صلاح بوسريف ‘( إلى محمد عابد الجابري، في الذكرى الأولى لرحيله) ما نَفْهَمُه من الحداثة، دائماً، أنَّها نقيض التراث، أو ضِدَّهُ. هذا ما جعل من التراث شيئاً انتهى، ولم يَعُد قابلاً للاستعمال، أو معرفةً لا تَصْلُح للحاضر، لأنَّها، ببساطة، تنتمي إلى الماضي، أي ذلك الماضي الذي مضى، وانْـتَهَت صلاحيتُه.
الحداثة، في هذا النوع من الفهم والقراءة، هي التقدُّم، والسَّيْرُ إلى الأمام. لا الْتِفَاتَ ولا عودة للوراء. كل التفاتٍ أو عودة، هي تَخَلُّفٌ ورِجْعِيةٌ، أو سلفيةٌ، إذا أردنا أن نبقى في سياق التراث.
الحداثة، إذن، هي الأَمَام، والتراث، هو الوراء. هذا هو الفهم السائد للعلاقة بين الاثنين، فهما نقيضان، وضِدَّانِ؛ لَيْلٌ ونَهارٌ، لا يمكن الجَمْع بينهما.
لِنُحاوِل أن نفهم ما يعنيه التراث، باعتباره مُعْطًى، أو شيئاً تَمَّ في الماضي:
التراث هو ما كان في الماضي، هو تَرِكَةٌ، أو إرْثٌ عامٌّ، وَجَدْناه في طريقنا، مثلما في انْتِسابنا بالاسم لآبائنا، أو لأجدادنا. الاسمُ هو تَرِكَةٌ وإرثٌ، وهو، أيضاً ماضٍ نحمله معنا في حاضرنا، كما أنه مستقبل، سَنَنْقُلُه بالتَّبَعِيَة لأبنائنا. الاسمُ، بهذا المعنى، هو ماضٍ لا يمضي، أو هو ماضٍ يحمل مستقبله في طياته.
كما أنَّ التراث، هو كل ما أتى من الماضي؛ من لباسٍ ومعمارٍ وموسيقى وغناءٍ، وما بَقِيَ من آثارٍ، وهو أيضاً، ما وصلنا من فكر وفلسفة و شعر… ما يعني أنّ التراثَ، ليس إرثاً فقط، بقدر ما هو علاقةٌ بالماضي، وعودة لهذا الماضي، لاختبار طبيعة علاقتنا به، وما ظَلَّ منه مُقيماً في فكرنا، وفي وجداننا، أي رؤيتنا للأشياء. أي ما يحكم بنية العقل العربي، ونظام التفكير، في هذا العقل. المقصود هنا، هو العقل العربي، لأنَّ العقل الغربي، له هو الآخر نظام تفكيره، الذي يَنْحَدِرُ من تراثٍ آخر، له بنياتُه وآلياتُ تفكيره الخاصة به.
غالباً، ما نذهبُ في قراءتنا للتراث إلى الخطاب، أعني إلى الظاهر، وننسى، أو يغيبُ عَنَّا نظام الخطاب. نستعيدُ هنا فوكو، الذي عاد، في قراءته لبعض مظاهر التراث الغربي؛ تاريخ الجنون، مثلاً، إلى ما ظَلَّ ثَاوِياً في أرشيف هذه المرحلة، وفي سْجِلَّاتِها، من معطياتٍ، سَمَحت له بإضاءة ما كان مُعْتِماً، أو مَنْسِياً، في تاريخ هذا النوع من المِصَحَّاتِ وطبيعة العلاجات التي كانت تَتِمُّ فيها. فهو في عمله هذا، كان يُذَكِّرُ النِّسْيَانَ، بتعبيرهِ.
تذكير النِّسْيان، هو ما نحتاج إليه في قراءتنا للتراث، هذا الالتفات إلى الوراء، الذي هو أحد ضرورات النَّظر إلى الأمام. فما قام به محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وحامد أبوزيد، وغيرهم ممن عادوا إلى الماضي، لم يكن ‘رجعيةً ‘، أو قراءة الأمام بالوراء. رغم اختلاف هذه القراءات، في منطلقاتها، وفي طبيعة قراءتها، وفي رؤيتها للماضي، فهي كانت غَزْواً، واخْتِراقاً لأراضٍ ظلَّت حُكْراً على قراءةٍ فَسَّرَت الماضي بالماضي، أو بَقِيَت تأويلاتُها مُكِتَفِيَةً بهذا الوراء الذي لم يكن يعنيه نظام الخطاب، بل إنه اكتفى بظاهر هذا الخطاب، وبتكريس ماضويته. هذا الفهم التراثي للتراث، بتعبير الجابري، كان أحد أهم مآزق هذه القراءة، وأحد أعطابها التي لم تُتِح للتراث أن يَتَكَلَّم، أو يكشف عن ما فيه من انْطِلاقٍ، وعن حاضره المُتَكَتِّم في صميمه، أي ذلك الماضي الذي لا يمضي، ولا يَسْتَنْفِذُ ذاتَه، لأنه جوهر، وليس عَرَضاً.
معرفةُ التراث، وفق هذا المعنى، هي معرفةٌ بالحداثة. وقراءةُ التراث، هي الآنِ ذاته، قراءة للحداثة. زوجان يستدعيان بعضَهما، وهما ليسا نقيضين، أو ضِدَّين، بل إنَّهُما متقابلين؛ معرفةُ أحدهما تستدعي الآخر وتُلِحُّ عليه. ليس في هذا أي تناقض، فحتى القراءات التي ذَهَبَت للحداثة، دون التراث، أو حاولت أن تبقى في سياق الحاضر، دون الماضي، كانت مُجْبَرَةً على استدعاء الماضي، إمَّا لِتفكيكه ونَقْدِه، وإمَّا لٍإدَانَتِهِ، في مقابل التأسيس للحداثة، باعتبارها صيرورةً وتقدُّماً، أو نظراً إلى الأمام.
هؤلاء، في قراءتهم، يُشْبِهُون سائِقَ سيارةٍ، بقدر ما يكون بَصَرُهُ مُتَّجهاً إلى الأمام، بقدر ما يحتاج لِمِرْآةِ الأمام لمعرفة ما يجري وراءهُ، خصوصاً في حالةِ الانعطاف إلى اليمين أو إلى اليسار.
فمن لا وراء له لا أمام له، إذا اسْتَحْضَرْتُ هنا بعض تعبيرات ابن عربي، التي كان فيها يختصر رؤيته للأشياء.
هل يمكن، إذن، اعتبار الحداثة تُراثاً، والتراث حداثةً، إذا سَلَّمْنا أنَّ العلاقةَ بينهما هي علاقة تقابُل، لا علاقة تضادٍّ أو تضارُبٍ؟
هنا علينا أن نكون حَذِرِينَ، لأنَّ هذه النتيجة، قد تُفْضِي بنا لِجَرِّ الحداثة إلى أرض التراث، بدل وضع التراث في مقابل الحداثة. كيف؟
هنا نعود إلى القراءة، أو إلى طريقة النظر إلى كليهما. وهذا ما حدث للجابري، حين اعتبره منتقدوه، ظَلَّ تراثياً في قراءته للتراث. فهو بقدر ما كان مُنْشَغِلاً بالكشف عن نُظُم التفكير، في الماضي، بقدر ما كان ينظر إلى ما يجري عندنا اليوم، أو في ما ينطوي عليه نظام تفكيرنا، الذي هو امتدادٌ، أو استمرار، في كثير من مفاصله لهذه النُّظُم التي حكمت الماضي. فأن نكتفي في قراءة مشروع الجابري، بالاكتفاء بالماضي، أو بما جرى في هذا الماضي، فنحن بقدر ما نُجَرِّد التراث من حداثته، بقدر ما نُجَرِّدُ الحداثة من صيرورتها، ومن هذا الامتداد الذي اتَّسَمَت به دائماً، باعتبارها حداثة مُتَجَدِّدَة، لأنها مراجعةٌ دائمةٌ لماضيها، وقراءةٌ مُتَبَصِّرَةٌ لهذا الأمام الذي لا يوجد إلاَّ بِوَرَائِهِ.
بهذا المعنى، تكون الحداثة تراثاً، ويكون التراث حداثةً. فقط، علينا أن نعرفَ اللحظةَ الحاسمةَ التي عندها يحدث الفصْلُ أو الوَصْلُ بين هذين الزَّوْجَيْن، أو ما يُسَمِّيه الصُّوفِيَةُ بالبَرْزَخ.
إنَّ أهم ما يُمَيِّزُ الحداثةَ، بالمعنى الذي أعطيناهُ لها، هنا، كمقابلٍ للتراثِ، وزَوجٍ له، لا كضِدٍّ أو نقيضٍ، هو قُدرتُها على مراجعة ذاتها، ونقدها لنفسها، فهي تَحْيا بِحَيَوِيَتِها، ما جعل أحد بعض منظري الحداثة، يعتبرون الحديث عن ‘ ما بعد الحداثة ‘، أو تجاوز الحداثة وتَخَطِّيها، هو تقدير سَيِّءٌ لمعنى الحداثة ولمفهومها. فالحداثة كفيلةٌ بتجاوز أعطابها، وهي صيرورةٌ دائمةٌ، لأنها أفقٌ، وليست نَمَطاً.
أُضيفُ، هنا، في السياق الذي أشرتُ إليه سابقاً، أنَّ الحداثة تتجَدَّد في علاقتها بالتراث، كما أنها تُضْفِي الحياةَ والحيوية على نفسها، حين تكشف عن بعض ما في الثرات من حيوية، أو تُعيد قراءتَه، في ضوء هذه الحيوية التي هي صيرورةُ الحداثة، واسْتِمْرارِيَتُها.
لم يتأسَّس الفكر الغربي على البدء من الحداثة، فالتراث اليوناني القديم كان أحد أهم ما ساعد الغرب على اكتشاف الحاجة للحداثة. لم تبدأ الحداثة مع هيجل أو مع كانط أو ديكارت، رغم ما لهؤلاء وغيرهم من فلاسفة، وشعراء، مثل بودلير ورامبو ولوتريامون، من دور في إيقاظ الوعي بالحداثة، أو ضرورة الانتقال إلى نوع من الوعي النقدي الجديد على هذا الفكر، فهؤلاء جميعاً اسْتَمَدُّوا حيويةَ أفكارهم، وما اقترحوه من نظريات، في الفكر، كما في الشِّعر، من ذلك السَّلَف الذي أعادوا قراءته في ضَوْءٍ جديدٍ، ووفقَ رؤية نقدية، كان فيها النص هو المِحَك، وليس غير النص، مما يَحْرفُ طريق القراءة، أو يَنْأَى بها عن الحقيقة التي تقتضيها المعرفة. لم يسلم سقراط من النقد، رغم ما حَظِيَ به من تقدير، وما له من مكانةٍ في هذا الفكر، كما لم يسلم أفلاطون وأرسطو من النقد، رغم أهمية دورهما في المعاني التي سَتَتَّخِذُها الحداثة في الفكر، والسياقات التي ستَؤول لها. ما بلغه الفكر الغربي من نُضْجٍ في فهم الحداثة، وفي تكريسها كاختيار كان له دوره في ما بلغه الإنسان من ‘ تقدُّم ‘، مع يحمله هذا المفهوم في ذاته من نسبيةٍ، كان بسبب المعرفة بهؤلاء الذين جاؤوا من الماضي، وقطعوا كُلَّ هذا الطريق ليصلوا إلى زمننا، ويكونوا الضَّوْءَ الذي سَيُزِيلُ كثيراً من المساحات المُعْتِمَة في فكر الإنسان، وفي معرفته بنفسه. ‘ اعرفْ نَفْسَكَ بْنَفْسِكَ ‘، هذا ما قاله سقراط، ليفتح أمام الإنسان طريق العقل، الذي كان الجُرْحَ الذي أيقظ حاجةَ الإنسان لذاته، بالمعنى الذي يعطيه فوكو للكلمة في حديثه عن الجُرْح الذي أحْدَثَه كُلٌّ من نيتشه وماركس وفرويد في الفكر الغربي الحديث.
نيتشه عادَ لِمَا قبل سقراط، أيْقَظَ فِكْرَ التَّحَوُّل والصيرورة، فكر النَّهْرِ المُتَدَفِّقِ الذي لا يمكن السِّبَاحَةَ فيه أكثر من مَرَّةٍ. فالشمسُ التي تُشْرِقُ اليومَ ليست هي الشمس نَفْسُها التي أَشْرَقَتِ البارحَةَ. هذا ما ذهب إليه هيراقليطس، وهو سابقٌ على سقراط. أليست الصيرورة التي تعود في جذورها إلى ما قبل سقراط، هي جوهر الحداثة، وهي جوهرُ كل تراثٍ يَتَخَلَّقُ، أو يخرجُ من ماضيه لِيَلْحَقَ حَاضِرَهُ، أو لِيُثْبِتَ حُضُورَهُ؟
في الثقافة العربية، نَظَرْنا إلى التراث باعتباره تراجُعاً، ونظرنا للحداثة باعتبارها تقدُّماً، ووَضَعْنا بينَهُما خَطّاً فاصِلاً؛ الحداثي لا يقتربُ من التراث، والترَاثي لا علاقةَ له بالحداثة، ولم ننظر إلى طبيعة الزواج القائمة بين المفهومين، وإلى ما عَمِلا معاً، على التأسيس له، سواء في الفكر الغربي الحديث، أو في ما شرعت الثقافة العربية المعاصرة في إحْدَاثِه من اختراقاتٍ، في إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الحداثة والتراث.
العائقُ الذي جعل هذه الثقافة تتأسَّس على الانتصار لمفهوم ضِدَّ الآخر، أو لِتَصَوُّرٍ في مقابل غيره، هو ما جاءنا من زمن التدوين، الذي كان خُطْوْةً في اتِّجاه تكريس لُغَةٍ في مقابل لُغَة، عندما اكتفى ابن منظور في ‘ لسان العرب ‘، بالوقوف عند ما قبل التدوين، وما أتى بعده نظر إليه بنوع من الريبة، وعدم القَبُول. هذه الانتقائية، في الجمع وفي التدوين، كما جَرَتْ في المعجم، جرت في الشواهد النحوية، وفي المتن الذي كان مصدر الشَّاهد، لتأكيد القاعدة وتكريسها، وهو ما حدث في حقول المعرفة الأخرى.
إفراغ المدونات الثقافية العربية من فترة الما بعد، أعني ما بعد التدوين، كان حَصْراً لهذه الثقافة في الماضي الذي مضى، وفي سَلَفٍ، صار نوعاً من الدُّوكْسَا، أو الكتاب الذي لا تَصِحُّ المعرفةُ إلاَّ بقراءته، طبعاً، وفق ما تُمليه الكلمات، وما تحمله العبارات، في طَيَّاتِها، من دلالاتٍ مقصودةٍ.
في هذا العمل، الذي كان الجابري وقف على ما حدث فيه من ابْتِسَارٍ، تَمَّ تقطيع قطعة الثوب الواحدة إلى خِرْقَتَيْنِ، وإلى طرفين، بَدَا كُلُّ طَرَفٍ منهما كَأَنَّهُ نسيج وحده.
القراءات التي تكتفي بأحد الزوجين، دون الآخر، غير مُمْكِنَة، لأنَّ كل مفهوم موجود في الآخر بالفعل، وليس بالقوة، أي بحكم قرابة الدَّم المَعْرِفي الذي جمع بينهُما، رغم ما حدث من ابْتِسارٍ في ثقافتنا العربية، خلال زمن التدوين. ‘ شاعر وكاتب من المغرب