دار سجال حول «المسألة الأوكرانية» لحظة تحلّل الاتحاد السوفياتي، بين «منشقّين سوفياتيين» ذائعي الصيت، لجأ كلاهما إلى الغرب في السبعينيات من القرن الماضي. أحدهما الأديب والروائي الروسي ألكسندر سولجنيتسين (تسري في عروقه دماء أوكرانية من جهة أمه) والثاني عالم الرياضيات الأوكراني (إنما المولد في قرقيزيا بآسيا الوسطى) ليونيد بليوشتش.
فسولجنيتسين، الذي اعتقل وهو في الخدمة العسكرية في أواخر الحرب العالمية الثانية، واتهم بالمشاعر المؤيدة «لجيش التحرير الروسي» بقيادة الجنرال أندريه فلاسوف، المتعامل مع ألمانيا النازية، والذي قضى إثر ذلك سنوات طويلة في معسكرات الاحتجاز الجماعي بالغولاغ، ثم خرج ليبدع رواية «يوم من حياة إيفان دنيسوفيتش» ابان فترة «ذوبان الثلوج» الخروتشيفية ثم يطارد وينفى بعد عودة الجليد مجدّداً، لم يخف مع ذلك قلقه لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي من أن يكون ذلك على حساب روسيا والروس الإثنيين بشكل مرير. وراح يكتب عن تشاؤمه حيال استقلال الجمهوريات عن الاتحاد الواحدة تلو الأخرى، واعتبر أنه «لا يمكن انتظار الخير من استقلال يسحق من سيغدو في إثره مجموعة أقليات قومية جديدة»، وأن هذه الأقليات الجديدة سيلحق بها الضيم والتمييز وستمنع من استخدام لغتها الروسية، وقارن ذلك بمنع قوميات أخرى عن لغاتها في المرحلة السابقة، خالصاً إلى أن الإستقلال من دون إبدال الإتحاد السوفياتي باتحاد بديل سيعني استمرار الاستلاب بآثار الشيوعية، انما هذه المرة على حساب الأمة الروسية بشكل مركّز ولا يمكن احتماله.
أثارت كتابات سولجنيتسين في تلك اللحظة حفيظة بليوشتش، وبخاصة دعوة واضع «أرخبيل الغولاغ» لإقامة عاجلة لاتحاد سلافي رباعي يشمل روسيا وبيلوروسيا وأوكرانيا وكازاخستان (في طمس للهوية الكازاخية التركية).
عدّ بليوشتش هذه الدعوة تلفيقاً وتسويقاً للفوقية الروسية. وبليوشتش بدأت متاعبه مع النظام السوفياتي يوم عبّر عن احتجاجه على التدخل ضد ربيع براغ 1968. لم يعرف الغولاغ السيبيري الذي كان أصبح من الماضي في أيامه، بل عرف الاحتجاز في مصحة نفسية على ما كان رائجاً في عهد ليونيد بريجنيف، وأفرج عنه بعدها لينتقل إلى فرنسا. بالنسبة إلى بليوشتش كانت دعوة سولجنيتسين إلى الاتحاد السلافي تروّج ضمناً لمقولة «السيادة المحدودة» البريجنيفية، إنما هذه المرة بالنسبة لأوكرانيا وليس لتشيكوسلوفاكيا.
بنى بليوشتش ردّه على سولجنيتسين على قاعدة أنه لا يمكن الحديث عن اتحاد جديد من أي نوع بين الجمهوريات قبل انجاز الاستقلال الوطني لكل واحدة منها بشكل تام. لأنه لا يمكن للمستعمرات أن تتحد مع الحاضرة الإستعمارية في وحدة طوعية وحرة.
لم ينكر أن أوضاع الروس لن تكون سهلة خارج روسيا بعد زوال الإتحاد السوفياتي، لكنه شدّد على أن روسيا كانت في المرحلتين القيصرية والسوفياتية هي القوة الاستعمارية في حين أن أوكرانيا هي المستعمرة، ما يعني ضمنياً أن مصير روس أوكرانيا أو روس سائر الجمهوريات الأخرى قابل لأن يقارن بمصير المستوطنين الأوروبيين لحظة مغادرة حكومات بلادهم للمستعمرات الأفريقية.
في المقابل، كان بمستطاع سولجنيتسين أن يتقبل كل شيء إلا فكرة أن العلاقة بين روسيا وبين أوكرانيا هي علاقة استعمارية ينبغي أن تحل بمنطق نزع الاستعمار. لم ينف يوماً أن لأوكرانيا أو لروسيا البيضاء ثقافة مختلفة وتاريخ مختلف لكل منها، لكنه شدّد على الترابط والتداخل والعلاقة العائلية. في هذه العلاقة العائلية، ينبغي لكبير العائلة أن يطلب الصفح والمغفرة من الصغار الذين ظلمهم، لكن ينبغي المحاذرة من تفكيك العائلة في الوقت نفسه. العلاقة بين روسيا وأوكرانيا هي كولونيالية وينبغي أن تحل بالتحرر الوطني التام بالنسبة إلى بليوشتش في حين أنها علاقة عائلية ينبغي أن تحل بتقويم الإعوجاج في العائلة السلافية الشرقية الواحدة بالنسبة إلى سولجنيتسين. لأنه عند الأخير المسألة لا تشبه «نزع استعمار» بل هي قضية إما استكمال استئصال الشيوعية وإما التنكّب بآثارها المدمرة المستمرة حتى بعد زوالها. وهكذا، تساءل سولجنيتسين مطلع التسعينيات لماذا يتحتم على الذين انقضوا على تماثيل لينين في كييف وفي لفوف أن يحترموا الحدود الاصطناعية التي وضعها هذا اللينين نفسه؟
لم يعش سولجنيتسين وبليوشتش لرؤية حرب الغزو والتفكيك الروسيين الحاليين لأوكرانيا وتشريد ما يقترب من عشر شعبها ولم يمض بعد شهر واحد على الاجتياح.
لكن سجالهما المنسي، ومن موقعهما كمنشقين منفيين في الغرب، وشاهدين فاضحين للتوتاليتارية السوفياتية، يظهر كم أن الحرب الحالية لا ينفع معها تفسير كل شيء بصددها من خلال استعادة أدبيات مناهضة التوتاليتارية، طالما أن الإنقسام هنا حاصل بين موقعين كان لهما باع في ممارسة هذه المناهضة.
في الوقت نفسه، يسمح التذكير بهذا السجال بين سولجنيتسين وبليوشتش حول أوكرانيا -لحظة زوال المتحد السوفياتي -باظهار تهافت كل من التصورين. أي من جهة، التصور «العائلي – الأبوي» الذي اعتمده سولجنيتسين للنظر في العلاقة بين روسيا وبين أوكرانيا. ومن جهة ثانية، التصور «الاستعماري المحض» لهذه العلاقة، الذي يستدعي مساواة مصير الروس الإثنيين في الجمهوريات السوفياتية السابقة بمآل المستوطنين الأوروبيين في المستعمرات السابقة ما وراء البحار.
فسولجنيتسين ما كان ينكر حق أوكرانيا في الوجود إنما يؤسس له بما هي فرد في عائلة، ويعزم على انقاذ الرابطة العائلية بمضاعفة واجبات روسيا تجاه شقيقتها الصغرى المظلومة، وليس بتأكيد حاسم لحقوق أوكرانيا كدولة أمة تامة، يكون لها كأي دولة أمة سبيل داخلي لمعالجة العلاقة بين الأكثرية الإثنية فيها وبين الأقليات.
أما بليوشتش، فليست مشكلته أنه يستحضر مفهوم الاستعمار، بل في أنه يطبق على الحالة الروسية الأوكرانية رابطة الاستعمار السارية «ما وراء البحار». وهذا تعسف يفضي إلى مماثلة وضع روس أوكرانيا بفرنسيي الجزائر، وبخاصة بالنسبة لأقاليم الجنوب الأوكراني على البحر الأسود التي توطن فيها الروس على حساب خانية التتار والأقاليم المرتبطة بالسلطنة العثمانية.
والمشكلة مزدوجة بالأحرى حين يتعلق الأمر بكيفية نظر الروس لتاريخهم وكيفية نظر غير الروس من شعوب الإمبراطورية الروسية لهم. فمن جهة، اعتماد منظار الاستعمار ما وراء البحار وتطبيقه، وبخاصة على العلاقة بين الروس وبين الروس البيض والأوكران، لن يوجد خيار ثالث لكل مجموعة إثنية هنا سوى أما ان تكون ظالمة وأما ان تكون مظلومة. ومن جهة ثانية، لا يمكن ان تبقى النظرة الروسية رافضة لأي احتكاك مع مفهوم الاستعمار، ومحاولة تدارك حيثيات وتفاوت مستويات انطباقه على العلاقة بين الإمبراطورية وبين شعوبها.
ففي روسيا لم يهتز يوماً بشكل جدي المنظار الذي يرفض ان يرى ان هناك حدودا لها طالما ليس هناك حدود طبيعية تقسم السهل المترامي من جبال الكاربات حتى الأورال إلى مجموعة بلدان. بل ان عمدة الليبرالية الروسية نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين بوريس تشيتشيرين جعل من انعدام فكرة الحدود خصلة من خصال التصور الذهني الروسي عن الذات الجماعية! وهذا تشيتشيرين الذي لم يكن من غلاة القومية، وان كانت ليبراليته من النوع المحافظ، بل الدولتي. فهو، على تصادمه مع الأوساط الأكثر أوتوقراطية ورجعية في العهد القيصري، الا أنه تبنى مفهوماً للدولة لا كمنبثقة عن عقد اجتماعي تأسيسي لها، وانما كمتنزلة من الماوراء تدريجياً، ولو أنه جهد للتمييز بين مصدر الدولة العلوي وبين مصدر القانون الذي أناطه بالحرية. إذاً، لا صراع سولجنيتسين ضد التوتاليتارية كان ليفضي به إلى مطرح يقبل فيه تماماً حق أوكرانيا في تقرير المصير، ولا عمدة الليبرالية الروسية تشيتشيرين قبله كان ليقبل أن تحد روسيا الحدود غير تلك الطبيعية، الجبال الشواهق والبحار، وبالتالي بقي التوسع في المدى أمراً طبيعياً لديه، مثلما بقي مفهوم الدولة عنده سلطوياً، وان يكن بدعوى أنه وحدها الدولة القوية قادرة على حماية الفرد. المطلوب عنده كان أكثر سلطوية من «دولة القانون»، ولا شك أقل سلطوية من شعار «ديكتاتورية القانون» الذي رفعه فلاديمير بوتين بعيد وصوله إلى السلطة عام ألفين.
وبوتين اليوم الذي أما ان يجري تنسبه لفكر ايفان ايليين، المهاجر الروسي المعادي للسوفيات الذي أعجب بالفاشية، وأما ان يجري تنسيبه إلى الإرث السوفياتي، رغم الحاحه على تحميل لينين وزر سلخ أوكرانيا عن روسيا، هو أيضا وريث تشيتشيرين وسولجنيتسين (والأخير هو الذي سوّق أساساً لطروح ايليين)، بل ان سولجنيتسين أطنب قبل وفاته عام 2008 في مدح بوتين، واعتبر ان «ذهنه متقد، ويستوعب بسرعة وليس عنده أدنى تعطش شخصي للسلطة».
بالتالي، فان رد بوتين للتوتاليتارية وحدها لا يستطيع ان يجيبنا على سؤال، لماذا استطاعت إذا ليبرالية تشيتشيرين في روسيا مطلع القرن الماضي وأنتي توتاليتارية سولجنيتسين أواخر ذاك القرن أن تغذيا هذا الموقف الروسي غير القادر على رؤية حق الأوكران في تقرير المصير إلا كحق مشروط، في إطار العائلة الواحدة.. السلافية أو الروسية الجامعة؟
وهذا يتصل رأسا بسؤال هل بمستطاع الغرب إقناع الروس بهزيمة بوتين؟ هل بإمكانه أن يقنعهم بهذا ان لم يكن مدركاً هو أن مشكلة بوتين مع أوكرانيا ليست مشكلته لوحده وحاشيته؟ هل يتصور أحد في الغرب أنه بإمكان أي من القوى الروسية ذات الحيثية في المجتمع اليوم أو غداً القبول بالتراجع عن السيادة الروسية على القرم؟ لا يعني هذا ان بوتين هو تطبيق حرفي لمقولات تشيتشيرين وسولجنيتسين، لكنه يتغذى من ليبرالية الأول الملتبسة سلطوياً ومن تراث الثاني الملتبس رغم العناوين الروحية… ليس أقل أبداً من التغذي من الأفكار والمخططات التهويمية التي يروق للإعلام الحربي في عالم اليوم إظهارها، انما للتبختر بها، على طريقة الكسندر دوغين وأوراسياه الوهمية، وأما لاختزال كل الحرب الحالية إلى جنوح معزول عن مشكلة روسية مزمنة حيال فهم حق أوكرانيا في الوجود الحر، مقرونة بمشكلة أوكرانية فعلية أيضا في فهم تعددية أوكرانيا الإثنية واللغوية والمناطقية.