الحديقة السوداء في محطّات شوكت خزندار الشيوعية (2 من 2)!
إشكالية خزندار الأساسية هي علاقته الملتبسة بالحزب المراوحة بين الحب والكراهية وكتابه نشر غسيل للخلافاتاتهام الحزب بالطائفية وتركيز علي الصراع اللامبدئي في قيادة الحزب.. وبين العرب والاكراد والسنـّة والشيعةالحديقة السوداء في محطّات شوكت خزندار الشيوعية (2 من 2)!عرض: عبد الحسين شعبان ہثالثا- العلاقة مع المخابرات السوفيتية الـ KGB ( كي.جي.بي )في ثنايا كتاب خزندار تتردد كثيراً اشارات واضحة وصريحة الي العلاقة مع الـKGB خصوصاً ما يتعلق حسب رأيه بجهاز أمن الحزب. (ص 396) ولكنني لم أعثر علي عنوان يشير الي تلك العلاقة. ويقول خزندار ان قائد جهاز أمن الحزب يجب عليه الذهاب الي الاتحاد السوفييتي ليتلقي دراسة مكثفة في العمل المخابراتي وتحديداً لدي الـ KGB (ص 48) وعبدالرزاق الصافي حسب رأيه درس في صوفيا ولكن لمعهد تابع لـ KGB في بلغاريا وتحتاج هذه المسألة بتقديري الي معالجة نظرية أولاً ومعلوماتية عملية ثانية، ما هو البعد الأيديولوجي لها، ومتي بدأت في الثلاثينيات أو الاربعينيات أو بعدها ومع من؟ويُنسب الي احد الشيوعيين المخضرمين قوله: عندما لم تكن لنا علاقة حزبية مع السوفييت أو انها انقطعت ذهبنا قبل قطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي، لنرمي رسالة من وراء السياج نطلب فيها تنظيم الصلة بموسكو! ولكن الرفيق آرا خاجادور يسخر من هذه الرواية ويطلق اسم الرسالة الصاروخ عليها!!ولا أدري أين يمكن ادراج قول عامر عبدالله لزكي خيري في اواسط الستينات وبعد إلغاء عقوبته : تهانينا لقد وافق الرفاق السوفييت علي عضويتك في المكتب السياسي (ص48) وفي معرض حديث خزندار عن جهاز المخابرات السوفييتية ينقل عن أحد أعضاء المكتب السياسي ( فخري كريم ) الذي كان مسؤولاً عن جهاز أمن الحزب عام 1982 قوله : نعم أنا أعمل في المخابرات ولكن في المخابرات السوفييتية، ثم يضيف : لأنه يعلم جيداً ان العمل المخابراتي مع السوفييت مباح.. ولكن خزندار لا يوثق هذه المعلومة وأين قيلت وأمام من وما هي المناسبة. ثم يضيف اتهامات اخري حين يقول: الرفيق نفسه كان متعدد الجنسيات في العمل المخابراتي، بداياته مع الدوائر الأمنية العراقية ثم مع السورية والبريطانية والأمريكية.. (ص 178 ـ 179) ولعل من هذه الاقوال ترتب مسؤوليات قانونية، ناهيكم عن مسؤوليات أدبية وسياسية خصوصاً اذا كانت بهذه العمومية وربما السذاجة أحياناً.وفيما يتعلق بالحجج التي يسوقها هي أن عضو المكتب السياسي المذكور استقبل القنصل البريطاني في مكتب الحزب بدمشق في اوائل الثمانينيات، والثانية زيارته للولايات المتحدة مع وفد من المعارضة وتصريحاته التي أثارت جدلاً كثيراً حول موقف الحزب الشيوعي ابان إحتلال الكويت وترجيحه الخيار العسكري، وقبل ذلك زيارته الي المملكة العربية السعودية. ويبني خزندار احكامه علي بعض المواقف السياسية ولكن هذه المواقف أو العلاقات السياسية شيء والعمل مع جهات أجنبية ومخابراتية شيء آخر، اذ لا يمكن لمجرد الاختلاف حتي وان كان جوهرياً بين منهجين واسلوبين للتعامل اصدار اتهامات وربما أحكام دون اسانيد ووثائق قانونية.ولذلك لم أجد الحديث موفقاً عن الاسباب التي جعلت منه قائداً حزبياً في ظل قيادة عزيزمحمد المشبوهة .ولعل خزندار ينسي الاستقطابات والاصطفافات والاغراءات والتصفيات التي صاحبت تلك الفترة للانفراد بقرار الحزب وتوجيهه الوجهة السياسية التي ارادتها القوي المتنفذة، سواء لمصلحة قوي خارجية او بالتعاون معها لاغراضها الخاصة!رابعاً- جهاز أمن الحزبلعل كتاب خزندار هو الأول الذي يتحدث بشيء من التفصيل عن جهاز أمن الحزب. ويقول ان الذي قاد الجهاز في أواسط الستينيات 1965 ـ 1966 أيام ما سمّي بخطة العمل الحاسم الخطة الانقلابية الشيوعية التي وئدت وهي في طور التفكير أو التحضير، هو آرا خاجادور، لكنه حسب قوله فشل في قيادته وانطلت عليه الكثير من الامور بما فيها مخططات عزيزمحمد بسبب طيبته. ثم جاء بعده ثابت حبيب العاني، الذي فشل هو الآخر ولم يكن جديراً بالمسؤولية لا فيما يتعلق بقيادة الخط العسكري ولا بجهاز أمن الحزب، ثم توّلاها أيام الجبهة عبدالرزاق الصافي الذي مارس عمله معكوساً بصورة تامة وتستر علي المندسين والعملاء داخل الحزب ونفـّذ كل ما يطلبه (الامين العام).ويعود من خلال هذه القضية ليغمز عزيزمحمد ويتساءل هل كان هذا الدور مرسوماً له من الاساس ؟ منذ أن تلقي دروسه علي يد ابراهيم شاؤول في الخمسينيات ( المقصود داخل السجن ). وهكذا يرجع كل شيء الي مؤامرة تاريخية مخابراتية خارجية، ويقول ان الجهاز خلال فترة الجبهة كان سّرياً علي أعضاء الحزب ( وربما علي قيادته) ومكشوفاً لدي صدام حسين (ص 325).ثم يقول ان فخري كريم قاد الجهاز من بيروت حيث شكـّل فراكسيون ( المقصود مجموعة ) داخل القيادة ومارس أعمالاً قمعية مثل سحب جوازات سفر الرفاق الذين يخالفون سياسة الحزب تحت باب قص الحواشي الرخوة كما يذكر.ان نقد خزندار للجهاز ينصب علي أنه استخدم اداة لفرض سياسة القيادة وأتباعها علي الحزب وليس الحفاظ علي أمن الحزب، أي انه جهاز لأمن القيادة لترويض الحزب وتطويعه. كنت آمل أن أتعرف الي ما قام به الجهاز من انجاز بعض المهمات لسلامة أمن الحزب، غير الاختراقات والخطوط المائلة لدي القوي الاخري. وكما يتردد منذ اواسط الثمانينيات، فإن الجهاز عاد تحت قيادة آرا خاجادور بعد المؤتمر الرابع باتفاق مع قيادة عزيزمحمد – فخري كريم – حميد البياتي، وقام بإرسال عدد من المتدربين الي موسكو والدول الاشتراكية للتدريب علي اعمال بسيطة مثل تفكيك الشيفرة والمراسلات بحبر وادوات خاصة واستخدام اللاسلكي وامكانية الزوغان من ايدي العدو والاحتراس من اندساس القوي الامنية وغيرها. ولكن في تلك الفترة ذاتها اصدرت مديرية الامن العامة كتاباً بعنوان دور المعلومات والخبرة الامنية في متابعة الحزب الشيوعي العراقي ، بقلم النقيب عبد العزيز عبد الصمد عبد الغفور ( نيسان (ابريل) ) 1987 وقدّم له عبد الرحمن الدوري (مدير الامن العام) تضمن معلومات حول: الكتابة السرية والبريد الحزبي والشيفرة والرموز الحزبية اضافة الي صور ومعلومات عن القيادات الشيوعية، وكأنه رد علي جهاز امن الحزب.خامساً- الطائفية في الحزب الشيوعي وهي من القضايا الجديدة التي لم تطرح سابقاً، بل لعله من غير المألوف طرحها. ويصر خزندار علي انها موجودة في قمة القيادة (ص 290) وازدادت هذه النعرة أيام الجبهة في اللجنة المركزية والسكرتارية وما زالت قائمة الي اليوم بأبشع صورها كما يقول. ورغم عدم سماع شكاوي بهذا الخصوص مثلما قيل عن هيمنة الرفاق الكرد وإبعاد العناصر العربية (في الثمانينيات) الا ّ ان خزندار يشير الي انحياز الرفاق الشيعة الي تقديمات رفاق الفرات الاوسط والمنطقة الجنوبية حيث كان باقر ابراهيم وماجد عبدالرضا وجاسم الحلوائي (من لجنة التنظيم المركزي) يمنحون دعمهم الي الرفاق الشيعة بمن فيهم من أصحاب المواقف الضعيفة كما يقول. اما باقر ابراهيم فيرد علي ذلك بشّدة ويعتبره طمساً للجانب الايجابي في تاريخ الحزب.يقول شوكت خزندار في معرض حديثه عن التركيب التنظيمي : وكان الصراع اللامبدئي حاداً في قيادة الحزب.. ومشتداً بين العرب والاكراد والسنـّة والشيعة للاسف الشديد (ص 294).وبالعودة لخطة العمل الحاسم وما له علاقة بالطائفية : يقول إن عامر عبدالله انبري بالقول ماذا دهاكم أيها الرفاق… ألا تعرفون إن من شخصتموه (المقصود لرئاسة الجمهورية في الخطة الشيوعية الانقلابية) هو من الطائفة الشيعية، وهناك فيتو دولي لا يحق للشيعي ان يكون رئيساً للجمهورية علماً بأن الشخص المقصود هو الشاعر الكبير الجواهري، حيث اختير بدلاً عنه نقيب المحامين عبدالوهاب محمود، في حين كان آرا خاجادور منشغلاً بالوزارات السيادية كالدفاع والداخلية والخارجية. (ص 87).سادساً- قصة تأميم النفطينقل خزندار الحوارات التي دارت داخل المكتب السياسي بخصوص تأميم النفط، والتي لم يُفصح عنها ولكن بعض الاصداء ترددت في حينها حول مخاوف الحزب من فشل خطوة التأميم وخصوصاً باستعادة قرار حكومة الدكتور مصدق وما ترتب عليها عام 1953 ودور الاحتكارات في الاطاحة به. ويقول ان الحزب شكـّل لجنة من رفيقين لتقديم تقرير حول الموضوع وهما رحيم عجينة وكاظم حبيب (الذي يستخف باختصاصه التعاونيات الزراعية فيقول : خيار وطماطم ـ دون أي مبرر ـ اذ من حقه انتقاد موقفه السياسي أما الاستهانة بهذه الطريقة فهو أمر غير مقبول خصوصاً اذا توخينا الحديث عن التاريخ من خلال توقير الصراع وترزين الخلاف) وبعده يعلـّق علي عزيزمحمد ويعتبره لا يفرّق بين زراعة الخضروات وبين استخراج النفط (كل من لحيته حمرة فهو عباس آغا) واخيراً يعتبر عجينة ليس مختصاً ومعلوماته لا تتعدي قراءة بعض الكتب.يقول خزندار: ان التقرير الذي أقرّه المكتب السياسي أوصي برفض الاقدام علي التأميم والاكتفاء بمطالبة الشركات الاحتكارية بزيادة حصة العراق. ويشير الي أن صدام حسين ولأكثر من مرّة قال : الثوريون نصحونا بعدم الاقدام علي تأميم النفط في اشارة الي قرار عزيزمحمد والمكتب السياسي، ولكن باقر ابراهيم يعتبر ان زكي خيري هو الذي انفرد بهذا الموقف في اجتماعات الجبهة علي ما يبدو وحمّله نقد صدام حسين للحزب (ص 224 – 225).ويصرّ خزندار علي رأيه من ان موقف قيادة الحزب من خطوة التأميم كان متخاذلاً وهو يحمّل الامين العام وكامل أعضاء اللجنة المركزية المسؤولية (ص 226).سابعاً- القضية القومية العربية والمسألة الوطنيةيزيح خزندار الستار عن صراعات خفية ومعلنة حول موقف الحزب من القضية الفلسطينية ويقول ان المكتب السياسي عند وقوع العدوان عام 1967 لم يقرر الخروج بتظاهرة رغم ان الشيوعيين كانوا في الشوارع مع بقية الجماهير. وينتقد موقف زكي خيري المتبجح بعد 17 عاماً (ص 129 ).وهذه ليست المرّة الأولي التي يستبدل فيها زكي خيري المواقف، فهو أول من أيد قيام دولة اسرائيل وحق اليهود في الهجرة معتبرا انها دولة ديمقراطية تقدمية مقارنة بالانظمة العربية، لكنه يعود ويقول في مذكراته انه أول من صاغ مبدأ حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني وهذه المرّة ليست الذاكرة هي التي تتحدث، بل الوثائق خصوصاً مناظرته الشهيرة مع عزيز شريف عام 1948 (من داخل السجن ) ويصر عامر عبدالله علي انه أول من حاول ان يقنع الحركة الشيوعية العالمية لتبني هذا الشعار عام 1969 في موسكو (مقابلة مع الباحث).لكننا لا بد من الاقرار بأن زكي خيري مجتهد علي خلاف الكثيرين من الشيوعيين المسلكيين، ومواقفه الاجتهادية المتميّزة سلباً أو ايجاباً خلقت نقاشاً وجدلاً سواء الموقف من القضية الفلسطينية أو من التأميم أو من قيام الجبهة الذي كان من المتحفظين عليها في البداية الي أشدّ المتحمسين لها، مثلما هي مواقفه من الحرب العراقية – الايرانية، حين دعا الي التحالف مع القوات المسلحة العراقية لمواجهة الاحتلال والغزو الايراني الي موقفه الرافض للحصار الدولي والعدوان علي العراق.الشيء الذي يدفعني لاضاءة هذه القضية هو ما ورد علي لسان باقر ابراهيم في المقدمة وذلك لإثبات صحة اطروحات وسياسات اتخذتها الحركة الشيوعية العربية في ظروف ملتبسة ومعقدة وتأثراً بالمواقف الخاطئة التي اتخذها المركز الاممي سواء بخصوص قرار التقسيم السيء الصيت عام 1947 أو ما له علاقة بالحرب العربية ـ الاسرائيلية الاولي بعد قيام اسرائيل عام 1948 وفي الموقف الماركسي من المسألة اليهودية. ولا ينسي باقر ابراهيم ان يندد بمواقف القيادة المركزية ومرض الطفولة اليساري والانعزالية، وهو أمر أتفهمه ولكن لماذا مواقفها من القضية الفلسطينية بالذات وفي موضوع الاستقلالية في الحركة الشيوعية، وكباحث ومثقف ومن خلال قراءة استعادية للماضي أجد ان مواقف القيادة المركزية كانت أكثر استقلالية وأقرب الي نبض الجماهير وكذلك الي الحقيقة والعدالة من مواقف الأخرين، التي كانت مواقف سياسية أقرب الي مصالح الدولة العظمي والمركز الأممي.واتفهم أيضاً دفاع باقر ابراهيم عن خط آب (اغسطس) 1964 ومحاولة دحض الاتجاهات الاخري اليسارية التي عارضته، ولكنني وجدت اشاراته الي الحركة الصدرية في غير محلـّها وفيها اقحام سياسي خصوصاً وان الحركة في بداياتها ولم تشكل بعد تياراً واضح المعالم لكي ندرجها ضمن الحديث عن التيارات السياسية العقلانية (ص 7) ولعلي أتفق معه علي أن بعض القادة الشيوعيين الذين بالغوا بالأمس بتعليق الآمال علي الجبهة الوطنية يبالغون اليوم بابتذالها (ص 8) ولكن أين حصيلة التجربة التاريخية للحاضر والمستقبل، فالبعض يتنكر للماضي ويريد التنصل منه، والبعض الآخر يريد بل ويتشبث باستعادته وكأن المآسي والآلام علي مدي ربع قرن لا تعني شيئاً.أعتقد ان هناك انفصالاً علي الواقع، فلا المتنكرون الذين يتنصلون عن الماضي ولا المتشبثون به وكأنه مستقبل، قد استفادوا من الدروس والعبر الواقعية بحيث يمكن استلهامها لاستشراف علاقة صحيحة وسليمة وشفافة وانتقادية تسهم في التحدي للاحتلال ورسم صورة للعراق المستقبلي.ولن يتم ذلك دون نقد حقيقي ومساءلة وتحديد المسؤولية. ليس المهم اذن التبجح أو التنديد.واذا اردنا الحديث عن خطة التجديد في الحزب، فقد كانت ارهاصاتها الاولي، عام 1956 في ظل قيادة سلام عادل عندما تبنـّي الحزب في الكونفرنس الحزبي خطاً عروبياً واضح المعالم. لكن خطة التجديد تلك سرعان ما اجهضت وقد كان لعامر عبدالله دور بارز في تبني وبلورة الخط السياسي آنذاك، رغم ان شوكت خزندار يشدد علي دوره السلبي بل المشبوه (كذا) في بعض الاحيان من خلال علاقته القديمة مع مصطفي القلمجي (ص 299) وفيما بعد مرحلته اللندنية خصوصاً بعض آرائه المنشورة بصدد الحصار ودور العامل الخارجي وتسويغ التعاون مع القوي الاجنبية. ويعتبر ذلك من أخطاء سلام عادل (الكبري ) حين قام بتقديم عامر عبدالله الغريب الي القيادة.الخط التجديدي اتسم بالانفتاح علي القوي الوطنية وابرام جبهة الاتحاد الوطني عام 1957، لكنه بدأ بالتقّلب بين اليمين واليسار بانتصار الثورة عام 1958 ومحاولة الاستئثار بالشارع من جهة والانحناء لقاسم من جهة ثانية.ثامناً – قصة عاصم فلـّيح لأول مرّة يتم تسليط الضوء علي قصة أول أمين عام للحزب الشيوعي لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار عام 1934. والقصة لها دلالة مهمة، اذ أنها تأتي بعد معايشة لمدة تزيد علي عشرة أشهر ويتحدث خزندار عن سجايا ومرارات عاصم فلـّيح الخياط الذي انتخب أول أمين عام للحزب الشيوعي. ورغم انه ترك السياسة، الا ان شوكت خزندار يتحدث عن هواجسه وعن التشويه الذي تعرّض له من أنه فضـّل مصلحته الشخصية علي الحزب ويريد توسيع محل الخياطة التابع له وكسب المال ص (25).يقول خزندار بعد أن أوحيت له بالانتماء الي الحزب الشيوعي وهروبي من مدينتي السليمانية عام 1954 تشجعت وسألته لماذا تخـّليت عن الحزب ؟ ضحك وقال: لست أول من يسأل هذا السؤال ! ثم دعاني الي مطعم نادر في شارع الرشيد وخاطبني : واصل نشاطك الحزبي.. (ولكن) أرجو أن لا تمارس هذا النشاط والمواعيد في محلـّي.. ثم استرسل عاصم فليح: كنت خلفه (اســــطة) واليهود ( يومذاك ) أفضل (الاسطات) وعملت في محل صاحبه يهودي، وعن طريقهم تعرفت علي الماركسية، ثم تجمعت الحلقات الماركسية في بغداد وأصبحت سكرتيراً (اميناً عاماً) للحزب. وبعدها ُطلب مني الذهاب الي مدرسة كادحي الشرق في موسكو (لا يقول من طلب منه ولا يوضح شوكت خزندار ذلك )، وكان لي رأي آخر وهو استكمال مقومات الحزب ونظامه الداخلي وبرنامجه وعقد مؤتمر تأسيسي وانتخاب قيادة ثم الذهاب الي الدراسة وبناء علاقات أممية.يقول عاصم فليح: كنت أريد حزباً كامل البناء وليس تابعاً، لكنني وجدت بعض الرفاق اليهود ضدي، في حين ان الاغلبية معي، فدخلت في صراع مرير معهم حول توجههم ذي الصبغة اليهودية، فوشي بي أحدهم ( وخانوني ) فاعتقلت، وهذا هو السبب في ابتعادي عن العمل السياسي. ويلوم شوكت خزندار سلام عادل وبهاءالدين نوري اللذين رغم لقاءاتهما به بعد ثورة 14 تموز ( يوليو ) 1958 لم يحاولا معرفة الاسباب الحقيقية، كما ان مذكرات نوري لا تتطرق الي ذلك وكذلك كتاب ثمينة عادل سيرة مناضل . ويعتقد خزندار وهذا من حديث فليح واستنتاجا : ان رفض التبعية لموسكو والوشاية اليهودية كانت هي السبب في ان يكون أول أمين عام حزب شيوعي ضحية الصهيونية (ص 29).وقبل أن أختتم نقدي وتعليقي لسفر ومحطات خزندار وحديقته السوداء أود الاشارة الي أن الكتاب يركز كثيراً علي دور بعض الافراد، ولعلّ القارئ يتعب من كثرة الاتهامات والارتيابات والشكوك واساءة الظن وبخاصة بحق الامين العام السابق للحزب عزيز محمد والامين العام الحالي حميد البياتي وفخري كريم عضو المكتب السياسي السابق ود. مهدي الحافظ عضو اللجنة المركزية وعضو لجنة الجبهة الوطنية مع نعيم حداد، معتبراً هؤلاء جميعاً وآخرين، وكلٌ منهم يغمزه من زاوية، يعملون لحساب أجهزة أمنية خارجية. وإحدي ادلته علي ذلك مواقفهم الحالية المتعاونة مع الاحتلال !ولا ينكر أن الاجهزة الامنية الداخلية والخارجية ظلت تتربص بالحزب الشيوعي وتحاول اختراقه او اضعاف مواقف بعض قياداته للتأثير عليها او شراء ذممها بوسائل شتي، ولعلها نجحت الي حدود، ولكن ذلك شيء واطلاق الاتهامات وتوزيع الشكوك بدون ادلة او وثائق او قرائن شيء آخر. ولعل ذلك هو أحد أمراض العمل السري المزمنة، التي استثمرتها الاجهزة الامنية هي الاخري متنبهة الي مضائها فأخذت تُكثر من الاشاعات وتكيل التهم وتدق الاسافين لاضعاف وزعزعة الثقة بالحزب وقياداته.وبغض النظر عن مواقف البعض وخياراته فإن قسما من هذه الاتهامات والاحكام يعود الي ثقافة الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين، ولعل الاجواء الكافكوية الكابوسية ظلـّت مهيمنة علي الكثير من التفاصيل الي حدود غير قليلة، ناهيكم عن شعور خزندار بالمرارة والالم والتنكيل الذي تعــرض له كما يُظهر الكتاب، لكنه رغم هذه الملاحظات والانتقادات فإنه يطرح أسئلة مهمة يمكن وضعها في سياقها التاريخي من خلال مسيرة حافلة ومثيرة ! اذ لا يمكن الحديث عن التاريخ العراقي المعاصر دون الحديث عن تاريخ الحزب الشيوعي، بغض النظر عن اخطائه وممارساته السلبية وهشاشة وضعف قياداته ومواقفها غير السليمة من قضية الديمقراطية علي الصعيد السياسي أو علي صعيد قيادة الحزب الداخلية، لكنه ظلّ مَعْلَماً من معالم الحركة الوطنية العراقية.ہ ہ ہإن إشكالية خزندار الأساسية هي هذه العلاقة الملتبسة بينه وبين الحزب، الذي يحلم بأن يستعيد عافيته، دون أن يحسب ان الكثير من الظروف والمعطيات قد تغيرّت ودون أن يحسب انه وجيله أصبحا من تراث الماضي، والجيل الجديد قد لا يكون مشغولاً بالهموم ذاتها والاســاليب ذاتها التي شغلته، بل ان الكثير من المسلمات واليقينيات، لم يعد كذلك. العلاقة المتناقضة بين الحب والكراهية، بين الامل والألم ظلـّت تحكم حيثيات الكتاب وتسيطر عليه.ذكرتني معاناة خزندار بما كان يعانيه الكثير من الحزبيين وبخاصة في أوساط المثقفين، فقد كانت علاقة آراغون الشاعر الفرنسي ملتبسة هي الاخري بالحزب. وذات مرّة خاطبه بالقول : أغادره كل يوم في المساء لأعود اليه في الصباح !اما المسرحي الالماني بريخت فقد كان يتساءل ولكن من هو الحزب؟فيقول مخاطباً ايـّاه :لا تذهب بدوننا في الطريق الصحيحةقد تكون مصيباًونكون مخطئينولذلك لا تبتعد عنّا !ولكنني وجدت ان التوصيف الاقرب الي مسارات خزندار وهذا الخراب الداخلي والألم الشخصي والمعاناة المستمرة هو قصيدة الشاعر سعدي يوسف، التي ربما تعكس معاناة أكثر شمولاً وعمقاً فقد قال : بخرابه أرضيفكم كان التناسق مرهقاًبين الشُجيرة والرياحويدي التي درّبتها طالتلتمسك بي،أصابعها الطويلة فوق حنجرتيويدي تتشبث بالرتاجوحين ألوذ بكبرياء القائد الأعميوحين ألوذ لكي يكون الصمت تاجيآه كم كان يرهقني احتجاجي!!7