت بذرة اللامعني في جسد اللغة والبناء الثقافي المتداول بينهم ضمن ضراوة الصراع من أجل العيش.. فان تفكير التحديث في السياق العربي ـ علي هذه الحال ـ لا ينفصل عن المسار التاريخي لتشكله وظهور قيمه والدعوة اليها. وبوقوفه علي أطياف الدلالات المتعددة لمفاهيم التحديث اخترق كتاب الحداثة المعطوبة جانبا من المعايير السياسية والعقدية التي اصطدمت بها دائما المعالجة النظرية والمعرفية لقضايا الزمن الثقافي العربي. ولعله بسبب ذلك جاء (الكتاب) انتصارا لطريقة التفكير النقدي بالدعوة اليها وممارسة الحوار المعرفي المثمر من خلالها. كما أن اللغة التي كُتِب بها أضفت علي معالجة الكاتب ـ الشاعر لموضوعات التحديث أبعادا حيوية واعدة فيما استثارته من تفكير وما ابتدعته من أمكنة نظر. ہ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية