قطعا استمرار النزاع في فلسطين صار يشوش علي سياسة واشنطن
الولايات المتحدة في حيرة سياسية. لقد مثلت انتخابات الكونغرس علي نحو لا لبس فيه، علي أن الامريكيين يرفضون جدول العمل اليميني – المتشدد لجورج بوش. لقد قالوا لا للحرب في العراق، ولا للتوجه المحافظ في موضوعات مثل الاجهاض والزواج المثلي، ولا للاقتطاعات المتشددة من الميزانية. لكن جورج بوش ما يزال رئيسا، وسيظل كذلك حتي انتخابات 2008. وفي هاتين السنتين يستطيع الرئيس والكونغرس أن يشل بعضهما بعضا. يتوقع اذا سنتان من عدم القرار في كثير من الموضوعات. وفي أوقات كهذه يفكر الناس من جديد. أحد الاشياء التي يفكرون فيها من جديد في امريكا هو السياسة نحو اسرائيل.
أخذت اصوات أكثر فأكثر تدعو في الوقت الأخير الي الفحص من جديد عن هذا الالتزام، واصوات أكثر فأكثر تخرج علي اللوبي اليهودي. يتصل بعضها بنظريات المؤامرة، مثل ورقة عمل البروفيسور جون ميرشهايمر وستيفن وولت، اللذين زعما، أن السياسة الخارجية لبلدهم أسيرة اللوبي. ليس هذا جديا، لكنه اجتذب كثيرا من الانتباه. يطلب آخرون اقامة نقاش جدي لقضية اسرائيل بغير تدخلات، مثل تدخل الرابطة المقاومة للتشهير، التي نجحت مؤخرا في الغاء محاضرة للبروفيسور طوني جاديت، (الذي يؤيد دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل). أصبح النجاح سيفا ذا حدين. ظهرت عريضة كبيرة تعارض الرابطة في احدي المجلات الشهيرة في القارة، ووقع عليها اشخاص رواد، وفيهم اصدقاء قدماء لاسرائيل.
ليس وجود هذا الجدل هو الجديد، بل مقدار الاهتمام العام الذي يثيره. يجب أن نضيف لذلك حقيقة أن الشبان ينشأون منذ سنين في المعاهد والجامعات علي كتب ادوارد سعيد، ومن هنا تقصر الطريق الي تفسير النزاع الاسرائيلي ـ العربي بمفاهيم تصور الصهيونية كاستعمار. ويجدر بنا ايضا أن نتذكر أن الغرائز الاخلاقية للامريكيين ديمقراطية، وان الاحتلال لا يمكن أن يُساكنهم الي الأبد. والقشة الأخيرة ( في هذه الاثناء ) هي حرب لبنان الثانية، التي رآها الاعلام عدوانا اسرائيليا غير متناسب.
الطريق طويل من هنا حتي التوجه المقاوم لاسرائيل، ولكن من هنا حتي تفكير من جديد في السياسة الخارجية الامريكية هي قصيرة خاصة. ربما يكون من المبالغ فيه أن نقول إن اسرائيل تتحول من كنز الي عبء، ولكن أصبح واضحا أكثر فأكثر للامريكيين أن النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني يشوش علي جدول عملهم في الشرق الاوسط. انه يعوق صياغة ائتلاف من الدول العربية المعتدلة، لانه ما بقي الغلاة يلوحون بأزمة الفلسطينيين، فان المعتدلين لا يستطيعون أن يُديروا اليهم ظهورهم تماما. بعد الفشل في العراق، أصبح الخيار العسكري اشكاليا، وأصبحت صداقة الدول العربية المعتدلة أكثر أهمية. قال جورج واشنطن، أول رئيس للولايات المتحدة مرة انه يمكن الاعتماد علي صداقة الدول حتي يقرُب الامر تماما من حدود مصالحها. يحسن أن تتذكر حكومة اسرائيل ذلك. ليس التأييد الامريكي تلقائيا، وليس مفهوما ضمنا، وليس أبديا. يجدر بنا ألا نسأل انفسنا فقط هل نحن علي حق وهل يحبوننا. يحسن أن نسأل انفسنا ايضا ما هي المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة للأمد البعيد. لأننا اذا صادمناها، فسنكتشف أن امريكا يمكن أن تكون بلا احساس البتة في ادارة سياستها الخارجية.
غادي طؤوف(معاريف) ـ 21/11/2006