بلقيس الكركي
كالجسد تماماً، كلُّ ما هو غيرُ حسيّ تماماً في ابن آدم ويعرِّف به غالباً ‘ذاتَه’، هو أيضاً كأنّه من صلصال كالفخّار. سريعاً يكتمل معظمُ البشر أوعيةً فخّاريّة صُنعت على عجل، متشابهة الهويّة والوظيفة والشكل العامّ (أو اللاشكل أحياناً؛ لكن يوحدّها أنّ كلّاً منها وعاء فيه فراغ يتّسع لإملاءات كثيرة، كما تتّسع أوعية الطعام لما قد يتغيّر حسب مزاج المستهلك). يد الصانع (المستفيد، غير المباشر، الأخير) لا تملِك أن تتركَ للطين إرادةَ التشكّل على مَهلٍ ونار من الشكّ؛ فأطوار التشكّل الفرديّ فوضويّة غالباً: بمعنى أنّها غير مضمونة النتائج ويصعب أن تقود إلى التناسخ، والعالم يحتاج إلى نظام. كذلك لا يَحتمل، أغلبُ الطين، آلامَ التشكّل البطيء أو الأسوأ: تفتيتَ ما تيبّس منه الفخار لا يعود إلى طين بعد التشكّل – بغرض اكتشاف الشكل الحقّ، أو الشكل الأجمل أو الأتمّ. الحقّ والجمال ترف؛ ترف حزين.
حجّة الصانعين: لا بدّ للعالم من خزف كيفما اتفق وإلاّ بقيَت الدوابّ تدوس على الطين. لا بدّ دوماً مهما كان فوضويّاً قبيحاً ناقصاً من يقين. بلغة أخرى، لا بدّ أن يفوق التشابه الاختلافَ كي تكون حضارة، ثمّ لا بدّ أن يزيد الاختلاف كي تعلو، وتعلو، علوّ القرن الرابع الهجريّ العربيّ، ثمّ تعود مصانع الدنيا لتّتفق مصالحها على إعادة توحيد الشكل شكل واحد، قد تتنوع تفاصيله قليلاً، يحتكر سوق الأفكار، المسيطر ولو من بعيد على محالّ تبيع أشياء ضروريّة كالخبز، والحبّ. وهي أشياء إن اشتدّت حاجة الطين إليها، قد يختار شكل الوعاء، مضطرّاً، مؤجّلاً اكتشافه الحرّ لشكله، لتعريفه و’حدّه’ الذي به ‘يتمّيز عن جميع ما عداه’، إلى غير حين.’ ‘ ‘قد تصل الرغبة في التشكّل الذاتيّ، وكلّ ما يحيط به من أسباب وشروط، أيضاً حدّ الضرورة وحدّ اليقين، وإن كان يقيناً آخرَ، لا يباع أو يُشترى، بل يحاول أن يقاوم إغراء البغاء، وأن يكفّ عنه أيادي النخّاسين، التي كلّها تريد أن تقايضه رغبتَه الحقّة، ولايقينه الجميل، بما تبيع من حاجات القلب والجسد. يقين آخر مختلف، لأنّ الطين هنا يحاول أن يعقل مادّته وألاّ يكتفي بما وجدها منه وعليه على قارعة الطريق، وشكَله وألاّ ينقله عن أعمال فنّان قليل الموهبة. هذا النوع من العناد، المسمّى بلغة أخرى حريّة وإرادة، يجفّف قطعة من الصلصال بعد حرقها بنار الفكر، قطعة واحدة فقط، لها ملامح يد، وبقيّة مرونة، تحاول أن تقرّر ما تفعل بما حولها من طين أو فخّار يابس قديم.’ ‘ ‘لا بدّ، في طور التشكّل العنيد، أن يعرف الطينيُّ الحبرَ، وأن يخلِط بمادّته الحرف. لا يكون الحرف عندها محض حرف، أبداً. يصبح أساساً في مصير الطين والفخّار. بلغة أقلّ مجازاً، لا تكون القراءة فعلاً غيرَ ذاتيّ، بل غير شخصيّ أو غير مصيريّ، مهما كان معنى الحروف ‘موضوعيّاً’ بعيداً عن الشعر، ولو كانت من مثل ‘كتاب الحروف’ للفارابي. لذلك لا يكون ممكناً، أمام الحروف في طور التشكّل، أن يفكّر الطين بشيء واحد فقط، أو أن لا يحَيد فكرُه، بين كلّ سطر وسطر، عن قصد المؤلّف. ليس ابن آدم محض عقل، وليست الحقيقة وحدها غايته. بعض طينه غير المجازيّ أصبح لحماً ودماً يختلط مع المجاز: الأعصاب، والأفكار، والخواطر، والمشاعر. والنتيجة أنّه لا يحتاج أن يعرف فقط، بل يحتاج مهما تفرَّد أن يعرف ماذا يفعل: أين يكون، وماذا يفعل، ومع من، ولماذا، وإلى متى، وكيف، وهل سيستطيع، وما ثمن كلّ ذلك. ابن آدم من طين، لا من نار، لذلك هو أبداً أضعف من أن يصبر على الحقيقة وأسبابها وأثمانها، وأن يتعجرف من أجلها كما ينبغي أمام الجواب الخاطئ المريح، فهو على الأقلّ جواب، وقد يحدث كثيراً أنّ الروح ‘يتعبها الطين’، فتريد لنفسها والعالم أن يجفّا وييبسا كفخّار له ‘جسم’: شكل، ومعنى، وحدود. ما الذي إذن يفسّر كيف يقفز من أساسه قطعة صلصال عنيدة أحرقت بنار الرويّة وتتقن فنّ التساؤل، كالغزالي وديكارت على سبيل المثال كيف يقفز من أقصى المقولات المدافعة عن الشكّ إلى أقصى مقولات اليقين؟ حين يقف الحرف، مقروءاً أو مكتوباً، بين الإنسان والعالم، لا يعود محض حرف، بل فرشاة في يد فخّارية عنيدة لكنّها في النهاية من طين، تحاول أن ترسم باقتدار ملامح الاثنين والحدود بينهما، وإن كانت غالباً تتعب، فتتعجّل، فترسم أشكالاً أقلّ مّما تستطيع وتمضي. النتيجة: جمال متوسّط، وحقّ ناقص عن الممكن، وخطأ ‘جسيم’. لا يعود الحرف حرفاً. هذا ما حدث حين وجد طين عنيد نفسه أمام صفحات من ‘كتاب الحدود’ لجابر بن حيّان، يقلّبها بيد شغوفة من فخّار. تعصف الأفكار: ‘اعلم أن الغرض بالحدّ هو الإحاطة بجوهر المحدود على الحقيقة حتى لا يخرج منه ما هو فيه، ولا يدخل فيه ما ليس منه […] [لذلك] قيل في الحدّ أنّه لا يحتمل الزيادة والنقصان؛ وأنّ الزيادة فيه نقصان من المحدود، والنقصان منه زيادة في المحدود.’ أوّل الأفكار: المقصود. المراجع التي تختصر الطريق إلى فهم المفهوم وتاريخ المفهوم اللغويّ والاصطلاحيّ متوفّرة وكثيرة. الحدّ: الفصل بين الشيئين/ المنع/ حدود الله/ عقوبات الشرع/ الطرف والنهاية. اشتقاقات لا تنتهي: الحداد/ الحدّة والاحتداد بمعنى الغضب. عند النحاة هو قول دال على معنى الاسم. عند الفلاسفة، الحدّ أرسطيّ الأصل، قريب من التعريف، أو نظيره، والأخير أحياناً أشمل، وقد يكون الأول تامّا أو ناقصاً. يصور ماهيّة الشيء، يعبّر عن جوهره وذاته (ابن سينا) ويميزه عن جميع ما عداه، وبين الذاتيات والعرضيات فيه. المثال المكرّر: الإنسان حيوان عاقل.
ثاني الأفكار: غيظ وخوف ونوستالجيا. كم جميل فخّار جابر. خمسة وتسعون عاماً وثلاثة آلاف مخطوطة. ومثله من الأشكال الجميلة كثير. في طور التشكّل لا بدّ من فهم كلّ الأشكال قبل الانتقاء والاختيار. وكم يحتاج الاكتمال إلى أعمار. لكنّ جابراً لم يكن ناقصاً: لاسمه حدّ، ومعنى، والكثير مما قد يضاف إلى ‘حيوان عاقل’. ربّما لأنّه كان لا يتجاوز ‘الحدّ’ الضروريّ من العناد في سبيل التشكّل، مهما أتعبه الحيوان فيه والطين. ثالث الأفكار. تأويل بعيد، ومجاز جديد، مادّته لغةُ المفهوم ومجازه الميّت القديم. إذا كان حدّ الإنسان هو أنّه حيوان عاقل، فما حدّ إنسان واحد، له اسم؟ ما الذي يعبّر عن جوهره وذاته ويميّزه عن جميع (من) عداه؟ كيف يعرفُ الذاتيّ من العرضيّ فيه؟ ما ‘الحدود’ التي لا ينبغي له تجاوزها، قولاً وفعلاً، كي لا يخرج عن إطار حدّه الذي يعتقد أنه يحيط بجوهره على الحقيقة؟ كيف يعرف ويتأكد تماما ممّا ‘فيه’ و’منه’ كي يحذر من أن يخرج منه ‘ما هو فيه’ أو يدخل فيه ‘ما ليس منه’؟ أين حدود الزيادة والنقصان التي تهدّد الحقّ والجمال الممكنين للصلصال؟ أيّ طرف أو نهاية ينبغي أن ‘يمنع’ الطين نفسه من الاقتراب منها، وأن يحتدّ فيقيم عندها عليها الحدّ، مقتنعاً بأنّ رغبته في الاقتراب منها، وصفاته عندها، كانت عرضيّة لا ذاتية؟ لماذا لا بدّ له من حدّ أصلاً؟ وإذا كان الجنس الوحيد الذي له صفة اليقين فيه هو الفكر الذي به يرسم الحدود، فكيف ينجو من حقيقة أنّ الفكر نفسه يسمح بأن يعاد ترسيم هذه الحدود باستمرار، وأن يبتعد بها، باسم ‘التجربة’ – وهي تفيد الفكر بلا شك- إلى أطراف تكاد تُدخل إلى الحدّ ما يناقض الجوهر بل ينقضه؟ متى يلعن الطين العرض حين يزاحم الجوهر، ويعلن رفضه المطلق لنسبيّة الحقيقة والجمال، ويعود فيأنس بأفلاطون أكثر من دريدا، حتى إن كان الأمر متعلّقاً بشيء نسبيّ الحدّ والتعريف أبداً كالذات ذات الفرد الواحد؟ ما المهم حقّا في مثل هذا الحدّ كي يستوجب الدفاع عنه أحياناً دفاعاً باسلاً كأنمّا بـ’حدّ’ السيف؟
لماذا لا بدّ من حدّ كهذا أصلاً؟ ربّما لأنّ به يقترب الإنسان من حدّه الأعمّ كإنسان: حيوان عاقل، فيتميّز عن سواه من الحيوانات بمقدار درجة ‘العاقل’ فيه. سبب جميل، لكنّه ليس صادقاً بالضرورة. إذ ما لهذا يؤلم حقّا تخلخل الحدّ، فخسارة الإنسانيّة أو النفس أو الهويّة و’التنازل’ عنها وغير ذلك مّما حفظه عن ظهر قلب ذلك الراغب في التشكل والتفرّد، غدت مقولات مكرّرة أصبح يظن أنّها كلّها منه، ويكاد معها يستحيل إلى محض وعاء فخّاريّ يقبل أن تُملى عليه مقولات سريعة منقولة عن ضرورة التعقل فتنسف جوهر هذا الأخير، الذي من شروطه الصبر، والبطء، والاعتناء بالحرف، كما هي شروط أيّ تشكّل جميل.
البطء. هنا ربّما مصدر الألم الزمن. عمر ‘محدودٌ’ غير معلوم لا يكاد يتّسع لشيء. لو كان أطول، لكان ممكناً ربّما اللعب بالحدود، والهجرة إلى أماكن بعيدة خلفها، وجمع أجمل التراب للصلصال، وخطّ الشكل ثمّ محوه مرّات عديدة إلى أن يكتمل ولو قليلاً. لكنّ الأمر ليس بهذه البساطة ولو طال الزمن… بسبب الطين. لا شيء يضمن له إن تجرّأ على السفر أن يعود سالماً، أو أن يبقى فيه ما يكفي للتشكّل أصلاً، مادّة وطاقة وزمناً. وقد يكون منه خارج الحدود ما يعلن الحداد على حدّه القديم. لا يبدو أنّ أيّ شيء في السفر يستحقّ هذا العدم؛ يستحقّ أن يصبح من أجله وعاءً مَن طينُه معجون بالسؤال، ويعرف تماماً وجع البحث عن الشكل والحدّ.
يقول جابر في مقدّمة ‘الحدود’: ‘الحمد لله الذي لا يُحدُّ بحَدّ، ولا يوصف بمعنى ذي وصف ولا يجري عليه صفات المخلوقين.’ ليس الإنسان إلهاً كي يحتمل أن يستغني عن الحدّ. ‘لا تقترب، يا ابن آدم، من حدود الله’: مِن حدود ما لا يلزمه حدّ، فابن آدم من حمأ مسنون، ويكفيه قليل من أذى قابيل كي يمحق ما فيه من فخّار وصلصال، حقيقة ومجازاً، لذا لا بدّ جدران وحدود، أو شبه حدود، تحيط بشيء من اليقين، أو ما أشبهه. وإن كان لا بدّ من الأخير فليكن أقرب إلى سبيل الحقّ؛ إلى الفكرة والحرف، علّ النقصان لا يشوب الحدّ الأثير كثيراً، والقباحة لا تشوب الشكل الأخير. تبقى معضلة ترسيم الحدود قائمة أبداً في طور التشكّل. المحدود أبداً خائف، ولا يكفّ عن السؤال. يستعين بالحرف فيجفّ بعض صلصاله وتهدأ صلصلة الجرس في رأسه إلى حين. يبقى يغريه ما خلف حدوده ويرعبه. يكتب ليطمئنّ أنّه لم يذهب بعد بعيداً جدّاً. طالما أنّه ما زال يصرّ على الحرف، بل يغرق في مجاز ‘الحدّ’ الجديد، فلا خوف ولا بأس كثيراً ربّما – على صلصاله الحزين. كاتبة من الاماراتث