الحداثة المفترى عليها

حجم الخط
0

عبد العلي حامي الدينمنذ وصول الملك محمد السادس إلى الحكم قامت مجموعة من الجهات للترويج لمصطلح ‘المشروع الديموقراطي الحداثي’ واستخدامه بكثافة في الخطاب السياسي الإعلامي بطريقة فيها الكثير من الدعاية والتبسيط والقليل من المعرفة وتحديد المفاهيم، وكأن مضامين هذا المشروع أصبحت من المعلوم من أمور السياسة بالضرورة..بل ذهب البعض إلى حد الزعم بأن المغاربة اختاروا ‘المشروع الديموقراطي الحداثي الذي يقوده جلالة الملك’ وأصبح الانتماء إلى هذا المشروع مدخلا سهلا بالنسبة للبعض لتفسير بعض المواقف السياسية أو لتبرير بعض التحالفات أو لتفسير بعض المبادرات الملكية، أو لشن الحرب على هذا الحزب أو ذاك بدعوى التعارض مع هذا الذي يسمى المشروع الديموقراطي الحداثي دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تفسير ماذا يقصدون بهذه الجملة السحرية الصالحة للاستخدام في كل زمان ومكان… بل ذهب البعض إلى تحميل هذا المفهوم أكثر مما يتحمل حينما بدأ في تصنيف الأحزاب السياسية على أساس هذا ‘المشروع’ واعتبار هذا الحزب يندرج في إطار هذا المشروع وهذا الحزب لم يكتمل بعد مواصفات الحزب الحداثي !!بل ذهب أحد أدعياء الحداثة إلى القول بأن حزبه يستبعد التحالف مع حزب العدالة والتنمية، لأن هذا الحزب يحمل مشروعا مجتمعيا ‘مناهضا’ للمشروع الديموقراطي الحداثي الذي يحمله الملك! دون أن يوضح لنا ما هي طبيعة هذا المشروع الذي يحمله العدالة والتنمية وأين يتناقض مع مشروع الملك؟ وماهو المشروع الديموقراطي الحداثي الذي يحمله الملك وأين يتناقض مع مشروع العدالة والتنمية؟الحقيقة أن هذا المسؤول السابق وأمثاله حينما يحاولون الإيقاع بين المؤسسة الملكية وبين أحد الأحزاب السياسية الوطنية فهم يؤسسون لمنطق خطير يهدد أحد الثوابث التي ميزت الحياة السياسية المغربية، وهو النأي بالمؤسسة الملكية عن أي صبغة حزبية أو طائفية أو عرقية، باعتبار المكانة الرمزية التي تحتلها فوق هرم النظام السياسي المغربي والتي أهلتها للقيام بالعديد من الأدوار التي لا يمكن أن يقوم بها غيرها..إن هذه الميزة بالضبط هي التي تجعل المؤسسة الملكية تقوم بالسهرعلى ضمان السير العادي للمؤسسات المعنية بتطبيق المشاريع والبرامج، وهي الهيئات التنفيذية التي تكون مسؤولة عن عملها أمام الهيئات الرقابية…ولذلك فإن الملك باعتبار موقعه كرمز لوحدة البلاد وكضامن للحريات وكمرجع للتحكيم بين الفرقاء السياسيين وباعتبار صفته كأمير للمؤمنين لا يجوز أن ينسب له أنه حامل لمشروع سياسي فبالأحرى أن تضاف لهذا المشروع صفة ‘الحداثي’…إن الذين يدفعون بالمؤسسة الملكية للدفاع عن مشروع سياسي معين، هم يقحمونها في الواقع لممارسة السياسة اليومية، هذه الممارسة المحفوفة بالأخطاء والمخاطر أيضا، وهم بذلك يعرضون هيبتها ومكانتها الاعتبارية للتقييم والمحاسبة اليومية…أما الديمقراطيون الحقيقيون فهم يريدون أن يحافظوا على هيبة المؤسسة الملكية بشكل صادق وأن يصونوا موقعها الاعتباري عن كل امتهان، ويدافعوا من أجل السمو بها عن المحاسبة والتقييم، ويناضلوا من أجل تفويض السلطة لمن يمكن مراقبته ومحاسبته في حال خطئه في ممارسة السلطة… إن الملك لا يخطئ في النظام الديموقراطي، لأنه بكل بساطة ليس صاحب مشروع سياسي معني بالدفاع عنه، وبالتالي فإن النقاش الحقيقي الذي بات يفرض نفسه اليوم هو كيف يتحمل الجميع مسؤوليته في الحفاظ على المؤسسة الملكية كمؤسسة فوق المشاريع السياسية؟ كيف يمكن أن ننأى بالمؤسسة الملكية عن التدخل في التفاصيل اليومية وفي اتخاذ القرارات التنفيذية التي تستجلب لها النقد والتقييم، وفي نفس الوقت نضمن لها هيبتها وموقعها الاعتباري والرمزي الذي لا يمكن للديموقراطية المغربية أن تنهض بدونه؟إن دعاة ما يسمى بالمشروع الحداثي الديموقراطي مطالبون بتوضيح طبيعة مشروعهم إن كان لهم مشروع أصلا- والكشف عن تفاصيله الدقيقة بمعزل عن الاختباء وراء الملك وإقحامه في الصراعات الحزبية المحكومة باعتبارات أخرى، خصوصا حينما يتقمص بعض رموز الفساد المعروفين بانتهازيتهم المفرطة دور المنظرين لهذا المشروع والمبشرين به…أو حينما يقوم بعض ‘المتياسرين’ بتعويض إفلاسهم النظري والإيديولوجي بشعار الحداثة المفترى عليه..إن الحداثة الحقيقية أيها السادة هي القدرة على التجديد والإبداع الخلاق من داخل الذات الحضارية للأمة، هي القدرة على تجاوز موروثات التخلف ومخلفات عصور الانحطاط، هي القدرة على الانفتاح الموزون على مفردات الحداثة كما تبلورت في التجربة الغربية مع امتلاك الجرأة على نقد بعض مفرداتها السلبية ومراجعة بعض مظاهرها الهدامة…إن المطلوب هو تلمس روح الحداثة كما تبلورت في سياقات تاريخية مختلفة بما تعنيه من انتصار للعقل والعلم وثورة على الجمود الذي كانت ترمز له الكنيسة وثورة على احتكارها لسلطة تأويل الدين وادعائها الحكم باسم الإله ، وما تعنيه من استرجاع لموقع الفرد داخل المجتمع والثورة على الاستبداد، وإبداع النظام الديموقراطي ودولة المؤسسات وترسيخ التعددية ونبذ روح الإقصاء والتعصب، والإيمان بأن للحقيقة تعبيرات مختلفة وليس تعبيرا واحدا.إن الحداثة الحقيقية هي التي ساهمت في نشأة أحزاب سياسية على أساس فكري وإيديولوجي وليس على أساس إعادة مقولات السلطة الحاكمة. فليس من الحداثة في شيء الاستقواء بمؤسسات الدولة وتوظيف رموزها وأجهزتها ضد اتجاه سياسي مخالف، وليس من الحداثة في شيء تأسيس تجمع سياسي على أساس الرغبة في النجاح في الانتخابات باعتماد جميع الوسائل الممكنة بما فيها الاستعانة بتجار الانتخابات ورموز الفساد الانتخابي والسياسي.لقد سبق أن قلنا بأن هناك تخوفات حقيقية على مستقبل الديموقراطية في المغرب، هذه التخوفات ليست نابعة من قوة هذا الحزب أو ذاك على المستوى الميداني، ولكنها تخوفات مشروعة من تحالف أصبح واضحا بين جهات نافذة داخل الدولة وبين جزء من اليسار المتشبع بثقافة انتهازية واضحة ولم يعش تجربة العمل الحزبي بشكل حقيقي، ولم يتمرس على ثقافة الاختلاف والتعايش مع المنافسين ويضمر عداء فطريا للمخالفين، وبين جزء من أصحاب الأموال والأعيان وتجار الممنوعات الذين يسعون لتحصين مصالحهم الاقتصادية وثرواتهم المادية عن طريق التملق للسلطة ولأعلى سلطة في البلاد..هذا الثالوث هو الذي يرفع اليوم شعار المشروع الديموقراطي الحداثي…فيا للعجب!!’ كاتب من المغربqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية