د. سهير ابو عقصة داود
في حين بدأت بعض الصحف الاسرائيلية بنشر مقالات تناقش الحرب الهمجية علي لبنان متسائلة عن الدوافع الحقيقية لها، عن الثمن الذي يدفعه الاطفال والمدنيون الي حد اعتبار ان الاجماع القومي علي هذه الحرب لا يجعل الحرب عادلة ولا يعطي اسرائيل حق انتهاك بلد انتهكته مراراً ومراراً وعاثت به الدمار والخراب مرة ومرات بحجة المنظمة الفلسطينية ومرات اخري بحجة حزب الله يصطف في الجانب العربي هؤلاء الذين لا يهمهم طرح السؤال ولا البحث عن الجذور وانما فقط في اتهام المقاومة وفي نشر البلبلة والالتباس بين صفوف الناس الذين اثبتوا مراراً ان حسهم الوطني اعمق واصدق من هؤلاء السياسيين الذين يترزقون علي الدم والخراب وزرع الفتنة.
واكثر ما استفزني في هذه الايام العصيبة علي كل عربي وكل انسان ليس موقف الادارة الامريكية فهذه لا امل فيها، ولا الحكومات العربية، فهذه لا امل فيها ايضاً انما هؤلاء الاطراف اللبنانيون والذين لم يخجلوا بالتنظير والتسويق للاهداف الاسرائيلية والدولة اللبنانية التي لم تعرف كيف تدافع ولو بالموقف عن ملايين مواطنيها الذين اصبحوا تحت رحمة الجزار الاسرائيلي واعوانه في الشرق والغرب.
ومما يثير الاشمئزاز ايضاً هؤلاء الذين فتحت لهم الحرب ابواباً للشهرة وللتملق علي صفحات الجرائد والفضائيات. اصبح الجميع محللين.. واصحاب كلمة ورأي يتحدث به باسم الجميع. فهذا الذي يتملق للصحف الاسرائيلية ويشكي المه وهمه لوقوعه بين الدولة التي يعيش فيها مع انه عربي وبين الدولة التي تواجه العدوان وبها آلاف من شعبه اللاجئ ومن اخوانه العرب. هذا لا يخجل ان يثني علي ان اولمرت عزي اهل الناصرة باستشهاد طفليهم في حين لم يفعل السيد نصرالله ذلك (يبدو انه لم يستمع الي خطاب شيخ المقاومين) ولم يرتدع عن الوقوف بجانب الدولة التي تمارس الارهاب علي شعبه الفلسطيني منذ اكثر من خمسين عاماً. هل هنالك فعلاُ مكان للحيرة؟ للانتماء الثنائي في هذه الحرب غير العادلة؟ لا اعتقد ان هذا يجب ان يكون.
الانتماء الاثني او الديني ليس هو الذي يجب ان يحدد عدالة القضية او المعركة. عدالة قضية الشعب الفلسطيني واللبناني مقابل الاطماع الاسرائيلية في لبنان وارض فلسطين، في خلق شرق اوسط ذليل للمصالح الاسرائيلية التي تلتقي مع مصالح الذين تزعموا بقوة الارهاب علي شعوبهم. عندما يتساءل بعض الاسرائيليين عن ماهية هذه الحرب ويقولون بصوت عال انها حرب غير عادلة وان اسرائيل تعتقد انه يحق لها ما لا يحق لغيرها من العار ان نسمع الاصوات العربية تتهم حزب الله بأنه جر هذه الحرب علي لبنان. او ربما حزب الله ايضاً جر نكبة فلسطين؟ ماذا كانت الذريعة يومها؟
لمن يريد الا يفيق الافضل الا تفيق. اشرف للجميع ان تصمت من ان تطالعنا صورك ايها السياسي، ايها المحلل.. ايها المتخاذل ايها الواهم.
هل هذه معركة اعلامية؟ لا شك ان للحرب الاعلامية دورها هنا ولكن الحرب ليست في جوهرها اعلامية بل حرب شرسة لها جذور تمتد الي البعيد البعيد.. يوم جاء القرار الصهيوني لبناء وطن يهودي في فلسطين مدعوماً بالدولة الامبريالية بريطانيا. من اعتقد ان المشروع الصهيوني قد تحقق بزرع الدولة العبرية فهو خاطئ. اثبتت اسرائيل وتثبت اليوم في عدوانها الجديد علي لبنان ان مخططات الامبريالية العالمية المتمثلة اليوم بالولايات المتحدة اساساً لم تتحقق بعد.
وهذه هي القضية لهذا المحتل: هم لا يريدون ان يدفعوا الثمن.. فقط ان ينهبوا ويحتلوا ويقتلوا ومن ثم ان يذرفوا دموع التماسيح عندما يتصدي لهم المظلومون والواقعون تحت نير الاحتلال عقوداً وعقوداُ.. هم لم يتعودوا علي فكرة ان يدفعوا الثمن. لا يستطيعون قبولها لانهم لا يستطيعون تقبل فكرة ان العرب.. الفلسطينيين، اللبنانيين لديهم ارادة.. لديهم مقاومة.. لديهم صمود. كل ما يلزم لتحدي عسكرتهم وجبروتهم. هذه الرؤية والعقلية الاستعلائية.. الاستعمارية هي التي توجههم ليس اكثر من قراءة التعليقات علي مطالبة حسن نصرالله للمختطفين بعدم الاستسلام للضغوط والتراجع عن قضية تحرير الاسري لرؤية هذا الحقد العنصري الاعمي وتشعيل الراي العالمي بتحريف القضية بأنها ضد التطرف والمد الاسلامي المتمثل بحماس وحزب الله وليس قضية شعبين يدفعان الاثمان الغالية من اجل الحرية والتحرر.
عقلية المحتل لم تتغير.. وليس هذا مفاجئاً. الخوف هو ان نتغير نحن تحت اوهام التعايش والسلام. لا تعايش ولا سلام مع محتل. مع من يرفع البندقية في وجه اطفال فلسطين ولبنان.. مع الذين يحركون الدبابات ويطلقون الصواريخ ويضيئون سماء غزة ولبنان المعتمة بالبارود والدماء.. مع عمير بيرتس، وزير الدفاع، الاجتماعي الذي هلل له بعض العرب في الداخل واستقبلته الحكومات العربية قبيل منافسته في الانتخابات الاخيرة.. هذا هو القاتل الجديد واعضاء حزبه العرب الذين خرسوا فجأة بعد ان صدئت السنتهم بالحديث عن المنقذ والبديل وقت عملية لم الاصوات.
لقد جاءت عملية حزب الله ـ التي رغم شهدائها الكثيرين ـ لتفضح مرة اخري هذا الذل العربي الذي لا يريد ان ينتفض وهذا الجبن الاسرائيلي الذي لا يجرؤ الا ان يتخفي وراء آليته العسكرية وفي الملاجئ وان يؤكد انه ما زالت هنالك مقاومة. وكيف لا نعوّل علي هذا الصمود؟ كل صبي تلتهب الارض من تحت اقدامه الآن يعلم ان صموده هو بندقيته فألف تحية الي شعبــنا في فلسطين ولبنان والجليل.
ہ كاتبة ومحاضرة فلسطينيةفي العلوم السياسية ـ الجليلكاليفورنيا8