الحداد على امرأة ‘الحدّاد’

حجم الخط
0

محمد الجابلّي لا يمكن للعقل أن يحكم الواقع، ما لم يصبح الواقع في حدّ ذاته معقولا… مقولة هيغلية أوردها هربارت ماركوز في كتابه ‘العقل والثورة’ لم نجد أبلغ منها في توصيف ما نعيش اليوم من استقطاب ثنائي في ظاهره متعدد في باطنه، استنقطاب يغيب منه العقل ومعه قضايا الواقع، ليفسح المجال لقضايا الهامش تلك التي خلنا أننا تجاوزناها في رحلة ‘حداثتنا الموهومة’، قضايا الهامش تستدعي جدلا بدأنا به عصر النهضة، كما تستدعي في الأذهان روادنا الأوائل بأسئلتهم الحائرة حول الهوية والحداثة والتغريب والأصالة، تستدعي شيوخنا من أمثال جمال الدين الأفغاني ورفاعة رافع الطهطاوي ومحمد عبده ومصلحين من أمثال الطاهر الحداد وخير الدين التونسي… زمننا دائري أم نحن خارج الزمن؟

؟ ؟

في أوائل القرن الماضي وتحديدا سنة 1930 كتب الطاهر الحداد كتابا بعنوان ‘امرأتنا في الشريعة والمجتمع’ وما إن انتشر الكتاب الإصلاحي برؤية مختلفة حتى تعالت صيحات الفزع تندد بالكتاب وفكره الإلحادي، وتدافع شيوخ الزيتونة للرد على الكتاب، فكتب الشيخ ‘محمد صالح بن مراد’ كتابا أسماه: ‘الحداد على امرأة الحداد’ وألف الشيخ ‘عمر البرّي المدني’ كتابا أسماه ‘سيف الحق على من لا يرى الحق’ وانعقدت لجنة يرأسها العلامة ‘الطاهر بن عاشور’ لتكفير الحداد ومنع تداول كتابه، وانفتحت بذلك شهية الصحف القليلة آنذاك في تونس والمشرق لنشر مقلات عديدة كلها تجتمع في التهويل والإدانة كجريدة الزهرة والوزير والنهضة… بعناوين في صفحاتها الأولى من قبيل: ‘موقف الصحافة العربية حول نازلة الحداد… حول زندقة الحداد… خرافة السفور… أين يصل غرور الملحدين…’ وفي أعقاب هذه الحرب الضروس تم تجريم صاحب الكتاب الشهير ولم تشفع له كتاباته الأخرى ونضالاته فجرد من شهائده العلمية وأطرد من قاعة الإمتحان بأمر ملكي ثم آثر الإنطواء والعزلة إلى يوم وفاته 7ديسمبر 1935. اليوم في تونس، وبعد عقود وأجيال وبعد ثورتنا المجيدة، عدنا من حيث بدأنا، ‘حداثتنا الهشة’ تتطاير أشلاؤها، لم تثبت لها ركائز لأنها انطلقت من قرار سياسي فيه جرأة وفيه تجاوز، حداثة داخلتها اشتباهات عديدة من حيث الأصل والفرع، حداثة التبست مع وهم التحرر الذي لم يرفق بتنمية وتوازن قادرين على الصمود، كما التبست بنظام يدعي ليبرالية ويسوق للنهب والتزييف، حداثة مدخولة بهوامش فاعلة خلال عقود أسقطت القيم من حسابها فغدت مسخا عند أجيال تتدافع على النفع وهو قليل… حداثة، لم تر في المرأة غير ما تراه الدعاية السياسية، والإعلام السطحي، وما يراه مكر التاجر في استغلال الظاهر والباطن، في واجهات المتاجر ومعلبات المصانع التي تستغل الأخضر واليابس، حداثة قلصت حلم الشباب زحاما في قوارب الموت عبورا إلى الزمن الآتي، زمن الغرب الجميل…’إمرأة الحداد’ رائدة الحداثة النسوية العربية، لم تسعفها ‘يد بورقيبة’ تلك التي امتدت قبل الستينات لتنزع غطاء رأسها المزركش، ولم تسعفها مجلة الأحوال الشخصية بقوانينها المتعاقبة والتي ازدانت – زمن بن علي- بمراسيم تحررية جديدة – كلما أتى العيد المتكرر- في فراغات التنمية، نعني به – ذكرى السابع من نوفمبر- زمن انتزاع الحكم وسجن بورقيبة… امرأة الحداد تجد نفسها بعد عقود- محور صراع مشبوه بين قطبين متناقضين، لم يجمعهما الواقع بقدر ما جمعتهما رياح الثورة المباركة، قطبان غريبان بل دخيلان ومتطرفان: أحدهما يدعي الحداثة وينصب نفسه شرطيا حارسا والثاني يدعي الأصالة وينصب ذاته حامي حماها، والقطبان يثيران جعجعة ويهمشان الأهداف الكبرى التي قامت من أجلها الثورة… بعد عقود، امتدت يد سلفية لتحجب المرأة خلف نقاب لم نعهده خارج بعض ‘تلفزات الخليج’… يد تعري وأخرى تغطي، وصاية حداثية وأخرى سلفية… وخلف الوصايتين امتهان للمرأة واختزال لكيانها في تجارات رابحة وأسواقها كثيرة في الشرق والغرب… وبينهما تتداعى عقود من الزمن الدائري، لتلتقي البداية مع النهاية، في زحام إيديولوجي ينأى عن الواقع ويبعد عن العقل ليكون للتجييش فعل العواصف في العواطف، ولتكون المغالطات استقطابا تستعيد من خلاله القوى المضادة للثورة ألقها بعد زوال الخشية… ونعتقد أن المرأة التي أرادها الحداد ليست الخليعة وليست المنقبة، فالمرأة التي تتعرى تجعل من الجسد طليعة كيانها ووجودها ليكون محط غواية فيما يذكر بالمرأة ‘الإبليسية’ في أساطيرنا الشرقية، وكذا المنقبة تقول بكلها نفس المقال بلغة التضاد الدلالي والنفسي، لتعلن تأكيدا بأن جسدها هو طليعة كيانها ومختصر وجودها لذلك فهي تحجبه خشية الغواية والإختراق… لذلك استعرنا عنوان كتاب الضد:’الحداد على امرأة الحداد’، في علاقة بلحظة ‘الشطح المتطرف’ ولاعتقادنا أن المرأة في تونس أرقى من التوظيف والتجاذب، وهي كيان يتفاعل بوعي مع الزمن الحاضر، دون السقوط في ابتذال لحظة يعصف التطرف الثنائي ببقايا العقل فيها… كاتب وروائي من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية