الحرب السورية حرب المتناقضات الصارخة: موت في جانب وأطفال يلعبون ومقاهٍ تعج بالحياة في الجانب الآخر

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’ لم يتحقق الشيء الكثير من محادثات السلام بين وفدي الحكومة السورية والمعارضة التي تجري الآن في جنيف، وما تم التوصل إليه هو اتفاقات تسمح للمدنيين، النساء والأطفال بالخروج من البلدة القديمة في حمص.
وفي مقال للكاتبة السورية ريم العلاف تساءلت عن جدوى محادثات السلام، وهي إن اعترفت أنها افضل من القتال، لكنها تخشى أن تكون من أجل الحديث فقط ومحاولة من المجتمع الدولي غسل يديه من الأزمة السورية.
وقالت في مقال للرأي نشرته صحيفة ‘غارديان’ إن كان مؤتمر جنيف هو محاولة جادة لحل الأزمة السورية، فلماذا لا تصر الدول الراعية وذات المصلحة على إلزام النظام السوري لبشار الأسد بمقررات مؤتمر جنيف-1 عام 2012 والتي تدعو لوقف العمليات العسكرية والإفراج عن السجناء السياسيين ووقف استهداف المدنيين، وهي المطالب التي تدعو إليها المعارضة السورية للآن، لكن النظام ومنذ المؤتمر الأول لم يقم بالإستجابة لهذه المطالب وزاد من هجماته على المدنيين وفرض الحصار على التجمعات المدنية حول دمشق بما فيها مخيم اليرموك، وقالت الكاتبة إن السكان فيه وفي حمص وحلب يموتون من الجوع.
وتخشى الكاتبة استمرار المحادثات في جنيف لأشهر بل ولسنوات دون تحقيق تقدم على أي من الملفات وهو ما يسعى إليه الأسد الذي يريد شراء الوقت.
وتعكس عددا من التقارير الصحافية صورة عن دأب النظام لشراء الوقت ولتصوير جهوده من أجل تحقيق اتفاقيات هدنة ووقف لإطلاق النار.

برزة

فقد كتب باتريك كوكبيرن في صحيفة ‘اندبندنت’ عن اتفاقات وقف إطلاق النار بين المعارضة المسلحة والحكومة السورية في المناطق المحيطة بدمشق حيث يحتفظ المقاتلون بأسلحتهم وإدارة المناطق الخاضعة لهم مقابل وقف المعارك، وحالة تم تكرار نفس الوضع في مناطق أخرى من سوريا فهناك إمكانية لتهدئة الأوضاع والمعارك التي أدت لمقتل 130 ألف سوري منذ آذار/مارس 2011.
وتحدث الكاتب في تقريره عن اتفاق وقف إطلاق النار في منطقة البرزة، شمال دمشق وهي المنطقة التي تعرضت لحصار منذ تسعة أشهر. ونقل كوكبيرن عن قيادي في الجيش السوري الحر قدم نفسه باسم أبو حمزة ‘قررنا عقد المصالحة لوقف حمام الدم الذي جرى في البرزة’. ووصف الكاتب البنايات في برزة التي كان يعيش فيها 50 ألف نسمة بأنها إما تضررت بشكل كبير أو انهارت بالكامل بسبب القصف المدفعي عليها والتي حرقت الشقق السكنية وفتتت الكتل الإسمنتية.
ووصف الكاتب عودة مئات من اللاجئين إلى برزة يوم أمس بعد أشهر من الرحيل حيث شعروا بالذهول أمام ما رأوه من دمار حل على بيوتهم التي تعرضت في غالب الأحيان للنهب.
ونقل الكاتب عن قيادي في الجيش الحر حديثه عن شروط الإتفاق التي تقضي بإطلاق سراح المعتقلين ‘أتوقع من الحكومة الإفراج عن 350 سجينا من البرزة، وكل ما حصلت عليه حتى الآن هو ثلاث جثث’ واشتكى من نقاط التفتيش التي أقامها الجيش حول المنطقة وأنها لا تقوم بالسماح للشاحنات المحملة بالمواد الغذائية كما وعدت. وفي الوقت نفسه أخلى الجنود نقاط التفتيش القوية حول برزة.
وتوقع القيادي عدم استمرار الهدنة وإمكانية استئناف القتال من جديد. ويعلق الكاتب أن ‘مقاتلي الجيش الحر أو المهجرين العائدين إلى بيوتهم لا يبدو أنهم راغبون في القتال من جديد، وشوهد عمال البلدية وهم يعملون على خطوط الكهرباء لإعادة التيارالكهربائي’.

اتفاقيات مماثلة

ونقل عن طبيب، امتنع عن ذكر اسمه قوله إن المنطقة كان لديها طعام من المخزون في البيوت ولكن لم تتوفر الخضروات ولا الفواكه، وأظهر صورة طفل أصيب في تفجير وحاول- الطبيب ـ علاجه بأدوات طبية غير مناسبة. ويقول أبو حمزة أن 250 رجلا وامرأة ماتوا أثناء الحصار.
ويمضي الكاتب للقول إن حول العاصمة دمشق الكثير من المناطق التي يسيطر عليها المقاتلون التابعون للمعارضة وتعاني من حصار من القوات السورية. وفي معظم الحالات فسكان هذه المناطق كما في برزة التي بقي فيها كما يقول مقاتلو الجيش الحر 25 ألف نسمة، و’بالنظر لحجم الدمار الذي أصاب بيوت المنطقة فيبدو أنه بالغ في التقدير’.
ويضيف أنه مع قلة المواد الغذائية في برزة لم تظهر على السكان علامات الجوع أو سوء التغذية.
ويضيف أن هناك أكثر من هدنة عقت وعدد من اتفاقات وقف إطلاق نار غير رسمية تم التوافق عليها بين المعارضة وقوات النظام ولكنها لم تستمر، ويبدو أن اتفاق برزة الأول من نوعه حيث يستمر فيه مقاتلو الجيش الحر بإدارة الحي، ونظريا يعتبرون جزءا من قوات الدفاع الشعبي، ولكن المقاتلين أكدوا على أنهم جزء من الجيش الحر.
وعندما سئل القيادي في الجيش الحر عن تسليم أسلحة المقاتلين الثقيلة للجيش أجاب ‘لقد كانت الحكومة هي التي طلبت التوصل لاتفاق وليس نحن، ولهذا لا نزال نحتفظ بأسلحتنا’. وأضاف أن المقاتلين المحليين سيبعدون المقاتلين ‘الأجانب’ عن المنطقة.

شكوك

ويتحدث كوكبيرن عن صعوبات دخول برزة على الرغم من الهدنة التي وضعت موضع التنفيذ منذ أيام ورغم أنه يحمل إذنا من الحكومة.
وشاهد كوكبيرن مسجدا أصابته أضرار كبيرة وهناك التقى مع أبو حمزة وبعدها قيادي آخر كان متشككا من وجوده ولكنه بعد ذلك أخذ الصحافي ومرافقيه في جولة ليريهم الدمار الذي أصاب المنطقة.
ويعلق كوكبيرن أن ما شاهده مثير للدهشة لأن المناطق حول برزة لم تتعرض للشيء نفسه والحياة فيها اعتيادية.
ويتساءل في نهاية تقريره إن كانت هناك إمكانية للتوصل لاتفاقيات من هذا النوع في مناطق أخرى من سوريا.
فقد اقترحت الحكومة السورية وقفا لإطلاق النار في حلب ولم يحدث ‘فبعد ثلاثة أعوام من الحرب، الشعب منقسم بسبب الخوف والكراهية، ومن الصعب التوصل لاتفاق هناك لأن الجهاديين هم عنصر هام في المعارضة المحلية’.

هارب من الجحيم

ويبدو حي برزة محظوظا لأنه لم يعان مثل ما عانته المعضمية ولا حي اليرموك. وفي تقرير أعده دان ريفرز، مراسل ‘اي تي أن’ في دمشق وفيه تحدث عن معركة شخص من المخيم للبقاء حيا ‘فقد كان مصطفى حمدان في حالة من الضعف الشديد ويسمع لصوته بصعوبة شديدة، وأخيرا خرج من مخيم اليرموك الذي يحاصره بشار الأسد.
وغطى وجهه النحيل بكوفيته، وجسده الهزيل لا يزن إلا بضع كيلوغرامات أقل من عمره الـ65 ولم يكن يصدق أنه خرج أخيرا من المخيم الذي حاصرته القوات السورية’.
ويقول حمدان ‘إستطعت البقاء من خلال تناولي الحشائش وشجر الصبار’.
وقال إن الطعام هناك كان قليلا وما توفر منه كان ثمنه غاليا- 2 كيلو سكر وأرز تساوي 113 دولار أمريكي. ووصف معاناته بأنه كان يضطر لشرب الماء المضاف إليه بعض البهارات لأيام.. ‘أشعر بالدوخان عندما أمشي’.
وقد سمح لحمدان علي و 15 شخصا من الذين سمح لهم بمغادرة المخيم للمناطق التي تسيطر عليها الحكومة في الإسبوع الماضي، وذلك بعد تفاوض إمام في المخيم مع السلطات كي يسمح للمرضى والمحتاجين.
ويذكر التقرير أن مخيم اليرموك الذي أنشيء في عام 1957 لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة تحول إلى حي صاخب مليء بالحياة والعمارات السكنية لحوالي 200 ألف.
ومع بداية الإنتفاضة نظر للمخيم باعتباره مرتعا لمعارضة النظام السوري، وبوصول المقاتلين هرب السكان من المخيم وتناقص عدد قاطنيه إلى 81 ألف مواطن.
وفرض النظام الحصار على المخيم حيث كان الشعار ‘استسلام أو جوع. وتأثر الأطفال والنساء والكبار في العمر كلما زاد الحصار وضيق على المخيم.

ممنوع التصوير

وأشار التقرير إلى سلطان (11 عاما) الذي رافق أمه المريضة خارج المخيم وهربا من الحرمان والحصار، والتهم سلطان البسكويت الذي قدمه له عمال الهلال الأحمر السوري حيث وصف الحياة في داخل المخيم ‘الوضع سيء ومخيف جدا جدا، ولا يوجد طعام كاف في الداخل’، قبل أن يتدخل المسؤولون ويمنعوا التصوير وهو ما لم ترغب الحكومة بعرضه عندما سمحت لفريق ‘أي تي أن’ الدخول لبعض أجزاء سوريا التي تسيطر عليها.
ويقول التقرير إن المحادثات الجارية في جنيف كانت القصة الأولى التي احتلت عناوين الأخبار على التلفزيون السوري، وطريقة التغطية لها عكست موقف الحكومة الرسمي: فقد سافر وفدها لجنيف لهدف واحد وهو تحقيق اتفاق يقضي على الإرهاب الأجنبي داخل الأراضي السورية.

إلى حلب

وتحدث ريفرز عن محاولات الحكومة السورية التوصل لوقف إطلاق النار في حلب ‘في الإسبوع الماضي كنت أول صحافي بريطاني يزور المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة من المدينة المحطمة وثاني أكبر مدينة في سوريا. وفي الطريق للمركز كانت هناك عشرات البنايات يظهر عليها أثر القصف المدفعي الذي لم يتوقف، وصورتها تذكر بصور الحرب العالمية الثانية’.
ويضيف ‘ولكن في بعض الأحياء الأخرى، كان مفاجئا رؤية الحياة اليومية وهي تسير، المحلات التجارية مفتوحة، والمقاهي تعج بالزبائن، فهذه هي حرب التناقضات الصارخة، والإنقسام المر الذي تصنع عوالم مختلفة، فعلى بعد أميال قليلة هناك جوع وموت ، في جانب الحكومة هناك أطفال يلعبون في المتنزهات وأباؤهم يتبادلون الحديث حول كأس من الشاي’.
ونقل محافظ المدينة محمد وحيد العقاد قدم رواية النظام ‘لا نتوقع الكثير من جنيف-2’، وأضاف ‘نأمل أن تؤدي المحادثات لوقف السلاح والإرهابيين من الدخول لسوريا من الخارج، كلنا سوريون هنا ويجب أن نجلس ونتحدث لبعضنا البعض’.
وقال إن ‘مستوى الضرر هناك يعطي فرصة للأعداء والأجانب الذين يريدون الإضرار بالبلد، فهم يقومون بقطع رؤوس الناس، ليسوا بشرا ويجب التخلص منهم’.
ولاحظ المراسل الصحافي القناصة الذين كانوا يتمركزون على أسطح البنايات فوق مكتب المحافظ حيث يراقبون المناطق الواقعة تحت سيطرة المقاتلين بانتظار هدف على الرغم من تردد الأذان الذي يدعو للصلاة في الشوارع المهجورة في الشمال وغرب المدينة’.

في الريف

ويقدر العقاد عدد المقاتلين بحوالي 50 ألف في داخل حلب وحولها ويسيطرون على المناطق حتى الحدود مع تركيا، اي مساحة 40 ميلا.
ويقول ريفرز ‘كل مسؤول هنا يصف المعارضة المسلحة بالإرهابيين، وهو جزء من رواية النظام حول الحرب الأهلية وأنها ببساطة صراع بين الحكومة والمتطرفين الإسلاميين. ومع ذلك فهذا ليس كل الحقيقة، لان هناك عشرات الآلاف من مقاتلي الجيش الحر لا يزالون يقاتلون للإطاحة بالنظام الديكتاتوري، الذي يقوم كما يقول نقاده بالتعذيب والقتل كما أظهرت كمية من الصور، 55 ألف نشرت الإسبوع الماضي، وكشف عن تفاصيل مرعبة، وعن تجويع وتعذيب منظم لمعارضي نظام بشار الأسد.

في السجن

ورغم أنه من الصعب مقابلة الناجين من سجون الشرطة السرية سيئة السمعة ‘لكن امرأة حدثتني عن صديق لها اعتقل وهو في سيارة وبطريقة عشوائية، واتهم بدعم المقاتلين، ونقل الرجل وهو في الخمسينيات من عمره حيث وضع في زنزانة مع 60 شخصا وعذب وظل في الحجز مدة عام كامل، ولم يتم تقديمه أبدا للمحاكمة ولا توجيه اتهامات له حيث تم الإفراج عنه بدون مقدمات’.
وفي بعض المناطق يحاول الإسلاميون كما يقول ‘اختطاف الثورة’. ويشير إلى بلدة تل حاصل التي تبعد بضعة أميال إلى جنوب- شرق حلب والتي احتلها المقاتلون الإسلاميون لمدة عام تقريبا قبل أن يعيد النظام السيطرة عليها والروايات التي يقدمها سكانها تثير الرعب، فعلى كل بناية من بناياتها شعارات جهادية تؤكد أنها ملك للدول الإسلامية في العراق والشام.
وبدأ سكان البلدة ومعظهم من الأكراد بالعودة إليها، وقالوا إن عددا من سكانها أعدمتهم الدولة الإسلامية لارتكابهم أخطاء بسيطة. وصرخت خاتون آغا (56 عاما) أنهم عادوا لبيوتهم ولم يجدوا أي شيء للأكل أو الشرب وقالت ‘داعش لم تترك أي شيء في البيوت، لقد أخذوا سياراتنا وسرقوا كل شيء، ولا يوجد لدينا أغطية حتى نتدفأ بها’.
ويزعم النظام أن 300 جهاديا اتخذوا من مستشفى ابن خلدون للصحة النفسية مركزا للقيادة حيث قاموا بفرض القوانين القاسية على السكان.
ويقول المسؤول الأمني المحلي إن معظم الجهاديين جاؤوا من الأردن وليبيا والشيشان والسعودية، مع أنه لم يقدم أدلة لتدعيم ما يقول. ولكن مدخل المستشفى يدلل على أن معركة حامية جرت لطرد المقاتلين الإسلاميين حيث تنتشر أحزمة الرصاص الفارغة في كل مكان.
حرب عقائدية

ويعلق الكاتب على الحرب في سوريا ‘قبل ثلاثة أعوام كانت الإنتفاضة السورية ضد نظام بشار الأسد لكنها الآن وفي وبعض الأماكن تبدو كحرب تضع معتقدات ضد بعضها البعض. ففي صيدنايا التي لا تبعد إلا أميالا للشمال من دمشق قام السكان المسيحيون بتشكيل ميليشيا خاصة بهم ‘أبناء صيدنايا’.
ويقول أجياد شيخ وهو مصور شارك في المعركة ضد مقاتلي جبهة النصرة التي لا تزال جثث 20 من مقاتليها المحروقة ملقاة على التلة المحيطة بالبلدة. ويختم الصحافي تقريره ‘يبدو النظام وبشكل متزايد واثقا من نفسه وأنه يملك اليد العليا، فأساليبه الوحشية يبدو أنها تحقق ثمارها، ولا توجد أي ملامح عن نية الجيش تخفيف الحصار على الأحياء المحاصرة مثل اليرموك رغم كل المناشدات لتسهيل المساعدات الإنسانية التي صدرت من جنيف. وفي الوقت الذي قضى فيه حمدان علي نهاية الأسبوع وهو يتعافي من سنة في جحيم الحصار فهو قلق على الآلاف المحاصرين فيه ‘الناس هناك يترنحون مثل السكارى، ولكنهم جوعى’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية