الحرب العربية الأهلية الثانية والربيع الأسود العربي

حجم الخط
0

كأي مواطن عربي تابعت باهتمام ما يحصل على ساحتنا العربية، من انهيار مضاعف في مقدراتنا التاريخية والثقافة والمادية، إنه إهدار بالجملة لكل المقومات التي ادخرناها مُطولا من أجل استكمال تلك اليوتوبيا التي ضاعت فجأة، ومن دون تقدير استشرافي لحمق الغوغاء، ولوهن السلطات العربية البائسة. إن الوضع الذي نحن عليه ومن ناحية استراتيجية ينبئ بضعف قدراتنا الاستشارية التي لم تتمكن من فهم طبيعة الحراك الجيوبوليتكي في المنطقة، هذه المنطقة الملغمة بأكثر من سبب لإدخالها في حروب استنزاف عالية الوتيرة، حروب داخلية لا خارجية، هذه الوضعية المأزومة تجعلنا نفكر اليوم بجد في ضرورة مُعاودة كل الخطط المستقبيلة التي تبقى ناقصة، من دون وجود فضاء حقيقي ينصهر فيه الجميع، لكن هل هذا الفضاء متاح لنا بعد أحداث الربيع العربي الأخيرة؟
ما حصل ينم عن وجود طبقات لطالما أهملتها السلطة العربية، أصبحت اليوم الوقود الذي يحرق الدولة، طبقات غوغائية ساهمت في تكوينها المنظومات التربوية الهشة والسياسات الاقتصادية الارتجالية، إنهم صنيعة دول ما بعد الاستقلال المغشوشة.. ها هي هذه الدول تُنجب اليوم شرائح العقوق المطلق، شرائح تبحث عن الحرية والحقوق، تستخدم مطالبها العادلة في تقويض البنيان الأخلاقي الذي ظل لفترات هو الرأسمال الرمزي لدولنا الواهنة والضعيفة. فخرج الناس ومن ورائهم مجموعة من الإعلاميين يتذاكون على الناس، وسرعان ما يتغابون إذا صعد للحكم حاكم جديد يطلبون له أغنية لا تتجاوز حناجرهم الشاردة في صحراء يابسة قاحلة.
هذا السيناريو التراجيدي بلغة أهل السينما يعيد علينا وضعيات حرجة سبق أن مرت في تاريخنا المتخم للأسف بامثال هذه النماذج، الذين يميلون في اتجاه خطاب الطائفية والعشائرية، هذا الوضع يفرض علينا ملاحظة ان أزماتنا الداخلية كانت أكثر خطرا وتأثيرا، هل نطس رؤوسنا في التراب ونقول انها ثورة الجياع؟ إن مثل هذا القول يهين الشعوب، يهين قواها العاقلة، هذه الانتكاسة في بنيتها السطحية تعبر عن حاجة زمنية لبناء دول مانعة لنفسها، ولكنها في بنيانها العميق تعبر عن ضرورة مهمة، للبحث عن مصدر الفيروسات التاريخية التي مازالت تنخر دولنا من الداخل، من عدم تأسيس عقد اجتماعي قائم على التسامح وتجاوز الخلافات القديمة.
فهذه الكلمات تتأمل بعمق العلل الحقيقية التي أعضلتنا، وجعلتنا نكرر طريق الفشل كل مرة ولا نجد حلولا جذرية لمشاكلنا الطائفية والعشائرية، استطعنا أن نبني هياكل دول، ولكنها مجوفة من الداخل، دويلات تنخرها إشكاليات قديمة كلما أبانت عن رأسها، تساقطت هذه المباني المغشوشة.
إن ما نشاهده اليوم ما هو إلا استمرار للسيناريو التاريخي، الذي لم نحسمه إلى الآن وانقسمنا في سبيله إلى سُنَّة وشيعة، نحن في الحقيقة نعيش على استمرار وقع تلك الحرب الأهلية الأولى، حيث ما زالت جلجلة الخيول وصلصلة السيوف تسمع إلى الآن، التي حصلت بسبب الصراع على السلطة بين معاوية بن أبي سفيان وعلي بن طالب، تلك الحرب وما تراكم منها من إشكاليات توسعت إلى المجال العقدي والفقهي والحياتي، هي من رسمت في اللاوعي الجمعي مقدرات التناحر والتنابز والتقاتل بين أمة واحدة، تلك الموجهات القاعدية لكبرى الإشكاليات البنيوية في تاريخنا العربي ما زالت تحصد الأرواح إلى الآن. هذه الحرب الطائفية الثالثة الناتجة من المخزون التاريخي للحرب الأهلية الأولى باتت واضحة للعيان في المشرق العربي، وسوف تكون حاسمة في الخليج العربي، هذه الحرب لن تكفي معها أموال الذهب الأسود أن تطمس رأس الفتنة بعدما بان وبرز، خاصة أن بُيوض الانحرافات والأحقاد فقست وكشف عن أدوارها في المنطقة من لحظة إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ‘خطة الشرق الأوسط الكبير’ تلك الخطة التي عرف أنها تحاول إعادة الخريطة الجغرافية للمنطقة، وذلك التدبير واضح جدا في العراق وفي سورية ومصر وليبيا الآن ولبنان والسعودية بعد سنوات.. إنها خطة تهدف إلى إفراز دويلات ‘قومجية’ أو طائفية وحتى مذهبية يشارك في تركيز ذلك الدور الحزين للذهب الأسود، وكأن باطن الأرض يُعدِّل من وضعية الخارج، هذه الدور الأمريكي الذي فهم الوضع التاريخي واستثمر بذكاء شديد في إذكاء الغباء المذهبي ومن وراءه العشائري، وهنا ستكون المنطقة وفق الترسيم الجديد عبارة عن دويلات صغيرة فاقدة لسمة القرار السيادي، فهي عبارة عن محميات دولية من قبل الأمم المتحدة، مناطق جغرافية منهكة ومستلبة من الداخل واهنة وضعيفة، لأنها مناطق محظورة دوليا وخاضعة للحماية، مناطق جغرافية عرقية ومذهبية تفتقد للمشروع القومي الكبير الذي كان قاب قوسين أن يجمع الناس على صعيد واحد. فالأوضاع الراهنة وما يسمي بالربيع العربي ما هو في العمق إلا إثارة لتلك النزعات التاريخية للخلاف السياسي المذهبي والطائفي، هذا الوضع الذي كشف عن هزال أصاب الخبرات الاستشارية داخل السلطة العربية التي لم تحصن نفسها ضد الأزمات الداخلية والخارجية.
إن هذا الوضع الكارثي يجعلنا نفكر بجد في ضرورة؛ فتح النقاش طويلا بين مختلف المذاهب والطوائف، وتأسيس عقد اجتماعي قائم على المساواة والحسم القانوني.
وضرورة إزالة القاموس التاريخي للسباب والشقاق القــــائم على التكفير والتخويف، فإذا كان مقدرا للاوائل أن يتصارعوا، فقد كان الأمر منهم على سبيل الاجتهاد، لنعش حياتنا من دون تأويل ايديولوجي، هذا التأويل الذي أصبح هادما للذات والمعيش ومقوضا للراحة التاريخية، إن تاريخنا مليء بأشكال مضاعفة الألم وأصناف التعبير عنه، فهل يمكننا أن نتجاوز تلك السلوكيات، هذه الأشكال الرمزية لخلق العداوة تجعلنا نضاعف الجروح التاريخية، وتمديد عمر الحرب الاهلية التي ستأخذ في الاتساع والامتداد ما لم نعش زماننا الأرضي الراهن من دون ان تكون تلك الموقوفات التاريخية أزمات حالية. فالقادم يتطلب منا صبرا مضاعفا على أشكال الغباء التي تسكن منابت القرار، وعلى الفورة العاطفية التي نحولها عند أقرب نقطة في التاريخ إلى مأتم أو صراع داخليا يعطل أفقنا الوجودي نحو التطور، وكأن هناك قدرة داخلية فينا تكفنا عن التفكير نحو التقدم، بل بالعكس تدفعنا نحو اجترار الماضي في صوره البشعة وإحياء حروب لم نكن طرفا فيها وإذكاءها بمعجم فقهي ما عاد يوائم تطلعات الأرض.

‘ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية