الحرب الروسية ومخاطر الانزلاق الخليجي – العربي إلى الحسابات الخاطئة بعد ولوج «المناطق الرمادية»

رلى موفّق
حجم الخط
0

تدخل الحرب الروسية على أوكرانيا أسبوعها الرابع، مُنذرة بأنها ستكون حرباً طويلة، كما تداعياتها. مِن المُبكر التنبؤ بمساراتها وتعرجاتها، وأي نهايات سترسمها، ولمن ستكون الغلبة فيها. فالحرب ما زالت في بداياتها، مسرح عملياتها راهناً تلك الدولة في أوروبا الشرقية التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي، فأعلنت استقلالها بمجرّد أن انهار وتفكَّك عام 1991 واعترتها منذ وصول حكومات مؤيدة للغرب رغبة في أن تكون جزءاً من الاتحاد الأوروبي وأن تلتحق بـ«حلف الناتو». وهو الأمر الذي اعتبره «سيد الكرملين» فلاديمير بوتين خطاً أحمر ومسألة تتعلق بالأمن القومي الروسي، ولو استدعى الأمر غزو أوكرانيا وتحمُّل تبعاته الذي يبقى – من وجهة نظر محللين مؤيدين له – أقل كُلفة من ترك «الأطلسي» يصل إلى قلب موسكو.
هي السردية التي تدور حولها مسببات الحرب التي تُشكِّل اختبار قوة واختبار نفوذ. والاختبار ليس مع أوكرانيا بل مع الغرب الذي يُريد منه بوتين أن يعترف بروسيا دولة عظمى ويتعامل معها على هذا الأساس. ومَن عليه القيام بحسبة الاقتسام مجدداً، بالنسبة لبوتين، هي أمريكا الذي تتزعم العالم، وكأنه يقول: «إنَّ زمن القطب الواحد قد ولّى وعاد النظام العالمي إلى حال القطبين والمعسكرين والكتلتين الشرقية والغربية».
في معركة كتلك، والتي تضعها الولايات المتحدة الأمريكية في مصاف المعركة الوجودية لجهة الحفاظ على تربّعها في قيادة العالم، ستُظهر واشنطن مخالبها بلا هوادة. الاستراتيجية الأمريكية تقوم على تطويق الصين كقوة اقتصادية صاعدة ماضية في التمدّد على رقعة العالم. الصين هي المعضلة والتحدي ومحور الارتكاز في المواجهة الفعلية بغية امتثالها لحقيقة المقام الأمريكي الأول. ولذا لن تروق للإدارة الأمريكية المناطق الرمادية وأنصاف المواقف، ولن تقبل بالالتفاف على العقوبات المفروضة على روسيا على خلفية غزوها لأوكرانيا.
كان المستشار القومي الأمريكي جيك سوليفان واضحاً في سؤاله للوفد الصيني الذي التقاه في روما عمّا إذا كانت الصين مع أمريكا في العقوبات أو ضدها؟ محذراً من مغبّة تحولها إلى حديقة خلفية لموسكو عبر الالتفاف على العقوبات وتقديم الدعم لها على مختلف المستويات. شرحَ سوليفان للدبلوماسي الصيني الكبير ما يُمكن أن تحققه بلاده إذا التزمت، وما يمكن أن تخسره إن خالفت، راسماً «سيناريو العزلة والعقوبات» الذي ستتعرّض له بكين في العالم. وهذا ما أكده الرئيس الأمريكي في اتصاله مع نظيره الصيني شي جينبينغ الذي سعى إلى التأكيد أن علاقات الدول لا يجب أن تصل إلى مرحلة الصدام العسكري.

كثيرون في دوائر القرار العربي يقرأون في كتاب بوتين أو يُوحون بذلك، ليس حباً بـ«الرجل المُستبد» بل كرهاً بـ«سيد البيت الأبيض»

ما هو مُقلق أن يكون كثيرون في دوائر القرار العربي يقرأون في كتاب بوتين أو يُوحون بذلك، ليس حباً بـ«الرجل المُستبد» بل كرهاً بـ«سيد البيت الأبيض». ليس أمراً بسيطاً الموقف الذي تُعبِّر عنه قيادتا السعودية والإمارات، ولا ما يخرج إلى العلن عن رفض ولي عهد السعودية محمد بن سلمان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد الرد على مكالمة الرئيس الأمريكي، وعدم تجاوبهما في هذا الوقت المفصلي مع طلب زيادة إنتاج النفط لضبط الأسعار وتوازن سوق الخام، والذي بحثه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في أبو ظبي والرياض، كما تدخلت اليابان لدى بن سلمان للهدف ذاته، فيما أكدت الرياض التزامها باتفاق «أوبك بلس» الذي تقوده وموسكو.
يتم تقديم الموقف السعودي – الإماراتي بوصفه موقفاً يُمسك بالعصا من الوسط، وهو ينسحب إلى حد كبير على موقف المنظومة الخليجية. امتنعت الإمارات في مجلس الأمن عن التصويت على قرار يُدين الغزو الروسي لأوكرانيا ويُطالب موسكو بسحب قواتها، وإلى جانبها الصين والهند، وهما دولتان تدعمان روسيا في العمق. وتظهير الموقف الإماراتي على أنه موقف محايد، كما الموقف السعودي، يصبُّ في نهاية المطاف في «سلة ربح روسيا» التي من مصلحتها أن تجمعَ ما أَمكنها من حلفاء لها، بينما يقف غالب الكون ضدها متضامناً مع أوكرانيا.
ليس خافياً أن حالة من الفتور تُصيب العلاقات الأمريكية مع المملكة، والتي قال بايدن إنه سيتعامل معها كدولة «منبوذة» في لغة فوقية لا تراعي فهم وتعريف موقع ومكانة الحلفاء. وليس سراً أن الديمقراطيين لا يُعبّرون عن ارتياح لقيادة بن سلمان دفة الحكم، وما يعتمره من طموحات بتكريس بلاده لاعباً إقليمياً، لا بل دولياً، من بوابة الإمساك بورقة النفط. وليس مكبوتاً الغضب الإماراتي من غضِّ الطرف الأمريكي على قصف «الحوثي» المدعوم من إيران للإمارات، وعدم اتخاذ واشنطن موقفاً متّسقاً مع الحلفاء في وقت الامتحان.
ولا تُخفي واشنطن تبدّل الاستراتيجية الأمريكية وأولوياتها في الشرق الأوسط، ولا تُحرَج في إظهار هرولتها نحو العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، حتى ولو كان عليها أن تعترف بنفوذ طهران وتمدّد أذرعها العسكرية في الدول المجاورة. ويُمكن تالياً فهم الخيبة الخليجية والتوجهات التي دفعتها في العقد الأخير إلى صوغ علاقات اقتصادية مع روسيا والصين وتوسيع مروحة تحالفاتها بغية الحفاظ على مصالح دولها وشعوبها.
غير أن مصدر القلق ينبعُ من تساؤل عما إذا كانت الدول الخليجية ومن خلفها الدول العربية قادرة على السباحة عكس التيار حين تكون المواجهة عالمية، وبين «الفيلة»؟ والسؤال استتباعاً يكمن في ما إذا كانت الصين التي يُراهن عليها البعض مؤهلة فعلاً لقيادة العالم في مواجهة أمريكا؟ وتالياً، ما هي طبيعة الأقطاب التي ستنشأ، ومن سيلتحق بها ويصطفُ حولها؟
في قراءة محللين عرب، على صلة بمراكز الأبحاث الأمريكية، أن المرحلة دقيقة وتفرض على الدول العربية التصرُّف بكثير من الحنكة والتعقّل في لحظة تظهير النظام العالمي الجديد، الذي سيتراوح بين تكريس النظام الراهن وبين تبلور نظام جديد سيكون حُكماً بقيادة الولايات المتحدة، وسيكون لكل من الأقطاب حصته وفق حجمه وأوراق القوة التي يملكها. يذهب هؤلاء إلى اعتبار أن القرار الغربي – الأمريكي قد اتُّخذ بنزع ورقة الطاقة من يد بوتين، وحل مسألة السلاح النووي الروسي الذي لوَّح باستخدامه بعدما تحوَّل إلى عامل ابتزاز لأوروبا.
يتوقف هؤلاء عند مغزى القرار الذي اتخذه مجلس الشيوخ الأمريكي بالإجماع باعتبار بوتين مجرم حرب، بحيث إن مفاعيل مثل هذا القرار ليست سياسية فحسب بل قضائية، من شأنها أن تُحفِّز المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ودول أخرى على ملاحقة الرئيس الروسي وحاشيته وجنرالاته وكل مَن يُقدِّم دعماً له في تهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال غزو أوكرانيا. فهذه نافذة ضغط فُتحت في وجه بوتين أضيفت إلى وسائل الضغط الأخرى من عقوبات وعزلة لنظامه من قبل أمريكا والغرب. ويرون أن مَن لديه تأثير على المؤسسات الدولية هو مَن يملك أوراق القوّة.
وفيما يذهب بعض المحللين المؤيدين إلى «تحالف الشرق» بالإشارة إلى التسريبات عن طلب الصين من السعودية شراء بعض المنتجات النفطية باليوان، وتوجُّه الهند إلى ذلك في تعاملاتها مع بكين، فإن المراقبين يحذرون من مغبة هكذا دعسة ناقصة للدول التي تتزعم منظمة أوبك، في خرق الاتفاق الأمريكي – السعودي الذي ربط بيع البترول بالدولار الأمريكي، فخطوات كتلك لا يمكن إدراجها في خانة اللعب على حافة الهاوية بل السقوط في المحظور، لافتين إلى أن المصالح العليا للدول الخليجية تبقى في الحفاظ على شبكة الأمان التي يوفرها التحالف مع أمريكا، وإنْ تباينت المواقف في بعض الملفات.
في المنظور الأمريكي أن ثمة ثلاث قوى في منطقة الشرق الأوسط هي: مصر، وتركيا، وإيران؛ فكل منها يملك أوراق القوة الناعمة، لجهة تحكمه بالممرات المائية للتجارة العالمية، وحجم جيوشها وعدد سكانها. يُدرج البعض إسرائيل بكونها تتصارع وإيران على دور الشرطي الأمريكي في المنطقة، وحلولها مكان مصر معوّل على الاتفاقات التي تصوغها الدولة العبرية مع الدول العربية لتشكيل حلف قوي في وجه الحلف الإيراني.
يرى متابعون سياسيون أن واشنطن، من خلال صفقات الأسلحة والطائرات الحديثة الأخيرة مع مصر والمشاريع الاستثمارية الدولية لدعم الاقتصاد المصري ومشاريع تحديث نظم الري والزراعة وتحديث الأنظمة المالية ودعم القاهرة في موضوع سد النهضة، هي حوافز بغية جذبها، كدولة إقليمية، في المواجهة القائمة لإعادة تشكيل الخارطة العالمية سياسياً، واقتصادياً، وعسكرياً، ودبلوماسياً.
لا شك أن الحرب الروسية على أوكرانيا ستترك تداعياتها على مستوى الأمن الغذائي العربي، ولا سيما أن الدول العربية لم تتّجه في سياساتها إلى تأمين الاكتفاء الذاتي على مستوى المواد الغذائية السيادية وفي مقدمها القمح. لن يكون ثقل المشكلة لدى الدول النفطية بل لدى الدول غير النفطية وصاحبة الكثافة السكانية والتي ستشهد مزيداً من الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً مع رفع البنك الفيدرالي الأمريكي معدلات الفائدة على الدولار، والذي سينعكس على كلفة الاستيراد والديون الخارجية. والمخاوف من أن تؤول تلك الضغوط إلى تحركات شعبية في وجه الحكومات، وإلى هجرة غير شرعية في اتجاه الدول الأوروبية التي تواجه ضغط اللاجئين الأوكران. والتنبه هو على وضع مصر وتونس والمغرب وليبيا بشكل خاص.
غير أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يُمكن أن تُرخي بثقلها على المجتمعات العربية، وما تحمله من عواقب سلبية، تبقى قابلة للاحتواء في حال نجحت الدول المؤثرة في تجاوز خطر الانزلاق إلى الخيارات القاتلة بالاستناد إلى مكامن القوة التي تملكها بيدها والمتمثلة بسلاح النفط. فثمة خيط رفيع بين المناورة من أجل تحسين المواقع والأدوار والأوراق وبين المجازفة المبنية على حسابات خاطئة وواهمة في مدى القدرة والفعل والتأثير في لعبة الأمم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية