جنود الجيش الإسرائيلي أمام نعش رقيب قُتل أثناء القتال في غزة، في المقبرة العسكرية في ريشون لتسيون. 16 يوليو 2025. ا ف ب
الناصرة- “القدس العربي”: فيما قال رئيس الولايات المتحدة ترامب ورئيس حكومة الاحتلال نتنياهو إن المفاوضات فشلت، بخلاف موقف مصر وقطر، وعادا للتهديد والوعيد باستخدام المزيد من القوة ضد حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، رغم أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتحفظ من توسيع الحرب، تحاول سلطات الاحتلال امتصاص الغضب العالمي على التجويع بالإعلان عن إنزال مساعدات جواً، وعن ممرات إنسانية تبدأ بها اليوم.
وتفيد تسريبات إسرائيلية أن حكومة الاحتلال تستعد لتصعيد العدوان على القطاع وتقطيع أوصاله وتضييق الخناق عليه، بل محاولة تخليص محتجزين بالقوة.
في المقابل، يُحذّر مراقبون إسرائيليون من أن الخيار العسكري الآن وهمٌ ويزيد الطين بلّة من ناحية تزايد خسائر الجيش وتهديد حياة المحتجزين وتفاقم الأزمة الدبلوماسية التي تحاصر إسرائيل، رغم محاولاتها تخفيفها بوسائل شتى، كما يؤكد الجنرال الإسرائيلي في الاحتياط نوعيم تيفون، في حديث للإذاعة العبرية العامة، صباح اليوم الأحد.
سيفي هندلر: إسرائيل لم تخسر الحرب فقط.. بل تهدد مستقبلها في العالم
وهذا ما يُحذّر منه مراقبون إسرائيليون آخرون، من أبرزهم المحاضر في الشؤون الفلسطينية في جامعة تل أبيب، الجنرال في الاحتياط ميخائيل ميليشتاين، الذي يصرخ منذ شهور كثيرة بأن القوة وحدها لن تهزم “حماس”، داعياً لوقف الحرب واستعادة المحتجزين، وقبول المقترح المصري، والتعاون مع السلطة الفلسطينية في ما يتعلق بمستقبل غزة.
على خلفية هذه التصريحات والتهديدات والاتهامات، تفيد مصادر عربية وفلسطينية أن “حماس” تستعد ميدانياً خوفاً من مفاجآت ومباغتات جديدة، ومن محاولات تخليص محتجزين عسكرياً.
في المقابل، تشير مصادر صحفية إسرائيلية إلى خيارات غير عسكرية تُطرح على طاولة الإدارة الأمريكية، وتقول إنه من غير المستبعد أن تكون التهديدات الأخيرة فارغة وتهدف فقط للضغط على “حماس” ودفعها لتليين مواقفها والتنازل عن مطالبها، خاصة بما يتعلق بعدد وهوية الأسرى الفلسطينيين ممن تطالب بشملهم في الصفقة.
ونقلت الإذاعة العبرية، اليوم، عن عائلات محتجزين التقوا وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو في واشنطن، يوم الجمعة الأخير، قولها إنه أبلغهم بأن البيت الأبيض يتدارس أفكاراً أخرى، منها إنهاء الحرب، بدلاً من مفاوضات على صفقة جزئية.
ونقلت الإذاعة عن هذه العائلات قولها إنهم أبلغوا روبيو بأن الحل الأمثل هو صفقة واحدة تنهي الحرب، فأطلعهم على أن الإدارة الأمريكية منفتحة على الفكرة، منوّهاً بأنه لم ينفِ هذا الخيار، وفي الليلة الفائتة أعرب عن أمله بتوقيع اتفاق وقال: “إننا قريبون منه”.
في التزامن مع الحرب المتوحشة، وبسببها وجرائمها من القتل بالجملة إلى التجويع، تتصاعد موجة الانتقادات في العالم ضد إسرائيل، التي تتصرف كالنعامة باللجوء مجدداً لسلاح تهمة اللاسامية، واتهام “حماس” بحملة دعائية كاذبة ضدها، بالزعم أنه لا مجاعة في غزة، وأن صور الأطفال الجوعى هم مرضى، أو أنهم أطفال في اليمن، أو أن الصور مفبركة بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
لكن الصور المنشورة في كل وسائل الإعلام العالمية لا تكذب، وهي تربك إسرائيل، التي تزداد ارتباكاً في ظل إمعانها برفض إدخال صحفيين أجانب إلى القطاع، ومواصلتها حرب الإبادة.
على خلفية هذا التسونامي الدبلوماسي، الذي ساهم في دفع فرنسا لإعلان قرارها الآن بالاعتراف بدولة فلسطين، أعلن جيش الاحتلال عن فتحه “ممرات إنسانية” في بعض مناطق القطاع خلال النهار بدءاً من صباح اليوم، وشرع بإنزال مساعدات إنسانية من الجو، تبدو قطرة في بحر، وتهدف لنسج صورة جديدة والتأثير على وعي العالم، الذي سيحكم على الخطوة بالتطبيق وبالمقادير، والأهم بالسؤال عن مستقبل حرب التدمير والتهجير، التي تقترن أيضاً بجرائم الاحتلال في الضفة الغربية، وصور الآبار المدمرة، وإحراق الحقول الفلسطينية، وتهجيرهم من ديارهم.
ومما يعثّر مساعي التخفيف والتلطيف، تصريحات وزراء ونواب صهاينة تشكل أدلة على نوايا ارتكاب جرائم ضد البشرية، آخرها وزير التراث اليهودي عميحاي إلياهو، الذي قال، قبل أيام: “إن إسرائيل تمضي في محو الغزيين”.
في ظل كل ذلك، تتصاعد النقاشات والانتقادات داخل إسرائيل حول فشل ماكينة الدعاية في العالم في مواجهة الانتقادات ضد الحرب والتجويع، وضد طريقة توزيع المساعدات ومقاديرها، والخوف من استنساخ إعلان فرنسا بالاعتراف بدولة فلسطينية.
في تصريحات للإذاعة العامة، سخر وزير الأمن القومي بن غفير، المدان بالإرهاب، من الاحتجاجات في العالم، ودعا مجدداً لتصعيد الحرب دون هوادة ووقف المفاوضات.
وفي تصريحات صحفية، يواصل سفير إسرائيل في الأمم المتحدة داني دانون التصدي بغباء للحملة العالمية بإنكار الواقع، والقول “عنزة ولو طارت”، وتبعه اليوم قنصل إسرائيل في نيويورك أوفير أكونيس، الذي ساق أكاذيب مفادها أن المجاعة في غزة “كذبة” نجحت “حماس” بتسويقها للعالم.
وحمل مراقبون إسرائيليون كثر على حكومة الاحتلال وإخفاقاتها، التي دفعت إسرائيل لهذه الأزمة العالمية غير المسبوقة، والتي تنعكس في ملاحقة حتى السائحين الإسرائيليين في العالم، ويشددون على أن المشكلة ليست في ماكينة الدعاية الخارجية، بل بالسياسات والأفعال على أرض الواقع، علاوة على تصريحات غبية لوزراء أمثال إلياهو، كما يؤكد المحلل السياسي البارز في صحيفة “يديعوت أحرونوت” شيمعون شيفر.
يتوقف شيفر من جديد عند أضرار “الحرب العقيمة”: محاصرة السائحين الإسرائيليين في العالم، صور أطفال غزة تحوّل الإسرائيليين لشعب بليد الإحساس يمتاز بغلظة القلب.
ويضيف: “مشكلتنا ليست بالمجهود الدعائي بل بالسلوك: من يسد بوابات غزة ويجوع الغزيين ويلقي مفاتيحها في البحر، يجد نفسه ملاحقاً في كل مكان يصله”.
ويتقاطع معه الممثل والصحفي الإسرائيلي في ذات الصحيفة يولي ساكر، بقوله، اليوم، ضمن مقال بعنوان “عن الحرب بعيون العالم”: إن المشكلة ليست في المجهود الدعائي بل بالواقع. أمام صور غزة الدامية يُطرح السؤال مرة تلو الأخرى عن الدعاية وفشلها، كما يزعم المحللون المتعجرفون في قنوات التلفزة العبرية.
تكمن المشكلة في ما يحدث داخل غزة. لا يوجد بيدنا ما نفسر به هذه الصور الدامية من غزة”.
يولي ساكر: ليست المشكلة في ماكينة الدعاية، بل في الصور التي لا يمكننا تفسيرها.. ما يحدث داخل غزة لا يمكن تجميله
ويُحذر زميلهما الصحفي إيتمار إيخلر في الصحيفة مجدداً تحذيرات قديمة من استمرار الحرب وبقاء الصفقة عالقة: مساس بمدنيين فلسطينيين، وتأجيج الانتقادات في العالم ضد إسرائيل، وإصابة جنود، وموت المخطوفين.
وهذا ما يؤكده المؤرخ والمعلق الصحفي الإسرائيلي في السوربون، سيفي هندلر، بروفيسور، بقوله، في مقال تنشره “هآرتس” اليوم بعنوان “طوفان بعد الحرب”: إنه مقابل صور أطفال غزة الجوعى، واضح أن إسرائيل لم تخسر فقط الحرب، بل تهدد مستقبلها.
وعن ذلك يتابع: “أمة الهايتك والسايبر والموساد و8200 وسلاح الجو وغيره… مع كل ذلك لم ننجح في التغلب على حماس في الحرب، ولا في المعركة على الصورة والوعي والرواية في العالم”.
ويبقى السؤال: ما هي مفاعيل هذه الانتقادات العالمية على مستقبل الحرب وعلى إسرائيل ومكانتها، وعلى الصراع، وعلى موقف الدول من الاحتلال بالمنظور القريب والبعيد؟
والسؤال الآخر: ما مدى تأثير النزيف في صفوف جيش الاحتلال نتيجة عمليات فلسطينية جريئة تشهدها غزة يومياً؟ فحتى الآن، لم تحسم هذه الخسائر الجدل الداخلي لصالح وقف الحرب.
في سياق الحديث عن الأثمان، تكشف صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم عن الجرحى النفسيين في صفوف الجنود، ضمن تحقيق تحت عنوان “الحرب التي بدأت للتو”، عن إصابة 3600 جندي إسرائيلي بالكرب بعد الصدمة، وعن 9000 جندي توجهوا خلال 2024 لوزارة الأمن طالبين الاعتراف بهم كمصابين نفسياً.
وكشفت أيضاً أنه منذ 7 أكتوبر، هناك 18 ألف جندي معاق جديد في الجسد والنفس، وتنقل عن مصادر إسرائيلية مسؤولة تقديراتها بأن يرتفع عدد المصابين النفسيين إلى 50 ألف جندي ومدني عام 2028، سيكونون بحاجة لمساعدات نفسية بدرجات متفاوتة، معظمهم من الحرب في غزة.
ويُشار إلى أن 54 جندياً إسرائيلياً قد انتحروا منذ بدء الحرب، طبقاً لمعطيات جهات صحية رسمية.