الحرب الأهلية السورية أنتجت جيلا من المراسلين غير المتفرغين ملأوا فراغ الإعلاميين المحترفين سوريا أخطر منطقة في العالم على حياة الصحافيين… عشرات قتلوا والمختطفون والمختفون أكثر

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’: أصبحت سوريا ومنذ الإنتفاضة التي اندلعت فيها عام 2011 من أخطر بقاع الأرض على الصحافيين، وقتل فيها أكثر من 60 صحافيا فيما اختطف الكثيرون منهم وتحولوا إلى بيادق في الحرب الدائرة بين الطرفين.
وهذه هي الأرقام التي نشرتها اللجنة الدولية لحماية الصحافيين، وما هو غائب عن هذه الإحصائيات هو العدد الكبير من الصحافيين الهواة أو غير المتفرغين الذين إما قتلوا أو اختطفوا أو اختفوا بدون أثر لهم.
والملاحظ أن الحرب السورية أنتجت جيلا من الصحافيين يختلف عن الصحافيين المحترفين العاملين في الصحف والقنوات التلفازية العالمية، فبسبب القيود التي تضعها الحكومة السورية على عمل الصحافيين وتحركاتهم التي لا تتم بدون مرافقين من الحكومة وعادة ما يكونوا مخبرين، عزفت الصحافة العالمية عن إرسال مراسيلها إلى سوريا واعتمدت على معلومات وتقارير وأشرطة الفيديو التي تنتجها المعارضة في مناطقها أو المراسلين الذين يدخلون المناطق بمعونة سوريين يعرفون المناطق.

جيل الفري لانس

ونتيجة لهذا الوضع ولد جيل من الصحافيين السوريين ‘الهواة’ الذين استفادوا من حاجة وتعطش الإعلام الغربي والخارجي للأخبار عن الثورة السورية، وجيل آخر من الصحافيين غير المتفرغين ‘فري لانس’ وهؤلاء هم خليط من المغامرين الذين لم يكتب أحدهم لوسيلة إعلامية من قبل ومن المصورين الباحثين عن الحقيقة أو الجنود المتقاعدين عن الحرب ممن استهوتهم المنطقة العربية.
وكان ‘الصحافيون’ الأجانب في بداية عسكرة الإنتفاضة محل ترحيب من فصائل المعارضة السورية التي وفرت لهم المرور الآمن والسكن ووسائل الإتصال لكن مع مرور الوقت وانقسام المعارضة المسلحة على نفسها أصبح الصحافيون الغربيون صيدا ثمينا للجماعات الإجرامية من الشبيحة والباحثين عن فوائد مالية، وجماعات متشددة أخرى استغلت الفوضى في البلاد لتحقيق مكاسب خاصة بها.
وفي تقرير مطول كتبه جيمس هاركين وهو واحد من الصحافيين غير المتفرغين وسينشر في العدد المقبل من المجلة الأمريكية ‘فانيتي فير’ ألقى الضوء على وضع الصحافيين الهواة وغير المتفرغين في سوريا. والمقال مخصص للحديث في جزء منه عن صديقين له عملا معا في سوريا وهما الأمريكيين أوستين تايس وجيم فولي اللذين اختفيا دون أثر عام 2012.

‘أوستين تايس’

ويشير تقرير هاركين إلى أنه وبعد مقتل الصحافية الأمريكية ماري غولفين في أثناء قصف الجيش السوري على مدينة حمص في شباط/فبراير 2012 قررت معظم المؤسسات الإعلامية الغربية سحب صحافييها من سوريا.
وفتح هذا المجال أمام جيل من الهواة الصحافيين الذين دخل بعضهم سوريا محملا بمفكرة، هاتف نقال، كاميرا أو دليل سوري، يعتمدون على أنفسهم ودون تأمين على حياتهم وما يتلقونه من أجر مثير للضحك، وعدد قليل منهم كانوا مجانين نرجسيين يبحثون، وآخرون كانوا سياحا في محاور الحرب ولكن الأعم الأغلب منهم كانوا من الباحثين عن الأخبار وجادين في الحصول عليها.
وبحسب بعض التقديرات فغالبية الصحافيين العاملين في سوريا هم غير متفرغين، ولا يتبعون جهة إعلامية غير أنفسهم.
وقصة أوستين تايس واحدة من قصص الصحافيين الهواة الذين انجذبوا لسوريا فقد كان جنديا في وحدات المارينز الأمريكي وخدم في العراق وأفغانستان. وعاد للمنطقة ليبدأ حياة عملية جديدة لا خبرة له فيها، ولم يكن هذا مهما، فرغم أن تايس لم يكتب في حياته لصحيفة إلا أنه دخل سوريا تهريبا وبمعونة سوري- أمريكي اسمه محمود حيث أثبت أوستن أنه كاتب جيد، وأخذ يكتب بجنون عن مجريات الوضع السوري عبر التويتر وغيرها من وسائل التواصل الإجتماعي، وعاش مع الجماعات المسلحة التي وضعته واحدة بعد الأخرى تحت الإقامة الجبرية خوفا على حياته وانتقاداته لممارسات بعض الفصائل. ويقول هاركين ‘من بين العصابة الصغيرة من الصحافيين في سوريا، فكل واحد يتعرف بسرعة على الآخر’ إما عن طريق السوريين أو بالصدفة، ويشير هنا إلى كل من المجري بالينت سزالانكو والكوسوفي الألباني فيدات خميشتي، وجيم فولي مصور الفيديو المجرب والذي عمل في ليبيا. والتقى الأخير مع أوستين قرب حمص حيث قضيا الليل وهما يتحدثان عن كل شيء. كان أوستين ينتقد عدم نضج مقاتلي الجيش الحر، فيما حاول فولي تهدئته وتحذيره من المخاطر.
وتعرض الأربعة للإختطاف، سزالانكو يعتقد أنه اختطف من قبل جهاز أمني تابع لجماعة مسلحة، أما خمشيتي فقد اختطف مرتين من جماعات إسلامية متطرفة، وفي كل مرة اختطفوا كان يطلق سراحهم خلال 24 ساعة لكن فولي لم يكن محظوظا حيث اختطف في طريق عودته إلى تركيا من سوريا حيث توقف في بلدة بنش في محافظة إدلب ودخل مقهى للإنترنت وقضى فيه بعض الوقت قبل أن يوقف سيارة لتأخذه نحو الحدود لكنه اختفى منذئذ ولم يسمع عنه أي خبر.

أين فولي؟

ولا يعرف أين ذهب فولي مع أن السوريين في الجيش الحر يعتقدون أن جماعات الشبيحة قد اختطفته ونقلته إلى البلدة الشيعية الفوعا. وهو نفس السيناريو الذي تبنته ‘غلوبال بوست’ التي كان يعمل معها فولي، حيث توصلت وبناء على تحقيقات محقق أمني خاص استأجرته ودفعت له مبالغ كبيرة إلى أن فولي معتقل في سجن الأجانب في دمشق تديره المخابرات الجوية السيئة السمعة مع عدد من الغربيين وأمريكي آخر، من المحتمل أنه أوستين تايس. وبالإضافة لتايس وفوليه هناك أمريكيان آخران مختطفان في سوريا وإسبانيان وأربعة فرنسيين (أطلق سراحهم) واثنان من السويد وواحد من بريطانيا وآخر من الدانمارك، وبالمحصلة هناك أكثر من 30 صحافيا اختفوا في سوريا منذ الحرب.
وإذا أضفنا لهم عمال الإغاثة والمغامرين فإن العدد سيترفع. ويشير هاركين إلى معضلة العائلات التي اختطف أو اختفى أبناؤها حيث نصحت بعدم الخروج والتصريح والتزام الهدوء، لأن المخاطر في سوريا كبيرة، ويلاحظ كيف أن سوريا يعمل مع الإعلاميين الغربيين في حلب نصح هاركين عام 2013 بعدم القدوم إلى سورية ‘لا تأتي إلى حلب’ ظل يردد، وكان السوري قد خرج لتوه من سجن يديره الجهاديون.

رحلة اختطاف

وعادة ما يقوم الخاطفون بتغطية عيون المخطوفين وتقييد أيديهم من الخلف وإجبارهم على الدخول في سيارة حيث يجلس بين شخصين ولا يسمع سوى صرير عجلات السيارة وشعارات ‘الله، سوريا، الأسد’ وبعد فترة تمر وكأنها ساعات يدفع الرهينة من السيارة التي تدخل مطارا عسكريا، ثم ينقل إلى مروحية تطير به إلى دمشق حيث يتم وضع الرهينة في مجمع أمني.
هذا السيناريو في حالة كان الخاطفون من الموالين للنظام. وأحيانا يتم بيع الرهينة من جماعة شبيحة لأخرى، وفي حالة جيم فولي فقد سمح له بالمرور من القرية الموالية للنظام فوعا ليقع في يد جماعة أخرى. وحدث نفس الأمر لمراسل شبكة إن بي سي ريتشارد إينغل الذي اجتاز الحدود التركية إلى سوريا حيث اعتقلته جماعة موالية للنظام لمدة خمسة أيام.
وفي الفترة نفسها تم اعتقال الصحافي الألماني بيلي سيكس الذي كان يقود سيارة في ريف شمال سوريا حيث اعتقل على حاجز للجيش السوري، وزعمت السلطات السورية أنها لا تعرف عن اعتقاله شيئا حتى التقى مصادفة مع معتقل آخر وعرفت الحكومة الألمانية بمكان وجوده واستطاعت تأمين الإفراج عنه. وعلى افتراض بقاء أوستين تايس على الحياة فمكان اعتقاله سيكون في دمشق أو ما يعرف بمجمع الأوروبيين في سجن دمشق والذي يعتبر سجنا داخل سجن، وصمم لاحتجاز سجناء مثل اوستين. خاصة أن المعتقلين الأجانب يعتبرون صيدا لا يقدر بثمن بالنسبة للنظام وأجهزته الأمنية التي تتسابق فيما بينها على الحصول عليهم، وبحسب صحافي أوروبي اعتقل في بلدة الفوعا ‘هناك كم كبير من الأجهزة الأمنية التي تتسابق للحصول على موقع، ويمكنها استخدام السجناء كورقة ضغط فيما بينهم، وكذلك في التعامل مع العالم الخارجي’.
ويشير هاركين هنا إلى لعبة الدعاية وأفلام الفيديو في عمليات الإختطاف، فبعد شهر ونصف من اختفاء تايس ظهر شريط مدته 47 ثانية، وبدا أن الصحافي الأمريكي في قبضة جماعة إسلامية وليس النظام. وبعد مشاهدة الشريط اتصل هاركين بأحد مقاتلي الجيش الحر ممن التقاهم تايس عندما كان في انطاكية قبل دخوله سوريا للتحقق من صحة الشريط ورد المقاتل ‘الآن نعرف أنه في قبضة النظام’.
وقد يكون تايس أو جهاز كمبيوتره في يد النظام، لكن الكاتب يشكك في نظرية اعتقال فولي من بنش ونقله لفوعا ومنها إلى دمشق، فقد كان فولي يتحرك في مناطق يسيطر عليها المقاتلون من بنش إلى معبر باب الهوى ومنها إلى تركيا، واختياره لهذا الطريق كان من أجل تجنب المرور في مناطق النظام، وكل من تحدث إليهم الكاتب لم يظهر حماسا لنظرية اختطاف فولي ونقله لفوعا ومنها إلى دمشق، كما أنكر النظام أن تكون له علاقة باختفاء الصحافي. والسؤال هو من يقف وراء اختفائه؟
صيد ثمين

الجواب يكمن في طبيعة القوى اللاعبة في سوريا اليوم ومنها جماعات الشبيحة والموجودة على الساحة منذ 30 عاما والتي استغلت علاقاتها مع النظام ورعايته لها لتهريب ونقل البضائع عبر الحدود. ومع اندلاع الإنتفاضة تحول بعضها من العمل في تهريب البضائع لتهريب الأسلحة.
وبالنسبة للكثير من هذه العصابات فالإختطاف للحصول على الفدية هو طريقة حياة في سوريا، حيث تحولت صناعة الإختطاف إلى تجارة مزدهرة بسبب الحرب. ويشير إلى حادث اختطاف بول وود، مراسل هيئة الإذاعة البريطانية ‘بي بي سي’ الذي اعتقل في آذار/مارس 2013 مع ثلاثة من زملائه من قبل رجال مقنعين احتجزوا لعشرة أيام قبل أن يهربوا، وتبين لاحقا أن الخاطفين ما هم إلا عصابة اجرامية ترفع علم الجيش السوري الحر وتقيم علاقات مع جماعة إسلامية متطرفة.
وحالة اختطاف واستهداف الأجانب تتناقض مع الوضع في بداية الإنتفاضة حيث كان المقاتلون والثوار يقدمون الدعم والحماية للصحافيين الأجانب ويحمونهم بأرواحهم. فقد كان هناك اعتقاد من قيام الصحافيين بنقل الحقيقة ورسم الواقع الذي يدفع الغرب للتدخل ويدعم المقاتلين ضد بشار الأسد، وعندما لم يحدث هذا تحول الصحافيون إلى بضاعة للمقايضة بالمال. وينقل عن صانع الأفلام الفرنسي ماني الذي نال جائزة عن فيلمه الذي عمله عن المقاتلين قوله إن الصحافيين أصبحوا وسيلة لجمع المال ‘فالحرب تدور منذ 3 أعوام، والمصادر قليلة والجماعات المسلحة كانت بحاجة للمال’.
ويضرب هنا مثالا بما حدث لكل من الصحافي الإيطالي دومينكو أوريكو والمدرس البلجيكي بيير بسينين دا براتا اللذين اختطفا قرب بلدة القصير وسلما لزعيم جماعة مسلحة قوية ‘كتيبة الفاروق، وبقيا في الأسر مدة 5 أشهر ودفعت فدية كبيرة لتأمين الإفراج عنهما.
وفي لقاء مع شخص على الحدود التركية أخبر هاركين أن الفدية بلغت خمسة ملايين دولار، أربعة ملايين جاءت من الحكومة الإيطالية. بعدها بأسبوعين تمت خيانة أمريكي يدعى جوناثان البيري من قبل مرشده، وبعد ثلاثة أشهر أطلق سراحه بعد أن دفع أحد رجال الأعمال الموالين للنظام فدية 450.000 دولار للفصيل الذي قام باختطافه.
وبالنسبة لفولي أو أوستين لم يتم الحديث عن فدية، والسبب الوحيد وراء هذا الوضع هو أن الخاطفين يتعاملون معهما كجواسيس. وفي حالة تايس فقد كان واعيا للنظرة التي ينظر فيها إليه من عرفهم في أنطاكية، نظرا لتاريخه في الجيش الأمريكي. وفي تقاريره وتغريداته التي كان يرسلها عن حزنه من النظرة هذه.
ولا تنفصل ظاهرة الإختطاف عن مخاوف الجماعات المتطرفة التي يشكل جمع الأخبار المستقل تهديدا لها، حيث تزامنت ظاهرة ارتفاع حالات الإختطاف في شمال سوريا مع صعودها السريع والمفاجئ. ويشير هنا إلى الصحافية سوزان دابوس وكان خاطفوها ينتمون للدولة الإسلامية، حيث ظلت في الإعتقال مدة 11 يوما، وقال لهاركين إن خاطفيها دققوا في صورة التقطتها من كاميرتها وحذفوها. وهددها قائدهم لاحقا ‘سأقطع يديك حتى لا تستطيعي الكتابة’.
وفي محاولته للبحث عن مصير فولي قابل هاركين مقاتلين وصحافيين في أنطاكية التي تحولت كمركز للمقاتلين وداعميهم من الخارج، وتجمع للصحافيين وكل من يريد أن يعرف ما يجري داخل سوريا. وكما وقابل السائق الذي قاد السيارة في اليوم الذي اختطف فيه فولي والذي اقترح أن الخاطفين من البدو، ومن هنا يرى أن البحث عن الصحافيين المختفين هو بحث في الرمال المتحركة. وعندما يكون المال والسلاح هو ما يهم فالمخبر يقول اليوم شيئا وفي اليوم التالي شيئا آخر، أو يتبخر كما في حالة الصديق الذي تعرف على تايس في أنطاكيةـ ولكنه قتل وهو يحاول نزع فتيل متفجرة.

مثل بيروت الثمانينيات

وفي المحصلة فمسألة الرهائن واختفاء الصحافيين تشبه بحسب بيتر بوكاريت من هيومان رايتس ووتش في لبنان أثناء الحرب الأهلية. والفرق هو أن المخابرات الأمريكية ‘سي أي إيه’ كانت تعرف مع من تتعامل وماذا يريد هذا الفريق الخاطف.
وفي سوريا وبحسب روبرت باير عميل سي اي إيه السابق ‘هناك الكثير من الجماعات ولا أحد يسيطر أو يقود. فالصحافيون ليسوا وحدهم،فهناك المقاتلون المتطرفون مما يجعل النزاع صعبا وساحة يستعصي على الصحافيين العمل فيها.
وفي النهاية فما يميز هذا الجيل من الصحافيين غير المتفرغين أنهم خاطروا بحياتهم وقطعوا الحدود كي يملأوا الفراغ في الأخبار عن النزاع السوري الذي ظل يتداول بين دعاية النظام والمعارضة.
ومخاطرتهم تستحق الثناء لأنه وعندما بدأ موسم الصيد كانوا هم الطريدة المناسبة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية