أعتمد على طرق الحياة الوعرة وأستأمنها على حياتي بلا تردد، حيث هناك من يقف على القارعة حاملا سلة فواكه فوق رأسه، أمد يدي وأشكر. ومن حُسن حظي أنني متصالح مع جميع الفواكه، باستثناء فاكهة الصبّار التي أكلت منها في الطفولة ما يكفيني إلى يوم القيامة. كما أنها تسبب لي تقلصات غير آمنة، ولن أغامر في فك حزام سروالي في هذا السن، وأترك من يحشو مغزلا في تجويف الثقب.
أعتمد، أيضًا، على صداقة آدميين لا علاقة لهم بالكتابة، ولم يسبق للكثير منهم أن جلسوا على كرسيّ المدرسة ولا سمعوا عن قرب جرس الإعدادية. ولا يجدون فرقًا في التسمية بين الحارس العام وحارس المرمى في فريق كرة القدم. إنهم الرائعون. الذين خبروا الحياة بطريقتهم، حد أن لسانهم ينطق بالعجب، خصوصًا إذا استطعتَ استدراجهم إلى الكلام والتراجع خطوة إلى الوراء، لائذا بالصمت إلا من هسهسة آلة التسجيل. سجّل أنا أمازيغي وأكتبُ بالعربية منذ سنوات، أقول ما في داخلي. لذلك اخترتُ أصدقائي من هذه التربة الخصبة، حرفيين، وفلاحين، وندل المقاهي، ومجرمين بسوابق عظيمة، وعاطلين بصعقة جنون خفيفة. وقد أغدقوا عليّ بسرديات وأفكار لا تُحصى. وأكرموني، في أحلك الحالات، بحصة من الضحك وعدتُ لأنام، بدون أن يظهر كابوس أو مسدس في نومي. ومتخففا من متاعب العمل، بل خفيفًا أقفز وأكسر مصابيح الشارع برأسي. حياتنا مظلمة، فدعوني أكمل المشهد يا سادة كي نتناطح في الظلام مثل تيوس جبلية.
ومن جهتي، تصرفت مع هؤلاء بنبل يليق بمقامهم العالي، وبعض الكرم أحيانًا. لكن الوقوف على الحافة ورمي الصنارة في الأعماق لا ينتهي دائمًا بزعانفَ براقة في السلة. مرة سمكة، ومرة كومة طحالب، وربما فردة حذاء لرجل رمى بنفسه في البحر. وللأمانة، فقد أغدق البحر عليّ بأسماك كثيرة، إلا مرة واحدة مع بائع علف الدواب الموجود قرب ثانوية موسى بن نصير، لا أدري من أين طلع هذا المخلوق، وتقدم بلا استئذان، وقفز على السلك الشائك، وهبط مثل عباس بن فرناس في حديقة حياتي. هَبْ أنك سقطت على ظهرك، وانتهيتَ بكسر مزدوج، هل تتوقع أن هيئتك الممسوحة ستتحمل الجبس وسخونته، أنت الذي لم ترتد بذلة رياضية يومًا واحدًا في حياتك؟
أشكر الله أنني لم أكن مُخيبًا. ولا طالع نحس، إذ حط صاحبنا بمنطاده الملون سالمًا في الحديقة السرية. وتقدم إلى الداخل ثم تمدد إلى الأبد. بدون أن أشتكي من وجوده الطارئ، مثل ضربة جزاء. وبالعكس، دخلت بفضله في تجربة جديدة حين أصبحت أحبو على أربع وأذرع الغرفة جيئة وذهابًا مقلدًا ثغاء نعجة. وإن كنتُ لا أحب النعاج، إذ سرعان ما تنهزم أمام الذئب رافعة رجليها إلى الأعلى باستسلام، مع احترامي للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، الذي كان يربيها في قصائده بلا تأفف. وقد غيرت وجهتي عندما تعمق إعجابي بالبقرة، التي أعتبرها أقربَ إلى الإنسان بهذا الصمت المهيب، الذي يحاذي الحكمة المنسية على شفاه الفلاسفة. بهذه النظرة الساهمة، وبهذه الهوينى وهي تمشي في الشوارع جنبًا إلى جنب السيارات متوقفة عند القرص الأحمر. وبدون أن تُلفت انتباه شرطة المرور. يا للعظمة! أتخيلها دائمًا تمضغ الأفكار وليس العشب، لذلك ألقي التحية العسكرية كلما مررت جنب بقرة. ونادرًا ما رأيتُ فلاحًا يصرخ في وجه بقرة، فيما رأيته يفعل ذلك مع أولاده، ومع نفسه في مواسم الجفاف.
وهكذا صرتُ أمطط لساني بملقاط كي يصير بطول لسان بقرة. نجحتُ في ذلك. وفرحت حين شعرت بأن أثداءً حقيقية تنمو في بطني، وعلى وشك أن تتدلي وتصل إحداهن مياسة بحذاء بلاستيكي وقبعة دوم وسطل في اليد، كي تقرفص وتحلب. انتظروا قليلا، يا أطفال المدينة. الحليب مقبل في خوابٍ من نحاس. أريدكم أن تكبروا بسرعة. الثورة تنتظركم! صرتُ، أيضًا، مفتونًا بالروث الموجود في الحظائر، أدنيه من أنفي وأشم بتلذذ، بل غرست وتدًا في الغرفة وبعثرت التبن في محيطه. أنام واقفا، مُبقيًا على عينيّ نصف مواربتين (ما الفرق بين العيون والأبواب؟) أتفرج على زوجتي تتسلى بالهاتف، وتلتقط لي صورًا من زوايا معبرة. أمرر لساني على شحمة أذنها، وأتذكر الحياة القديمة التي غادرتها بلا ندم. تَشجعي أيتها الجبانة واستدعي عاشقًا إلى الغرفة، إننا نعيش الحياة مرة واحدة! وأتذكر أنني قصدتُ سوق الأبقار ذات ثلاثاء، وعرضت نفسي للبيع بمحض إرادتي. لكنهم لم يدفعوا ثمنًا مهما، وعدت حزينًا أجر ذيلي المدبب، وأهش على حشرات لا أعرف فصيلتها. من عيوبي أنني لا أستسيغ شيئًا فوق ظهري مَهْما خف وزنه (سأحاول أن أتأقلم مع الوضع مستقبلا) وما عدا ذلك فقد انخرطت في الحياة البهيمية سريعًا، وتعايشت معها بحب ونضالٍ يساري لا نظير له. وأيضًا بأفكار ثابتة عكس بعض السياسيين، الذين يتمسحون بحيطان الكعبة في الصباح، قبل أن يعودوا في المساء بالمعاول ويهدموها.
كانت نيتي أن أواصل حياتي كأي بقرة حلوب. أن أرى خدود الأولاد منتعشة بفضل الحليب. وأن تدغدغ الأمهات الخدود بالأصابع. وأشعر بأنني قدمت شيئًا للبشرية أنا الكائن السلبي الذي لم يتبرع ولو بقطرة دم. ولا كَسر المألوف يومًا وفاجأ إمام المسجد بقصعة كسكس، أن أواصل هكذا بقرنين، وربما وهبتُ رأسي في نهاية المطاف إلى جزار لأنتهي بالتقسيط في جوف أطباق الغرباء. وربما تذوق أصدقاءٌ قدامي لحمي مطبوخًا بعدما تذوقوه أخضرَ في زوايا المقاهي. كان مشواري سيكون زاهيا لولا أن زوجتي وأولادي تضايقوا من وجودي الحيواني الذي نغص حياتهم الإنسانية، وجلب لهم العار والإشارة إليهم بالأصابع بسبب الخوار الذي يسمعه الجيران، فضلا عن سياحتي في الحي ماشيًا على أربع، ألتهم قشور الخضر والأعشاب النابتة في المساحات الفارغة، غير عابئ بأكياس البلاستيك التي أطويها بلساني كما يطوي الرحالة خيمته ويغادر بلا أسفٍ. إن حياتي كلها مغامرة، وهل أتضايق من نصف كيلوغرام من البلاستيك يستقر في معدتي؟
تحالفوا ضدي. حملوا الحقائب ووصلوا إلى بيت الأصهار، ثم أداروا المفاوضات من هناك. إما أن أعود إلى حالتي الآدمية، وأثبت لهم ذلك بأدلة ملموسة، وإما أن يبقوا هناك إلى الأبد وأبقى أنا هنا وحيدًا. شعرتُ بأن السقف يهوي على رأسي. وبأنني على وشك أن أنسف كل شيء بسبب أكياس العلف. بسبب بائعها، والذي انتظرت منه أن نتعاون معًا على اصطياد سمكة لكن يظهر أن وقفتي على جنب البحر كانت خاطئة هذه المرة من أساسها. وها أنا أعود وأكتب كي أعبر لكم أنني قبلتُ الشرط. ولا أنوي العودة إلى العلف ولا إلى الخوار. احملوا الحقائب، وعودوا بسرعة! فقط، لا تُرغموني على الاعتذار. لا أستطيع أن أفعل ذلك، أشعر كما لو أن عمارة كبريائي تهوي دفعة واحدة. لكن تذكروا أنني ظريف، وشَعري ناعم مثل خطاب ملكي. رومانسي وأحب المساحات المفتوحة والنباتات البرية. أحب القهوة وأوقع شيكًا على بياض من أجلها كل صباح. وما تبقى مجرد أوساخ الحياة أتخطاها بحذائي، وأواصل.
٭ كاتب مغربي