الحدث التونسي: هل يلتفون على الانتفاضة؟

حجم الخط
0

أحمد شاهين

اندلعت أحداث تونس الأخيرة إثر إحراق محمد البوعزيزي نفسه، في بلدة سيدي بوزيدي، في 17- 12 2010، بعد أن أتلفت الشرطة التونسية عربة الخضار التي يسترزق بها. ثم تصاعدت الأحداث على شكل تظاهرات شعبية اتسعت لتشمل كافة المدن التونسية، كما تطورت من مظاهرات عفوية انفعالية لتتحول إلى تظاهرات منتظمة، لا تخلو من الفوضى، وهذا من طبيعة الأمور في هذه الحال، بعد أن انخرطت فيها القوى السياسية المنظمة، والتنظيمات المهنية. وارتقت شعاراتها من القضايا المطلبية الحياتية إلى القضايا السياسية التي هي أساس تنظيم العلاقات الاجتماعية بكل أشكالها، حيث لا انفصال بين ما هو مطلبي يومي وبين شروط توفير المناخات المناسبة لتوفير ما يمكن أن يطلق عليه: الحق في حياة كريمة للإنسان.

وقد اضطر الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، في خطابه الثالث الذي وجهه إلى الشعب التونسي يوم الخميس 13 1 2011، إلى الإعلان أنه ‘لا رئاسة مدى الحياة’، كما أمر قوات الأمن بعدم استعمال الذخيرة الحية إلا في حالة الدفاع عن النفس. وفي هذا الخطاب إقرار بأن ‘سلطة الشخص’ و ‘اعتماد القمع’ للاستمرار في السلطة إلى زوال، حيث ‘لابد لليل أن ينجلي’ حسب تعبير الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي. وقال بن علي في خطابه ‘أن الكثير من الأمور لم تسر كما أرادها’، وخصوصا ‘في مجالي الديمقراطية والإعلام’، ‘أنه فهم الآن الجميع’. لكن فهمه جاء متأخرا، فهرب بعد ساعات من خطابه إلى المملكة السعودية، وتعاقب على منصب الرئاسة بعده رئيس الحكومة، محمد الغنوشي، بصفة مؤقتة، لكن المجلس الدستوري أعلن بعد ذلك الشغور النهائي لمنصب الرئيس مما استدعى تولي رئيس البرلمان، فؤاد المبزع، للرئاسة وفق الدستور المعمول به؛ فدخلت تونس الرسمية في مرحلة انتقالية، يتردد حولها اجتهاد أن يعيد النظام تجديد نفسه بشخصية أخرى تتشابه مع بن علي أو تختلف عنه؛ فاستمرار آليات تنظيم السلطة المعمول بها لا يستجيب وطموحات الشعب التونسي بعد انتفاضته. وهو الخطأ الذي ترتكبه الآن النخبة السياسية التونسية المنظمة من خلال التفاوض مع رموز تقليدية من نظام بن علي، ووفق دستوره وقوانينه، لتشكيل حكومة وطنية، في الوقت الذي يقتضي الارتقاء سياسيا إلى مستوى الحدث الشعبي الذي لو كانت آليات النظام السابق تلبي طموحاته لما انتفض ضدها، فحين أصبح عنوان الانتفاضة الرئيس باسمه كان ذلك يعني أن المقصود النظام وكل آليات عمله. أما محاولات البعض حصره بأفراد فاسدين من أسرة الرئيس، وبالرئيس كشخص، فهو نوع من التضليل والالتفاف على الأهداف الرئيسية لمثل هذه الانتفاضة، عبر ما يعرف لدى العامة في بلداننا بـ’مسح الموس’. فالإنتفاضة الشعبية في تونس طوت صفحة الديكتاتورية ما يعني أن المطلوب إبداع آليات تمنع احتمال العودة إلى سابق ما كان. وقد ذهب ضحية استخدام القوة من قبل أجهزة الدولة الأمنية، حسب تصريح وزير الاتصال التونسي، سمير العبيدي ‘فقط 21 قتيلا’، دون أن ينسى ذكر أن كل دم تونسي غال، بينما ذكرت مصادر أخرى أن عدد الضحايا زاد عن الخمسين ضحية، عدا الجرحى.

وليس مهما عدد الضحايا في مثل هذه الحالات، بقدر ما أن المهم أن يقتل مواطنون برصاص دفعوا ثمنه لحماية أنفسهم بأيدي قوات أمن يدفعون لها أكلاف حياة أفرادها لحماية هؤلاء المواطنين. لكن الأمر في منطقة شرق المتوســـط مختلف، سواء في مفهومه أو في أدائه، والذين يقــــــومون الأوضاع في هذه المنطقة يقومونها من منظور مفهومي غربي، سواء في النظر إلى مفهوم الدولة أو مفهوم الفساد. ولانطلق حكما اعتباطيا إذا قلنا أنه لا وجود للدولة، حسب المفهوم الغربي، في هذه المنطقة من العالم، على الرغم من الشكل الشكلي للإطارات التي ترتسم الدولة فيها: رئيس ورئيس حكومة وبرلمانات وانتخابات تشريعية وبلدية وإدارات على كل المستويات، بالطول والعرض، وكل هذا يؤطره دستور وقوانين تخضع لاجتهادات حقوقيين خبراء في أرقى نظم العالم الحديث، إلا في شؤون مجتمعاتهم وحاجاتها وثقافتها. فلو قيض لك الحديث مع أي فلاح في قرية، أو عامل في مصنع أو بائع خضار في الشارع لأخبرك، إذا تجاوز حالة الخوف من السلطة، لقال لك ان القانون المعمول به هو قانون الأقوى، وليس القانون المدون في الورق، وأن العلاقات الشخصية (الواسطة) هي مفتاح كل الحلول، والعنف هو أداة السلطة لإدامة استمرارها، والموت وليس الانتخابات هو الوسيلة الوحيدة لاستبدال الرؤساء’. ويضيف لك ‘أنه بعد انتشار ظاهرة توريث السلطة في النظم الجمهورية في هذه المنطقة لم يعد هناك من معنى حتى للتغيير بواسطة الموت’. وفي مثل هذه النظم لا معنى للحديث عن ‘الفساد’ بالمفهوم المتداول في الدول المتقدمة. فالذي استولى على السلطة في أي من مثل بلدان شرق المتوسط استولى عليها كمغامرة شخصية مع جماعة تناصره، سواء كان الدافع للاستيلاء حب العظمة والسلطة، أو المنافع المادية، ولو فشل في مغامرته لدفع ثمن فشله شخصه وحياته وحياة مناصريه. وعلى ذلك ليس من حق المواطن الذي هو ‘رعية’ له، ولمن كان قبله، أن يطالب بما هو متعارف عليه في العالم المتقدم تحت اسم ‘الحقوق’. فهذا الذي يسمى مواطنا لم يختر ‘المسؤولين عنه’ حتى يكون له الحق في محاسبتهم. فزين العابدين بن علي، أو حافظ الأسد، على سبيل المثال، جاءا إلى السلطة في بلديهما باختيار نفسيهما لها، في مغامرة كان يمكن أن تودي بهما إلى المشنقة لو فشلا، وبالطبع من طبيعة الأمور أن يوفرا لمن ناصرهما قبل وبعد الاستيلاء على السلطة شيء من ‘عسل السلطة ومغانمها’ حيث نجح ‘غزو السلطة’. ما يحصل في تونس الآن يمكن قراءته كمؤشر إلى أن ‘الرعية التونسي’ قد ارتقى وعيه لنفسه ولقيمته ليطالب بأن يكون ‘مواطنا’، وهو اتجاه إن تجلى المستقبل الآتي عن وضوحه، ليس فقط في التعامل مع السلطة، كما حدث لانتفاضة إيران 1979، بل في التعامل مع النظام، أي الذهاب نحو ترجمة عملية للمواطنة، بما هي مسؤولية المواطنين عن مواطنيتهم التي تعني في أقل مستوياتها ‘التزام’ الجميع بالقوانين التي يضعونها، وليس ‘إلزام’ البعض بما يراه البعض الآخر صوابا. ولذا فإن استمرار التعامل وفق آليات النظام السابق هو ضد مصالح المواطنين المحتجين. هذه الإنتفاضة ليست الأولى في المنطقة فقد سبقتها انتفاضة إيران ضد الشاه، وسبقتها انتفاضة الفلسطينيين ضد الإحتلال الإسرائيلي، لكنها الإنتفاضة الأولى باللغة العربية ضد حاكم عربي.

قد يقول البعض ان انحياز الجيش إلى جانب المواطنين هو الذي حسم أمر الرئيس بن علي باللجوء إلى الفرار، إنما لا بد من ملاحظة أن الجيش وغيره من أدوات السلطة: الشرطة والمخابرات والموظفين الإداريين، جميعها من جسد المجتمع، إنما تم تأهيلها لمهام تخدم مصالح رجالات السلطة في نظام يعتمد ‘التخويف والتجويع’ أسسا لاستمراره. وهؤلاء الأفراد العاملون في أجهزة السلطة الأمنية والإدارية إنما يعملون كأفراد من أجل خبزهم، لكن آليات النظام هي التي تجعلهم في خدمة هذا الهدف أوذاك. وما يلاحظ في السلوك الشعبي، بعد الإنفلات الأمني الذي قد يكون مخلفات النظام السابق خلفه، حيث عمدت الأحياء إلى تشكيل لجان شعبية لحماية أحيائها أن بالإمكان الإرتقاء بهذه اللجان لتمارس إدارة شؤون أحيائها، بما يعني انخراطها السياسي الذي يؤهلها لاختيار ممثليها في السلطة القادمة وإخضاع هؤلاء الممثلين للمحاسبة الشعبية. فإذا حصل مثل ذلك تكون الانتفاضة قد حددت سكة الآليات التي سيعمل بها النظام الجديد. أما إذا لم يحصل مثل هذا الأمر فقد تحل إدارة جديدة شكلا، تعيد تكرار الصور القديمة. ‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية