السيد ولد أباه - عبد الله الغذامي
لا أعتقد أن سياسات نزع الاستعمار تختلف جوهريا – كما ذكر الموريتاني السيد ولد أباه عن المقاومة أو عن دراسات التابع. وهذه الأسماء هي مترادفات لاتجاه واحد يخدم في تحقيق كل ثقافة لنفسها. لكن توجد مقاربات مختلفة. وسبق أن دخلنا في هذا الجدل في منتصف القرن السابق، بعد زوال حكومات الانتداب، في ما يتعلق بالاشتراكية. وجرى الاتفاق على أن هذا الشعار واحد ويهدف لتذويب الفروق بين جميع المكونات في أي مجتمع. وهذا لا ينفي وجود طرق مختلفة لتحقيق شعار المساواة والعدل الاجتماعي. حتى إن مفهوم الطريق العربي للاشتراكية تصدر تلك الفترة، وتحكم بخيار حركات التحرير في مختلف أشكالها.
ويمكن تعميم الكلام أيضا على توجهات الخط المحافظ، أو بلغة أوضح الكتل الإسلامية، حتى إن التناحر في ما بينها لم يتوقف في حدود البرامج وأساليب التطبيق، ووصل إلى جوهر العقيدة نفسه. ولا يخفى على أحد التناقض بينها لدرجة التكفير والحكم بالقتل.
وأجد أن العامل المحدد في أي سياق يعود لأثر التوزيع الجغرافي. فالدول القريبة من الولايات المتحدة وبالأخص حزام دول جنوب أمريكا وضعها في خندق أمامي، وفرض عليها واجبا ملحا يمكن تلخيصه بضرورة تفكيك الأدوات التي يستعملها السوق للتبشير بالنظام الرأسمالي، ولتجميل وجه الإمبريالية وتغليفه بأقنعة براقة. لكن المسافة البعيدة بين الهند والمملكة المتحدة، وضع الذاكرة الاستعمارية في ثلاجة، وجهز الأرض لما يسميه السيد ولد أباه بدراسات التابع. ويبدو هذا منطقيا تماما، لأن عودة الآلة العسكرية ليست شأنا ملحا، بقدر التملص من إغراء الجانب الروحي والثقافي للاستعمار. وهو ما حدا بآليات المقاومة لأن تأخذ اتجاها حضاريا وتاريخيا.
وإذا نظرنا إلى تطور الهند بالمقارنة مع دول جنوب أمريكا، سنلاحظ أن بؤر التحسس فيها ذات مضمون روحي – حتى إن الصدام يدور بين أقليات عرقية ومذهبية. بعكس حال اللاتينيين، حيث إن مضمون الصدام مادي، وبتعبير آخر يأخذ شكلا مباشرا يهدد به وجه واتجاه النظام. ولهذا السبب تعاني الهند من أمراض الديمقراطية الشعبوية، في حين لا يزال جنوب أمريكا رهن الاقتتال المباشر على مبدأ السيادة. وهو ما يضع مجموع هذه الدول على فوهة بركان، ويرشحها لانقلاب عسكري يدفن الديمقراطية العليلة.
أما شعار المقاومة عند العرب فهو شعار ملح لعدة أسباب.. أولا لوجود خلاف حول طبيعة إسرائيل في شرق المتوسط، ولاستمرار نزاع الفرقاء على أفضل قراءة لشعار الوحدة. هل يكون بوحدة إسلامية شاملة، أم بأسلوب أوروبا الموحدة. ولا يبدو أننا أوشكنا على حسم الموضوع. فالشرق العربي بطبيعته يعاني من تصوف غامض في فهم أدواته. ونحن حتى الآن غير جاهزين للاتفاق على معنى واحد لجوهر الحداثة، وهل يعني إلغاء الأعراف والتقاليد أم تفكيك الأصول. ويزيد من صعوبة هذا الإجراء أننا لم نقطع في خياراتنا. وإذا كان علينا الانضمام لمسيرة التحديث في أوراسيا – وهو أيضا اصطلاح وجودي ويغلب عليه الكثير من الاضطراب والفوضى بسبب عدم وضوح معنى أوراسيا في الذهن، أم اتباع اقتصاد السوق الذي رسمت حدوده مؤسسة اقتصادية مستقرة، ومؤسسة عسكرية أثبتت وجودها، ابتداء من حروب الخليج بين 1980 – 2003 وحتى سيناريوهات الربيع العربي.
وفي رأيي أن الظاهرة الأخيرة هي صناعة غربية، وهي شكل آخر من أشكال تبديل الأنظمة بالقوة. وما جرى في بغداد عام 2003 تكرر أيضا في ليبيا عام 2011. وربما لهذا السبب نعيش في مرحلة قلق وازدواجية تؤثر على مستقبل البنية التي نختارها لأنفسنا، مع ترشيح نقاط الضعف والخلل لمزيد من الارتفاع. وهو ما يضع كل مشاريعنا الوطنية في حالة خوف يبلغ مرحلة الذعر أحيانا. ويفيد في هذا السياق التوقف عند مفهوم عبد الله الغذامي للنسق، فهو يعتقد أن الحداثة العربية هي أساسا سلفية، وضد نفسها لأنها دائما تعكس الحاضر على الماضي. وبتعبير أوضح يجد أن تضخيم الأنا لا يخدم تحديث الروح ولا العقل، ويرشح المثقف ليلعب أيضا دورا ديكتاتور يضع الحداثة وجوهرها في حفرة الماضي. ويدعم كلامه بأمثلة من عنتريات نزار قباني الذي يرى نفسه رمزا أسطوريا للخطيئة النظيفة، أو للحب النقي الذي يتطور خارج مؤسسة الزواج. ثم يقدم أمثلة موازية من أنانيات أدونيس الذي يختصر كل شيء في الطبيعة في جوهر مفرد واحد، وكأنه يريد أن يقول: كل الدروب تقود إلى روما وشمس روما هي خلاصته. ويربط الغذامي الاثنين بالنرجسية المبالغ بها عند عرب الجاهلية. وهكذا تنطبق الدائرة، وتسقط الحداثة تحت وصاية الماضي.
ولم يخطئ الغذامي بتشخيص التمثيلات. فالحداثة بالأساس جوهر، لكن الفرق يكون بأساليب التحديث. والجوهر مثل مبدأ الطاقة، بمعنى أنه ليس تصورات عضوية، لكنه تمثيلات أو إسقاطات. ومثله مبدأ الأنا. فهو شعار متكرر كما ورد في دراسات رولان بارت عن بنية السرد (وأخص بالذكر ما قاله عن ذات الشخص وذات الموضوع). لكن كل أنا عرضة للتفكيك أيضا إلى مكوناتها، كما فعل لاكان في الستينيات، حينما عزل الشعور الباطن عن أسبابه، وحينما رأى أن العصاب يكون جماعيا كما في الثورات، أو في أي هيجان اجتماعي. وبهذا المنظور لا يكون أدونيس نتيجة للنسق، لكنه ثمرة من ثماره. بمعنى أنه متجاوز لحدود النسق. وحين يختصر أي ظاهرة بنفسه فهو أيضا يلغي أي حد فردي لذاته الشعرية، ويدمجها في شعرية تلغي الحدود بين الجانب المادي من أناه، والجانب الروحي من حضارته. وإذا ذكر الشاعر الجاهلي في مرحلة من المراحل أنه هو الدولة – القبيلة، فهذا من باب التداعي الذي ربط الجزء بالكل. ولذلك يمكن دائما البحث عن علاقة جدلية بين الأفراد وتصوراتهم عن مجتمعات المستقبل. وهو التفسير الوحيد لمشاركة همنغواي ودوس باسوس في حروب إسبانيا ضد الفاشية، مثلما هو التفسير المنطقي لظاهرة التصوف، التي بدأت من الجهاد في الثغور، وانتهت إلى حالة من الزهد والتبرم والاحتجاج، مع التأكيد على ذوبان المخلوق واتحاده بالخالق.
كاتب سوري