تحاول أنقرة الحفاظ على حيادها في الأزمة من خلال عدم اتخاذ مواقف عدائية ضد روسيا من قبيل إغلاق المضائق أو العقوبات أو تقديم دعم عسكري مباشر لأوكرانيا.
إسطنبول ـ «القدس العربي»: رغم مساعيها السابقة لتجنب الحرب وعرض الوساطة بين الطرفين، إلا أن بدء الغزو الروسي لأوكرانيا وضع المخاطر المتوقعة واقعاً أمام تركيا التي باتت أمام تحديات صعبة أبرزها خطر الصدام مع روسيا، في المقابل فتح أمامها فرصة جديدة لإعادة ترميم علاقاتها مع المعسكر الغربي وتعزيز موقعها في حلف شمال الأطلسي «الناتو».
ففي الأسابيع التي سبقت بدء الغزو الروسي، سخرت تركيا كافة إمكانياتها الدبلوماسية في محاولة لتجنب الحرب التي كانت تعلم مسبقاً أنها ستفرض عليها خيارات صعبة، وفي هذا الإطار قدمت نفسها وسيطاً بين روسيا وأوكرانيا وحافظت على مواقف «وسطية» تجنبت من خلالها اتخاذ مواقف متشددة يمكن أن تظهر وقوفها إلى جانب طرف على حساب الآخر، على أمل نجاح الوساطة التي لم تتكلل بالنجاح بسبب إصرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إجبار الإدارة الأمريكية بنفسها على التفاوض معه.
وفي إطار محاولة اتخاذ موقف «وسطي» حذرت تركيا مراراً روسيا من غزو أوكرانيا وأكدت على دعمها الكامل لوحدة الأراضي الأوكرانية. في المقابل، وجه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان انتقادات لاذعة للناتو وقال إن الحلف والإدارة الأمريكية على نحو خاص لم تأخذ المخاوف الأمنية الروسية بعين الاعتبار. لكن عقب بدء الغزو الروسي، أصدرت أنقرة سلسلة إدانات واعتبرت ذلك بمثابة «ضربة قاصمة لأمن المنطقة» وقالت الرئاسة التركية عقب قمة أمنية جمعت اردوغان وكبار المسؤولين وقادة الجيش والاستخبارات إن الغزو الروسي غير مقبول وينتهك القانون الدولي، وتعهدت بأن تركيا ستواصل دعمها وحدة أوكرانيا السياسية وسيادتها ووحدة أراضيها.
وكان التحول الأبرز في تصريحات الرئيس التركي الذي لام الناتو سابقاً على عدم تفهم المطالب الأمنية الروسية، بانتقاد الناتو لعدم اتخاذه خطوات «أكثر حزماً» في السابق، وقال الجمعة: «كان ينبغي على حلف شمال الأطلسي أن يتخذ خطوة أكثر حزما حيال التطورات في أوكرانيا».
وأضاف: «للأسف الاتحاد الأوروبي والغرب برمته لم يظهروا وقفة حازمة. كان ينبغي على الناتو أن يتخذ خطوة أكثر حزما» مشددا على أن الغرب قدّم كمّاً كبيرا من النصائح حتى اليوم وما زال يقدم نصائحه، وعبر عن أمله قبيل قمة الناتو «على ضرورة ألا يخرج عن قمة قادة دول حلف الناتو مجرد حفل إدانات».
ولفت اردوغان إلى أن تركيا وضعت أمين عام حلف الناتو ينس ستولتنبرغ في صورة الموقف التركي خلال المشاورات والاتصالات السابقة، مضيفاً: «الغرب لم يقم بفعل ملموس على الأرض» معربا عن أمله في صدور موقف أكثر حزما من قمة الناتو.
وشارك اردوغان الجمعة في القمة الطارئة لقادة دول حلف شمال الأطلسي لبحث التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا بحضور وزير الدفاع خلوصي أكار، ورؤساء هيئة الأركان العامة يشار غولر، وجهاز المخابرات هاكان فيدان، ودائرة الاتصال بالرئاسة فخر الدين ألطون، والناطق باسم الرئاسة إبراهيم قالن.
وإلى جانب الاتصالات التي أجراها اردوغان مع الرئيس الأوكراني جرت اتصالات بين وزراء خارجية ودفاع تركيا وأوكرانيا في تأكيد على الدعم التركي لأوكرانيا في وجه الغزو الروسي، وأجرى اردوغان ووزيرا دفاع وخارجية تركيا سلسلة اتصالات مع نظرائهم الغربيين لتنسيق المواقف، مع التأكيد على دور تركيا «الفاعل» في حلف الناتو، وهو ما يتيح بحسب خبراء فرصة أمام تركيا لتحييد الخلافات التي تصاعدت في السنوات الماضية بينها ودول الحلف وبدء صفحة جديدة تعزز من علاقات تركيا ومكانتها في المعسكر الغربي.
لكن هذه المواقف تبقى «مقبولة» من جانب موسكو لعدم الدخول في صدام مع روسيا إلا في حال بدأت تركيا باتخاذ خطوات عملية أبزها الانضمام إلى حزمة العقوبات الغربية ضد موسكو، أو المشاركة في التحشيد العسكري، أو تلبية مطالب أوكرانيا المتزايدة بإغلاق مضيقي البوسفور والدردنيل أمام السفن الروسية، وهي جميعها إجراءات في حال لجأت لها أنقرة يمكن أن تشكل بداية لخلاف مع روسيا يهدد العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية بين البلدين.
في الجانب العسكري، وعلى الرغم من أن تركيا أقامت مع أوكرانيا في السنوات الأخيرة تعاوناً عسكرياً وخاصة في مجال الصناعات الدفاعية وباعتها طائرات بيرقدار التي يستخدمها الجيش الأوكراني في المعارك الحالية، إلا أنها لم تقدم أي إشارة على نيتها تقديم أي دعم عسكري لكييف في ظل الحرب.
وفي هذا الإطار، اكتفى وزير الدفاع التركي خلال اتصال هاتفي مع نظيره الأوكراني بالتأكيد على استعداد أنقرة لتقديم دعم إنساني إلى أوكرانيا، لافتاً إلى أن بلاده «ستواصل القيام بما يقع على عاتقتها مثلما كان في الماضي من أجل إرساء السلام والاستقرار».
وفيما يتعلق باتفاقية «مونترو» ورغم مطالبة أوكرانيا لتركيا بشكل رسمي بإغلاق المضائق التركية أمام روسيا بموجب الاتفاقية، اكتفى مسؤولون أتراك بالتأكيد على «الدور الفعال» لاتفاقية مونترو «في الحفاظ على السلام الإقليمي» كما أكد وزير الدفاع التركي على أهمية الحفاظ على الاتفاقية وقال وزير الخارجية إن أنقرة «ستطبق كامل بنود اتفاقية مونترو الخاصة بالمضائق التركية، دون الكيل بمكيالين» بدون توضيح أكثر للموقف التركي.
من جهته، أكد رئيس البرلمان التركي مصطفى شنطوب، أن أحكام معاهدة «مونترو» بشأن تنظيم حركة المضائق واضحة ولا لبس فيها وأن أنقرة تلتزم بها حرفياً، مضيفاً: «أنقرة تراعي مبادئ وأحكام معاهدة مونترو بعزم وبشكل واضح. تركيا التزمت حرفياً حتى اليوم بأحكام المعاهدة المذكورة، وستواصل ذلك بعد اليوم أيضاً».
وتشير كافة المواقف التركية السابقة إلى أنقرة وعلى الرغم من مواقفها الواضحة في إدانتها للغزو الروسي، لا تزال تحاول الحفاظ على حيادها في الأزمة من خلال عدم اتخاذ مواقف «عدائية» ضد روسيا من قبيل إغلاق المضائق أو المشاركة في العقوبات الغربية أو تقديم دعم عسكري مباشر لأوكرانيا، بالمقابل تحاول استغلال الأزمة لتعزيز حضورها في الناتو، وهي مهمة معقدة يحكم نجاحها أو فشلها مدى تطور الأوضاع عسكرياً خلال الأيام والأسابيع المقبلة.