الحراك الجزائري بين رواية تبون الرافضة وشروط كورونا المقيدة ومطالب الشارع غير المنجزة

ابراهيم درويش
حجم الخط
1

منذ الإطاحة بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة في العام الماضي وبعد ربيع جزائري متأخر، خفت “الحراك” وتمترست النخبة العسكرية والسياسية التي ظلت تمارس التأثير في البلاد منذ عقود، وهو نفس ما حدث في السودان التي أعلن جنرالاتها عن التطبيع مع إسرائيل وقبلها مصر. وتكرر السيناريو في لبنان حيث بات سعد الحريري الذي أجبره المتظاهرون على الاستقالة العام الماضي مكلفا بتشكيل الحكومة.

 وفي الحالة الجزائرية فقد توقف الحراك الذي ظل يخرج إلى الشوارع في كل أسبوع حتى أجبر على البقاء في البيت بسبب كوفيد-19. وهو ما دعا الرئيس عبد المجيد تبون للتساؤل عن مصيره وقال إنه لم يعد موجودا. وفي مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز”(6/10/2020) قدم تبون رواية مختلفة عن رواية الشارع. وهي أن حركة التظاهر لم تعد قائمة وأن البلاد تسير نحو الديمقراطية وتفتح فصلا جديدا في تاريخها. وهذا بخلاف ما يقوله الشارع وهو أن البلاد تتراجع للوراء وبسرعة.

 وفي الوقت الذي يتحدث فيه تبون عن “النموذج الجديد” و “البلد الجديد والاقتصاد الجديد” لم يتخل ابن المؤسسة التي خدمها في عهد بوتفليقة عن عاداته القديمة التي لا تموت بسهولة كعادة تدخينه الشرهة. وهو إن أصر على أن النظام الفاسد قد ولى بلا رجعة إلا أن الوقائع على الأرض تؤكد عكس ذلك، فالدولة تعتقل المعارضين ويشترى المرشحون مقاعدهم البرلمانية بحوالي 540.000 دينار للمقعد وهو نفسه الذي صادق على الرئيس الحالي.

لا أمل

وتقول الصحيفة إن الآمال ببداية جديدة ومستقبل ديمقراطي تتلاشى وسط غياب في القيادة وعجز المعارضة عن تقديم بديل للرؤية التي يقدمها النظام القديم. ولهذا السبب تعيش الجزائر توزعا بين رؤية من فوق يمثلها تبون وأخرى من تحت يمثلها الشارع. وكان فشل الحراك في التجمع حول قادة سببا في عودة الحرس القديم الذين قاموا بانتهاز الفراغ وعززوا قوتهم خاصة أن الجيش والقوى الأمنية بيدهم. ولم يكن الجيش ليتخلى عن صدارته في الحياة السياسية التي يتسيدها منذ استقلال الجزائر عن فرنسا قبل 58 عاما، ولهذا رمى ثقله وانتهز الجيش الذي كان يقوده أحمد قايد صالح قبل وفاته في كانون الأول/ديسمبر الفرصة ودفع باتجاه الانتخابات التي رآها الحراك متعجلة ولن تؤدي للتغيير المطلوب، وهو رحيل المؤسسة القديمة. ويعتقد أن قايد صالح دعم تبون الذي عمل رئيسا للوزراء في عهد بوتفليقة في حملته الانتخابية.

وفي الوقت الذي قللت فيه المعارضة من شرعية الإنتخابات التي قالت إن نسبة المشاركين فيها لم تتجاوز 10 في المئة، يؤكد تبون أن نسبة المشاركة فيها زادت عن 40 في المئة. وبدأ تبون عهده بعدد من اللفتات للتعبير عن حسن نيته من خلال الإفراج عن عدد من المعتقلين. ولأن كوفيد-19 أجبر المحتجين على البقاء في بيوتهم فقد واصلت الحكومة ملاحقتهم مثل لعبة القط والفأر، أي الإفراج عن بعضهم واعتقال البقية. ومنح وباء كورونا الدولة الفرصة لتشديد الرقابة على الحدود ومنع القادمين من الخارج بشكل قلل عدد الإصابات. إلا أن اعتقال الصحافي خالد درارني، 40 عاما أدى لتعكير المزاج في الشوارع ونشر الخوف في داخل الإعلام الجزائري، خاصة أن درارني محرر لموقع “قصبة تربيون” بالإضافة إلى عمله كمراسل لقناة فرنسية. وكان درارني يمثل مزيجا من الناشط والصحافي. وجاء اعتقاله لأنه كتب أثناء الانتفاضة: “يجدد النظام نفسه باستمرار ويأبى التغير” و “نطالب بحرية الإعلام فيردون بالفساد والمال”. وأثارت تعليقاته غضب المؤسسة التي أمرت باعتقاله في 15 أيلول/سبتمبر واتهم بتهديد الوحدة الوطنية وحكم عليه بالسجن لعامين. وقلل الرئيس تبون من أهمية درارني قائلا إنه لم يكن يحمل حتى بطاقة صحافية، مع أن درارني قابله وكذا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

هل بقي شيء من الحراك؟

ويؤكد تبون على روايته عن وضع الجزائر وهي أن البلد “حر وديمقراطي” وكدليل سمح لوزرائه وقادة الجيش بالحديث مع مراسل صحيفة “نيويورك تايمز”. والرئيس تبون متيقن من شيء واحد وهو أن حركة الاحتجاج قد انتهت وتساءل “هل بقي شيء من الحراك؟”. ورغم حديثه عن التغيير والدستور الجديد إلا أنه لم يتخل عن اللغة التي استخدمها المستبدون في تعاملهم مع المعارضين لهم “كل شخص لديه الحق في حرية التعبير ولكن بطريقة منظمة” و “من الطبيعي أن ينتهي أي شخص يهين ويهاجم رموز الدولة أمام المحكمة”.

وهذه هي اللغة التي تخيف المواطن العادي والمعارضة على حد سواء، فهم لا يصدقون الوعود التي يقدمها الحرس القديم. وتظل الانتفاضة الجزائرية معلقة، بسبب كورونا وبسبب ما تواجه من قمع الدولة.

موت طبيعي أم سريري؟

وهذا يستدعي سؤالا، هل انتهى الحراك ووصل لنهايته الطبيعية؟ يجيب عبد شريف في موقع “ميدل إيست آي” (23/10/2020) قائلا إن دورة الحياة للحراك قد وصلت للنهاية، وربما ظل الحراك، الحركة التي أجبرت بوتفليقة على التخلي عن السلطة قائما كفكرة أو مصدر إلهام سياسي في العقود المقبلة. ولكن الحراك كفكرة عملية انتهى دوره وأصبح شيئا من الماضي. وهذا لا يستدعي التسليم أو التوقف عن العمل بل على الحراك وناشطيه النظر في الدروس التي تم تعلمها والتكيف مع المشهد السياسي الجديد للبلاد والبحث في رؤى جديدة ووسائل للعمل. ويعتقد الكاتب أن أهم إنجاز “لثورة الابتسامات” لم يكن الإطاحة بالنظام العاجز لبوتفليقة بل وتركيع النخبة السابقة التي وضع بعض عناصرها في السجن وهو إنجاز تم بدون عنف ولم يكن متخيلا بالمطلق. وهذا وحده يجعل الحراك حجر أساس في التاريخ الجزائري الحديث. والكاتب عندما يتحدث عن نهاية الحراك الطبيعية لا يقلل من أهميته التاريخية أو ينظر إليه كفشل بل على العكس. فهذه حتمية تاريخية للحراك تماما كما حدث مع حركة التحرير الوطني التي قادت حرب التحرير عام 1954 ضد الاستعمار الفرنسي وانتهى دورها بهزيمته وتحقيق الاستقلال. ومع أن الحركة برموزها الثلاثة “فلان” عبرت في مراحلها عن الهوية الجزائرية إلا أن الوهج الذي مثلته للجزائريين والعالم بهت عندما أصبحت مرادفا للشمولية. ووصلت الحركة مرحلتها الأخيرة في عهد الشاذلي بن جديد الذي كان يقود حزبا أو حركة تريد التغيير ولكنها لا تعرف كيف تنجزه. ومع الصعود والانهيار لحركة التحرير الوطني حصل على مدى عقود حيث أصبحت جزءا من النظام الذي أقام جيشا وحكومة إلا أن الحراك ولد ضمن صيرورة تاريخية مختلفة وشروط استثنائية ولم يعمر إلا عدة أشهر، وبدأ في 22 شباط/فبراير 2019 عندما خرج الملايين من الجزائريين الذين انتفضوا ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة، والذي اعتبروه إهانة لهم. وكان خروجهم شجبا للمؤسسة الحاكمة والمعارضة التقليدية لها. ولأول مرة منذ الاستقلال خرج الملايين يطالبون بالحرية والعدالة والكرامة وقالوا “كفى كفي”. وكان الحراك تعبيرا عن الغالبية الجزائرية الصامتة بكل أطيافها سواء كانت إسلامية أو يسارية، تقدمية، محافظة وعلمانية. وأمام هذه الهبة الشعبية اضطر الجيش للتحرك وإحداث تغييرات قادت في النهاية إلى التخلص من بوتفليقة ووضع عبد القادر بن صالح كرئيس انتقالي. لم تعجب التحركات التي قام بها الجيش الجهات التي باتت تتحدث باسم الحراك أو تلك التي رمت بثقلها خلفه بعدما اكتشفت انها ستخسر من رحيل بوتفليقة. وحاولوا والحالة هذه تحدي النظام الذي أقامه قائد الجيش أحمد قايد صالح. ونظرا لتغير طبيعة الحراك فقد قوته التي استلهمها من الشعب. ولهذا السبب لم يعد الناس يخرجون إلى الشوارع بالملايين بل وبعشرات الآلاف. وبدا العزوف عن المشاركة واضحا في المناطق الريفية. وتوقف الحراك مع الانتخابات الرئاسية في كانون الأول/ديسمبر ثم وصول كوفيد-19. وانتهى بيد مجموعة من الناشطين الذين حاولوا تحدي النخبة الحاكمة في ظل بوتفليقة لكنهم لم يستطيعوا مواجهة التيار. والسؤال هنا عن السبب الذي يدفع البعض للحفاظ على زخم الحراك؟ والجواب أنه يمنحهم شرعية. وبالنسبة للآخرين فالأمر نابع من عدم قدرتهم على تطوير رؤية طويلة الأمد. وهناك قطاع لا يزال يؤمن بفشل الجزائر في انتهاز فرصة التغيير التي وفرتها حركة الشارع. ولكن المشكلة نابعة أصلا من عدم قدرة البلاد على تشكيل مستقبل سياسي مختلف، مشروع متماسك يمكن تقديمه والعمل عليه. وهذا يحتاج إلى تفكير ومشاورة وتنازلات من كل الأطراف، وهي مميزات غير موجودة في الحياة السياسية الجزائرية. وعلى العموم فمن الباكر الحكم على أثر الحراك من خلال المقاربات التاريخية التي مرت على الجزائر الحديث مع أنها تساعد في إلقاء الضوء على سبب فشل الحراك الشعبي في التخلص من النخب الحاكمة. فما يصدق على حراك الجزائر يصدق على الانتفاضات الأخرى التي طالبت بالتغيير في العقد الأخير. وكلها انتفاضات انتهت إما بحروب أهلية أو انظمة قمعية أسوأ من التي رحلت. ولا بد من النظر إلى العوامل الاقتصادية التي أدت إلى هذه الثورات، كما في السودان التي بدأت بمطالب توفير الخبز ثم انتهت بتغيير النظام قبل أن يسبق العسكر المتظاهرين ويعيد إخراج نفسه واختطاف الثورة “المجيدة”. ويمكن النظر للحراك في الجزائر على أنه مشروع غير منجز وقابل للتمظهر من جديد طالما لم تعالج الأسباب التي دعت إليه.

وباء كورونا وباء كامو

 وهذا واضح في جزائر اليوم حيث معدلات البطالة وتراجع مستويات الحياة وأزمة الاقتصاد الناجمة عن تراجع أسعار النفط والغاز وهو ما دعا تبون إلى القول إنه سيخفض الميزانية بنسبة 50 في المئة. ويتوقع تراجع الاحتياطي الأجنبي من 66 مليار العام الماضي إلى 40 مليار هذا العام فيما توقع صندوق النقد الدولي انكماشا للاقتصاد بنسبة 5 في المئة والانهيار في البنى الصحية الذي كشف عنه الوباء. ففي جزائر اليوم هناك وحدة عناية فائقة لكل 100.000 شخص. وفي حالة فشل الحكومة مواجهة كل هذه العلل والأمراض فستجد نفسها أمام موجة غضب اجتماعية. ويقتضي هذا من الناشطين المضي أبعد من نقد الدولة أو المطالبة برحيل “السلطة” بل وتشكيل رؤية للمستقبل وبناء على علاقات مع منظمات المجتمع المدني والنقابات وحتى الأحزاب كما أشار تقرير في موقع “ذا هيل” (22/10/2020) وقارن بين وباء كورونا ووباء البير كامو. ففي رواية الأخير صور الوباء الذي أنهك مدينة وهران إلا أن وباء كورونا أصبح بالنسبة للجزائريين صيحة استيقاظ على عجز الدولة، رغم مسارعة الأخيرة لاستخدامه كمبرر للقمع والترهيب. في الأسبوع المقبل، هناك فرصة لامتحان قوة الشارع من خلال الاستفتاء على الدستور الجديد الذي يعزز من قوة رئيس الوزراء والبرلمان ويحدد فترة الرئيس، مع أن الكثيرين ينظرون إليه كمحاولة لإرضاء الشارع والحفاظ على مستوى القوة التقليدي في البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية