المؤسسات الفلسطينية ومن ضمنها الحق بثت ما يمكن ان يطلق عليه «تنبيه عاجل» طالبت فيه المجتمع الدولي التدخل الفوري في أعقاب «غزوة المؤسسات السبع».
رام الله ـ «القدس العربي»: نشر مركز «بيسان» للبحوث والإنماء صورا لمراحل تصاعد الخراب الذي تعرض له المركز ابتداء من اقتحام الاحتلال له فجر 29 تموز/يوليو 2021 حين عاث الاحتلال الإسرائيلي فيه فساداً، كما سرقوا حجر الرخام المكتوب عليه «بيسان» والمتواجد منذ أن أرسيت دعائم المؤسسة ودُشّنت عام 1989 إلى اقتحامهم الثاني فجر الخميس الموافق 18 آب/اغسطس الجاري حيث أغلقوا المؤسسة ولحموا الباب مع وضع قرار بالإغلاق النهائي والدائم.
وصف المركز ذرائع الاحتلال بإنها «تفوق درجات الغباء بمراحل، لكنها ليست جديدة على استعمار احتلالي يقوم على أنقاضنا».
وكتب المركز ما يُعتقد أنها خلاصة الفعل الاحتلالي مفادها أن: «الاحتلال الجبان يخاف من نجاحات العمل التنموي الحقوقي في فلسطين، ومن كل صوت يفضح جرائمه على الأرض». وأضاف المركز بالإنكليزية ما مفاده «أنه منظمة رائعة ومتميزة وذات سمعة طيبة، وستستمر في نشاطها في مهمتها وعملها، سواء مع الحجر الرخامي أو بدونه. إن عمل الاحتلال الجبان لن يخيف أحداً من مواصلة العمل التنموي والإنساني والالتزام بتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية الواسعة النطاق والممنهجة لحقوق الإنسان ضد الشعب الفلسطيني».
يبدو ذلك الموقف امتدادا لمواقف المؤسسات الأهلية الست: مؤسسة الحق ومؤسسة الضمير ومركز بيسان للبحوث والإنماء والحركة العالمية للدفاع عن الأطفال- فلسطين واتحاد لجان العمل الزراعي واتحاد لجان المرأة الفلسطينية. ويضاف إليها مؤسسة سابعة وهي لجان العمل الصحافي التي تم اعتقال مديرتها سابقا والتنكيل بها.
أنظمة الخلاص من الفلسطيني
وحسب الباحثة نور بدر فإن ما فعله الاحتلال من إغلاق مؤسسات فلسطينية وفق أنظمة الطوارئ التي أعلنها الانتداب البريطاني على فلسطين في العام 1945 لا يمكن أن يوصف إلا بكلمة «فظاعة!».
وتابعت حديثها: «من يقرر مستقبلك الآن إنما جيش يرتكز في ذبحك على ما أعلنه البريطانيون قبل ما يقارب 78 عامًا!».
تستشهد الباحثة بدر بطرح القانوني رجا شحادة الذي يقول إنه حتى قوانين الطوارئ لسنة 1945 لم تكن جزءًا من قانون البلد في سنة 1967. وإنما وجدت اسرائيل أنه من الملائم إحياءها. فالبريطانيون أنفسهم كانوا قد ألغوا، في 14 أيار/مايو 1948 أنظمة الطوارئ، وذلك بموجب أمر أصدروه في تلك السنة نفسها، وألغوا به جميع المراسيم التي كان يصدرها المندوب السامي في عهد الانتداب، بما فيها مرسوم 1937 الذي صدرت بموجبه أنظمة الدفاع لسنة 1945. وقد أكد هذا في رسالة مؤرخة في 22 نيسان/إبريل 1987 بعثت بها وزارة الخارجية البريطانية إلى مؤسسة الحق – القانون من أجل الإنسان، وهي فرع من لجنة الحقوقيين الدولية، وتقول الرسالة: «وأؤكد أنه بالنظر إلى أمر الإلغاء لسنة 1948 فإن قانون (الدفاع) لسنة 1937 الذي تستند أنظمة الدفاع لسنة 1945 إليه لم يعد بالنسبة إلى القانون البريطاني ساري المفعول». لقد كان القانون الساري هو القانون الأردني. إذ انه عندما ضُمت الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية لتشكلا المملكة الأردنية الهاشمية، أخضعت الضفة الغربية لقانون دفاع شرق الأردن لسنة 1935.
ومن تلك العودة للتاريخ ترى بدر أن الاحتلال الإسرائيلي لا يعيد إحياء الأنظمة لممارسة إبادته علينا، إنما يخلق ويصمم وينفذ هذه الأنظمة للتخلص منا، وإغلاق المؤسسات يأتي في هذا السياق.
خلاصة المسار القانوني: ملف سري
المؤسسات الفلسطينية ومن ضمنها الحق بثت ما يمكن ان يطلق عليه «تنبيه عاجل» طالبت فيه المجتمع الدولي التدخل الفوري في أعقاب «غزوة المؤسسات السبع».
وكانت المؤسسات قد سلكت مسارا قانونيا قدمت خلاله اعتراضًا على قرار إعلانها «منظمات غير قانونية» حيث شددت أن هذا القرار الاحتلالي «يفتقر لمسار قانوني سليم وعادل» حيث أعلن القائد العسكري في الضفة الغربيّة أن «أدلة» أدت لاتخاذ القرار ضد مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية ستبقى سرية ولن تكشفها السلطات الإسرائيلية ذات العلاقة.
وكانت المؤسسات قد توجهت للقائد العسكري للمرة الأولى يوم 16.12.2021 بطلب إطلاعهم على مواد التحقيق وما تسميها إسرائيل «الأدلة» التي أفضت إلى الإعلان عنها كمؤسسات إرهابية أو غير قانونية، وأوضح الطاقم القانوني للمؤسسات الفلسطينية أنه في حال عدم تسليم كل المواد التي أفضت إلى هذا القرار بالكامل، لا يمكن اعتبار القرار قانونيًا خاصة لأنه يفتقر للمسار السليم والعادل ولا يمنح المؤسسات الحق الطبيعي في الرد والدفاع عن نفسها ضد الاتهامات الكاذبة والتهم الملفقة لها.
وجاء رد النيابة العسكرية يوم 2.1.2022 تقول فيه إنها ستسمح للمؤسسات بالاطلاع فقط على المواد العلنية والتي تسمح الرقابة العسكرية بالاطلاع عليها، أما المعلومات السرية التي كانت أساس القرارات فلا يمكن الاطلاع عليها، وكتبت في ردها «القرارات تعتمد على مواد استخباراتية سرية لا يمكن الكشف عنها خشية المس بأمن الدولة» وهي ذات الذريعة التي تستعملها إسرائيل في كل رد لتبرير أي قرار غير قانوني ومجحف بحق الفلسطينيين، سواء مؤسسات أو أفراد، وهي ذات الذريعة التي تعتقل فيها الأسرى إداريًا من دون محاكمة بشكل يناقض القانون الدولي والإنساني.
وجاء الاعتراض الذي قدمه الطاقم القانوني للدفاع عن المؤسسات الفلسطينية، المكون من مركز عدالة ومكتب محاماة ميخائيل سفارد ومكتب محاماة جواد بولس، في أعقاب رفض السلطات الإسرائيلية مرة بعد الأخرى الكشف عن المواد و«الأدلة» التي تملكها ضد المؤسسات الفلسطينية، ولذلك يطالب الاعتراض بإلغاء القرار كاملًا ومن الأساس. وأكدت المؤسسات الفلسطينية والطاقم القانوني على أن هذا القرار غير قانوني ويخالف القانون الدولي أيضًا، كونه ينتهك حق الفلسطينيين في ممارسة أقل ما يجب من أجل حقهم في تقرير المصير.
قرار من الرئيس
يؤكد الباحث الحقوقي ماجد العاروري أن على عاتق السلطة الفلسطينية تقع مسؤولية حماية هذه المؤسسات، ورفض قرار إغلاقها، وكإشارة لقيام السلطة بواجبها من الضروري ان يبادر رئيس الوزراء بزيارة مقرات المؤسسات الست المغلقة، أو واحدة منها على الأقل، وان يجتمعوا مع مدراء هذه المؤسسات، وان يطلبوا من الموظفين مباشرة العمل في مؤسساتهم على مسؤولية الحكومة، وبحماية منها. وهو ما فعله رئيس الوزراء محمد اشتيه ظهر الخميس الماضي.
وتساءل العاروري: «لماذا لا يصدر الرئيس عباس مرسوماً رئاسياً يلغي الأمر العسكري القاضي بإغلاق المؤسسات الحقوقية الست؟» معتبرا أن الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء اشتيه إلى مؤسسة الحق تشكل غطاء سياسياً لعمل المؤسسات وعودة موظفيها للعمل بها.
ورأى أن المطلوب الآن هو غطاء قانوني لرفض وإلغاء الأمر العسكري يتم من خلال إصدار الرئيس محمود عباس مرسوماً رئاسياً يعلن فيه إلغاء الأمر العسكري الإسرائيلي القاضي بإغلاق المؤسسات الست (إلى جانب مؤسسة اتحاد لجان العمل الصحي) واعتبار أي قرار أو أمر عسكري يتعلق بعمل الجمعيات الخيرية يتناقض مع قانون الجمعيات الخيرية المطبق في فلسطين وباقي التشريعات الفلسطينية ملغيا، وهذا يقع ضمن صلاحية الرئيس ويساهم في تثبيت الولاية الفلسطينية واقعيا على الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية.
ويقيم الدكتور الحقوقي أحمد الأشقر موقف اشتيه بدعوة المؤسسات التي أغلقها الاحتلال لإعادة فتح أبوابها بالموقف المهم.
ويشدد أنه وكي يكون موقفاً جدياً وليس إعلامياً فقط، «يجب عليه أن يبادر بشخصه كخطوة رمزية بالذهاب لفتح هذه المؤسسات، وإصدار الأمر للشرطة بتوفير الحماية لها، ومن ثم سيرى الجماهير الغفيرة التي ستعتصم في هذه المؤسسات لحمايتها من بعده وأنا أولهم، ولتكن هذه إن صدقوا معركة السيادة».
كل المؤسسات الأهلية
الباحثة هند اشريدة ترى أنه في ظل اعتداء الاحتلال بماكينته الإعلامية والعسكرية على مؤسسات المجتمع المدني الست في آن واحد العام الماضي، والاستمرار في محاولاته المتكررة نحو تقليص وقتل الفضاء الذي تعمل به تنمويا وحقوقيا؛ يجب البناء على الشعار الذي برز أواخر تشرين الأول/اكتوبر الماضي والذي حمل عنوان #StandWithThe6 أو #ادعموا_المؤسسات_الست.
وترى اشريدة أن الشعار يعكس في كنفه تماسك المؤسسات الست مع بعضها البعض في مواجهة الصهيونية الفاشية، أما الهجمة الأخيرة اليوم، وأمام التصعيد بحق المؤسسات الست وإضافة اتحاد لجان العمل الصحي إليها فيجب الاستمرار في رفع الشعار مع تغيير متصاعد في العدد، إذ أصبح الشعار #StandWithThe7.
وتخشى الباحثة من أن يتغير اسم الحملة من حيث ارتفاع عدد المؤسسات في كل مرة تترك فيها تواجه وحدها.
ولا تعول على المعركة الدولية؛ وتقول: «بتنا معتادين على غياب الإنصاف الدولي لنا، ومعتادين أيضا على ازدواجية المعايير في التعامل مع كل شهيق وزفير فلسطيني، هناك نصف تضامن دولي، ونصف موقف، ونصف تعاطي، نصف كل شيء».
وتقترح أن ترفع جميع المؤسسات الفلسطينية شعار (هنا مقر المؤسسات السبع: الضمير، والحق، وبيسان، واتحاد لجان العمل الزراعي، واتحاد لجان العمل الصحي، واتحاد لجان المرأة الفلسطينية، والحركة العالمية للدفاع عن الأطفال) وليغلق الاحتلال مؤسسات المجتمع الأهلية بأكملها.
استعادة الحماية الشعبية
الباحث والمحلل السياسي معز كراجة يرى أن المطلوب أكبر وأهم من مسألة تحميل السلطة للكثير من المسؤولية عن عدم فاعليتها تجاه إغلاق المؤسسات الوطنية.
فالمطلوب حسب كراجة هو «موقف عام من كل المؤسسات في البلد، ومن عموم الشارع للعمل على خلق حالة من الالتفاف الشعبي والوطني، واستعادة أساليب الحماية الشعبية. يجب كسر الحالة السائدة في التعاطي مع الاحتلال والمحكومة بالشرذمة وبمجرد الشكوى ومطالبة التدخل الدولي».
ويشير كراجة إلى أن إغلاق المؤسسات الوطنية سياسة قديمة للاحتلال، من الجامعات وصولا للمدارس، ولكن المختلف اليوم أنه «كان دائما هناك جسم فلسطيني موحد قادر على ابتداع أساليب مقاومة لتلك السياسات. كان ذلك عندما كان الفلسطيني يعمل ويناضل ويفكر ضمن سياقه الاستعماري الحقيقي، وهذا هو جوهر المطلوب حاليا، العمل من ضمن السياق الحقيقي القائم».