بيروت – «القدس العربي» : خرج اللبنانيون مجدداً الثلاثاء إلى الشوارع لليوم السادس على التوالي، غير آبهين بإجراءات اصلاحية جذرية اتخذتها الحكومة في محاولة لامتصاص نقمة المتظاهرين المصرّين على التمسك بمطلب رحيل الطبقة السياسية بأكملها. وتصاعدت الدعوات من المتظاهرين إلى المترددين من اللبنانيين للنزول معهم إلى الشوارع دعماً للثورة ولإسقاط الحكومة والنظام الطائفي وسط حديث وتساؤلات حول ما اذا بدأنا نشهد هل بدأنا نشهد تشكل قادة للحراك الشعبي اللبناني بعد تنظّيمه صفوفه؟
الطرقات أمس بقيت مقفلة من الجنوب إلى الشمال مروراً ببيروت والجبل والبقاع . وكانت القوى الامنية حاولت بناء على طلب السلطة فتح الطرقات مع ساعات الفجر الاولى ما تسبّب بوقوع اشكالات مع المعتصمين خصوصاً في محلة الشيفروليه القريبة من القصر الجمهوري وفي محلة الدورة حيث أصرّ المتظاهرون على الاستمرار بقطع الطريق واحترام حقهم في التعبير السلمي، موجّهين تحية إلى قائد الجيش العماد جوزف عون داعين إياه لحمايتهم المواطنين، وانشدوا النشيد الوطني ورفعوا الصلوات وفتحوا الطريق لآليات الجيش اللبناني والصليب الاحمر، كذلك وقع اشكال بين الشرطة والمعتصمين في النبطية.
وتوافد عدد من المحتجين إلى أمام مصرف لبنان، احتجاجاً على «الهندسة المالية للمصرف، والسياسات الاقتصادية الخاطئة في لبنان». واعتبروا «ان الورقة الاقتصادية الاصلاحية التي قدمها مجلس الوزراء غير كافية لأنها لم ترفع السرية المصرفية عن الوزراء والنواب». واللافت هو ما كُشف عن اتصال أجراه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون برئيس مجلس ادارة محطة MTV ميشال المر لوقف النقل المباشر للتظاهرات وعن اقالة مديرة الوكالة الوطنية للاعلام لور سليمان صعب القريبة من فريق 14 آذار وتعيين بديل عنها قريب من التيار الوطني الحر.
هل بدأنا نشهد تشكل قيادة للحراك الشعبي بعد تنظيم صفوفه؟
ومن ضمن محاولات إضعاف التحرك الشعبي، جاء قرار وزير التربية أكرم شهيّب فتح المدارس اليوم الاربعاء والذي قوبل بغضب من الطلاب والمتظاهرين الذين رفضوا هذا القرار الذي لن تلتزم به المدارس والجامعات الكاثوليكية. ورأى متظاهرون أن الهدف من قرار شهيّب هو إضعاف الحشد في التظاهرات وتوعّدوا بالتظاهر امام وزارة التربية اليوم.
نبض الشارع
وبعد التقليل من أهمية التظاهرات نظراً لغياب قيادة واضحة للثورة، بدا أن المتظاهرين نظّموا صفوفهم وشكّلوا «هيئة تنسيق الثورة» مؤلفة من التنظيمات والحركات المشاركة وتلا العميد المتقاعد جورج نادر بياناً شدّد «على استقالة الحكومة فوراً وتشكيل حكومة من خارج المنظومة الحاكمة هدفها استرداد الاموال المنهوبة من قبل كل من تولى السلطة منذ سنة 1990 لغاية اليوم ومحاسبتهم ومنعهم من مغادرة البلاد وتبنّي ما ورد في بيان القضاة ومعالجة الملفات الحياتية وإجراء انتخابات نيابية مبكرة وفقاً لنظام انتخابي جديد في مهلة 6 أشهر، وتطلب الاستمرار في التظاهر والاحتجاجات حتى تحقيق المطالب»، وطلب الهيئة «من القوات المسلحة وعلى رأسها الجيش اللبناني حماية المتظاهرين في المناطق كافة «.
من جهة أخرى قال المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش بعد اجتماع رئيس الحكومة سعد الحريري بعد ظهر الثلاثاء بمجموعة الدعم الدولية للبنان، إن المجموعة تحث الجهات السياسية في لبنان للاستماع إلى مطالب المواطنين الشرعية. المجموعة التي نصحت الحكومة اللبنانية بالإنصات إلى مطالب ونبض الشارع والاحتجاجات تضم المجموعة سفراء الولايات المتحدة أليزابيث ريتشارد، وروسيا ألكسندر زاسبيكين، وفرنسا برونو فوشيه، وبريطانيا كريس رامبلينج، وألمانيا جورج برجيلين، وإيطاليا ماسيمو ماروتي، والاتحاد الأوروبي رالف طراف، القائم بالأعمال الصيني جيانج زويانج، المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش وممثل جامعة الدول العربية السفير عبد الرحمن الصلح، في حضور الوزير السابق الدكتور غطاس خوري، حسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي للرئيس الحريري. واحتشد أمس الآلاف من اللبنانيين في الشوارع في مختلف المناطق منذ الصباح وعملوا على قطع الطرق الرئيسية في وقت مبكر، فيما حاولت وحدات الجيش اللبناني التفاوض مع المتظاهرين لاقناعهم بفتح الطرق.
وأمام مصرف لبنان المركزي في بيروت، تجمّع عشرات من المتظاهرين مرددين شعارات «يسقط يسقط حكم المصرف»احتجاجاً على «السياسات المالية» المتبعة في البلاد. ويعتبر هؤلاء أن القطاع المصرفي، الذي يعود له الجزء الأكبر من ديون الدولة، شريك في إفقار اللبنانيين. وأبقت المصارف والجامعات وغالبية المدارس أبوابها مغلقة مع تعذّر الوصول إليها جراء قطع الطرق.
ويلفت المحلل الاقتصادي في مجموعة الأزمات الدولية هيكو فيمن إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة «عبارة عن تدابير تقنية قد تحسن الوضع المالي في البلاد، ولكنها لا ترقى إلى مستوى التحدي الذي يفرضه المحتجون».
ويقول حسين من وسط بيروت حيث ارتفعت أعداد المتظاهرين تدريجياً خلال ساعات النهار «النواب والوزراء سارقون وحاكم مصرف لبنان يغطي عليهم» مضيفاً «ثمة صبايا وشباب يدرسون في الجامعات ويمكنهم أن يتولوا المسؤولية في البرلمان والحكومة». وعلى بعد أمتار منه، يوضح المهندس المعماري شربل أبو جودة «نحن هنا لنعمل على أن نحافظ على الحراك ولكي لا يذهب سدى» مضيفاً «من المفروض أن تتنحى هذه الحكومة وتترك مجالاً لحكومة أخرى».
وعلى غرار متظاهرين كثر، يرى هذا الشاب أن «لدى اللبنانيين طاقات استثنائية» تمكنهم من قيادة البلاد في المرحلة المقبلة. ويتحدث الأستاذ في العلوم السياسية كريم المفتي لوكالة فرانس برس عن «كباش» حالياً بين الشارع والسلطة. ويقول «بعد سماع ردود الفعل الأولى، يبدو أن الشارع لم يبتلع الطعم». ويعتبر أنه كان حريّاً بالحكومة أن تبادر بالإضافة إلى التدابير الاقتصادية العاجلة، لاتخاذ «إجراءات أكثر جذرية»، تقنع اللبنانيين الذين يطالبون بإصلاح شامل للنظام.
منحى تصاعدي
واتخذت التحرّكات منحى تصاعدياً منذ الخميس مع ازدياد أعداد المتظاهرين تباعاً، في تحرك شلّ البلد وأغلق مؤسساته كافة. ويحمل المتظاهرون على الطبقة السياسية لسوء إدارتها شؤون البلاد وفسادها وعجزها عن إيجاد حلول لمشاكل متفاقمة منذ عقود.وشكل سعي الحكومة لفرض رسم مالي على الاتصالات المجانية عبر تطبيقات الهاتف الخلوي الشرارة التي أطلقت هذه التحركات الغاضبة، إذ لم يعد بإمكان المواطنين تحمل غلاء المعيشة والبطالة وسوء الخدمات العامة.
ويصرّ المتظاهرون على مطلب رحيل الطبقة السياسية كاملة، في وقت لا يبدو واضحاً أفق استمرار تحركاتهم ومدى قدرتهم على الاستمرار في شلّ البلد ومؤسساته. ويقول المفتي «دعا الرأي العام نفسه إلى مائدة الكبار، ويعتزم البقاء هناك».إلا أن الحراك يفتقر في هذه المرحلة حسب المفتي إلى شخصيات قادرة على تمثيله والبحث عن بديل سياسي في ظل وضع اقتصادي وسياسي دقيق. ويتساءل «إذا كانت الحكومة والبرلمان والرئيس لا يمثلون الشارع، فما البديل؟» محذراً في الوقت نفسه من أن «الفراغ ليس خياراً».