الحرب الكبيرة والحروب الصغيرة

حجم الخط
1

نجح مارون بغدادي في اختيار عنوانين ساحرين لفيلميه الطويلين عن الحرب الأهلية اللبنانية، ولم يتسنّ له الوقت كي يكتب عنوان فيلمه الأخير الذي قضى وهو يستعد للبدء في تصويره.
فيلمه الأول جاء بعنوان ‘حروب صغيرة’ وفيلمه الثاني حمل عنوان ‘خارج الحياة’.
نجد في ‘حروب صغيرة’ (1982) كل قلق البدايات والتباساتها، فيلم مصنوع من ذاكرتين: ذاكرة فردية هي محصلة ذاكرة مارون بغدادي الشخصية وذاكرات ممثلي الفيلم وممثلاته وبعض اصدقاء المخرج، ومن بينهم وليد جنبلاط، وذاكرة لبنانية عامة كانت مشوشة ولا تزال. الذاكرة الأولى تتذكر، بل وتطلب من الممثلين والممثلات ان يمثلوا انفسهم، او بعضا منها، اما الذاكرة الثانية فخرساء، او عاجزة عن حمل صورة جامعة للبنان وحروبه، فاكتفت من الحرب ببعض مظاهرها، وأهملت عمدا خطاباتها المتناقضة.
اما ‘خارج الحياة’ (1991)، فيلمه الأخير، فجاء ناضجا على مستويي الأسلوب السينمائي والمقترب الفكري، لأنه نجح في تجاهل الحروب اللبنانية الصغيرة، ليطرح مشكلية خطف الأجانب في لبنان، التي ذهب ضحيتها كثيرون، ومن بينهم المستعرب الفرنسي ميشال سورا.
المخرج السوري عمر اميرالاي روى حكاية سورا في رائعته ‘في يوم من ايام العنف العادي مات صديقي ميشال سورا’ (1996). اما بغدادي فلجأ في فيلمه الى كتاب الصحافي الفرنسي روجيه اوك: ‘رهينة في بيروت’. وكان عليه ثم علي انا، عندما تورطت في كتابة السيناريو، الخروج من اسر السذاجة، كي نبني فيلما مليئا بالحياة عن الخروج من الحياة!
بمقدار ما كان فيلم ‘حروب صغيرة’ تسجيلا وفيا لذاكرات شخصية، جاء ‘خارج الحياة’ محاولة لاكتناه مأزق الحرب، عندما اختلطت الحروب الصغيرة، بالحروب الكبيرة على مصير المنطقة ومسارات محاولات الهيمنة عليها، خصوصا بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982.
قد لا يجد المشاهد صلة مباشرة بين الفيلمين، وهذا صحيح. فمارون بغدادي، على الرغم من افلامه الأولى التسجيلية، التي التزمت خط الحركة الوطنية، كان في العمق لا يبحث عن التاريخي او السياسي بل عن الجمالي. وهنا تقع مفارقة الكتابة والسينما والابداع بشكل عام، في ازمنة الحروب والتفكك.
يمكننا ان نرى بيروت في عين السينمائي بوصفها ديكورا للخراب والحرب. وهذا ما التقطه المخرج الألماني شلوندورف في فيلمه The Circle of Deceit، (1981) ثم قام بغدادي بتطويره في حروبه الصغيرة، محولا المشهد الى ترسيمة ثابتة في سينما الحرب اللبنانية.
الجمالي يقوم على اللعب، والاقتراب من المأساة مع الاحتفاظ بمسافة عنها، وفي حالة بغدادي اتخذ هذا الاقتراب- الابتعاد شكل المزج بين المُزاح والتراجيديا، وبين الاعجاب بالسينما الاميركية والسعي الى بناء افق سينمائي مصنوع من تجربة بيروت وحياتها اليومية.
في ‘حروب صغيرة’ بدأ المُزاح بصورة المخرج شهيداً، وفي ‘خارج الحياة’ جاءت لعبة تغيير الأسماء لتضفي نكهة كوميدية على لحظة يأس تراجيدية.
تشكّل فيلم ‘خارج الحياة’حول مجموعة من التناقضات كان ابرزها تناقض يأس المخطوفين اللبنانيين وبؤسهم مع صورة المخطوفين الأجانب، الذي انتهى اغلبهم الى الحرية، بينما اختفت آثار المخطوفين اللبنانيين الى الأبد.
حين رأيت الفيلم لأول مرة، وكان ذلك في ‘مهرجان كان السينمائي’، عندما فاز بغدادي وفيلمه بجائزة النقاد، فوجئت باداء الممثل الفرنسي الذي لعب دور المخطوف باتريك. كان من المفترض بالمخطوف الفرنسي ان يتصرف بشكل آخر ويكون دعيّا ونزقا، لكن صورة باتريك، بدت في الفيلم على شكل ضحية مطلقة. وعندما ناقشت المسألة مع المخرج، قال مارون ان الممثل الفرنسي انهار اثناء التصوير، ولم يستطع ان يركّب شخصية تحمل تناقضات معقدة، فتحول الى ضحية.
انجاز ‘خارج الحياة’ الاكبر هو انه استطاع ان يولف بين الاقتراب من الحرب والابتعاد عنها في آن معا. وهذا تمّ لأن الفيلم استطاع التقاط سياق جديد برهافة وحس نقديين، وهنا تجلت موهبة مارون في افضل صورها. ذهب الى حكاية معقدة، وقام بتفكيك عناصرها، ثم اعاد توليفها في رؤية جمالية، خرجت من اطار الجلاد والضحية لترى بعض سمات الجلاد في وجه الضحية وبعض سمات الضحية في وجه الجلاد.
هذا ليس موقفا حياديا كما يظن البعض، بل هو لبّ اللعبة الفنية ومأزقها في آن معا. ان يمتلك الفنان عينا تسمح له بأن يرى الأبعد ويضع المسألة في سياق يسمح له بأن يقرأ الحاضر بوصفه ماضيا، فيسخر منه ويضمد جراحاته في الوقت نفسه.
لعب بغدادي الحرب بكل فصولها في افلام متعددة، من فيلمه الأول ‘بيروت يا بيروت’ الذي كان مؤشرا الى الانفجار الكبير، الى فيلمه الأخير عن ‘الغفران’ الذي بدل ان يصور ابطاله صار هو بطله الوحيد، فقضى كما يليق بالأبطال ان يموتوا، وهم يرسمون النهاية التي تشبه البداية.
لعبة الاقتراب- الابتعاد، وهي لعبة جيل كامل من المثقفين والفنانين والادباء اللبنانيين، كان ثمنها غاليا، ولا نزال نشعر، ونحن على مفترق العمر، ان الثمن لم يدفع كله، وان سمير قصير لن يكون للأسف آخر من يدفع ثمن البحث عن الحرية في غابات الحروب الصغيرة والكبيرة المستمرة منذ اربعة عقود.
منذ عشرين عاما مات مارون بغدادي ملفوفا بالعتمة والصمت. كل هذا الصخب الذي صنع افلامه ورافق حياته، كل هذا الجمال الذي شع من عينيه، وهذه الدماثة التي احاطت به، كلها انتهت في قاع درج منزله في التباريس.
كانت هذه النهاية تليق ببطل فيلمه الذي عاد الى لبنان كي يبحث عن قتلة ابيه ويغفر لهم. لكن بدل ان يموت البطل، كما يحصل في الأفلام والروايات، مات المؤلف.
هذه هي بيروت، التي صار مصير بلاد الشام كلها اليوم شبيها بمصيرها. فاللعب في ازقة الحروب الصغيرة يرمي بنا الى خارج الحياة، سواء متنا ام لم نزل احياء، وفي هذا الخارج الذي لا بد منه نحلم بأن الحياة قد تكون هناك، اي على هامش هذه الحياة، او حتى خارجها!
القيت اجزاء من هذه المداخلة في ندوة ‘مارون بغدادي مصوراً الحرب’، الخميس 13 حزيران/يونيو، في الندوة التي نظمها ‘نادي لكل الناس’ في مسرح المدينة في بيروت، في اطار ‘ايام مارون بغدادي السينمائية ‘، وشارك فيها فواز طرابلسي وسمير فرنجية الى جانب كاتب هذا النص.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية