عاد الإرهاب مجددا إلى بلاد العم سام، بلاد اقتصاد السوق والحرية والمجتمع المفتوح، وعاد معه كل البوليميك السياسي والنقاشات الساخنة داخل المجتمع الأمريكي والنخبة الفكرية والسياسية، بل لدى العالم بأسره. في حين أن المجتمع المدني الأمريكي الحامل لقيم السلم والحرية والديمقراطية مازال يغزو العالم بمنضمات العمل الطوعي غير الحكومي، التي تعنى بمحاربة الفقر والمجاعة والأوبئة والتنمية المستدامة، إلا أنه تلقى ضربة إرهابية ثانية وإن لم تكن بحجم أحداث الثلاثاء الأسود قبل اثنتي عشرة سنة. نفس الأسئلة تطرحها النخبة السياسية والفكرية مجددا، من صنع الإرهاب؟ ولماذا يطاردنا ؟ وما السبيل للتخلص منه؟ وكعادته، كتب توماس فريدمان مقالة بارزة على صفحات جريدة ‘نيويورك تايمز’ بعنوان ‘لنحضر للماراثون المقبل’، وهو بالمناسبة من أكثر الكتاب الأمريكيين شهرة في قضايا الإرهاب والشرق الأوسط والقضايا الدولية وتلقى أفكاره صدى كبيرا لدى الدوائر السياسية الأمريكية، سواء إدارة بوش أو إدارة أوباما الحالية، وله العديد من الإصدارات الفكرية أهمها كتاب ‘العالم مسطح’ . هو إذن نمودج تطبيقي مهم لمعرفة كيف يجيب على الأسئلة المطروحة سلفا، كيف لا وأفكاره تؤخذ بعين الاعتبار لدى صناع القرار الرسمي. ولكن لمناقشة أفكاره وجب مقارنة مقاله هذا بمقال سابق في نفس الجريدة نشر عقب أحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر سماه ‘الحرب العالمية الثالثة’. لقد فسر توماس فريدمان الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها بلاده على أنها مقدمات لحرب عالمية ثالثة طويلة الأمد ومختلفة عن الحروب العالمية السابقة، إذ تقع بين قوتين خارقتين اثنتين، الأولى تمثلها أمريكا وهي رمز الحرية والسوق الحرة والقيم الغربية، والثانية تمثلها جيوش الغاضبين من النساء والرجال عبر البلاد الإسلامية ودول العالم الثالث. ويضيف أن هذه الجيوش الغاضبة هي نتاج لسياسات دول إسلامية فاشلة سياسيا واقتصاديا، التي ترى أن أسباب فشلها ترجع إلى سياسات أمريكا الإمبريالية من دون أن ننسى دعمها لإسرائيل. نفس الطرح سار عليه في مقاله الثاني، حيث اعتبر أن الجماعات الإرهابية تستغل قيم المجتمع المفتوح لكي تضرب في العمق أهدافا مدنية من أجل خلق الرعب داخل المجتمع الأمريكي. أما في كيفية مواجهة الإرهاب فهو يدعو إلى نهج نفس الطريقة التي انتهجتها إدارة بوش وهي: ‘إستراتيجية محكمة ودبلوماسية مبدعة وبراعة الجنود’. إن طروحات توماس فريدمان هي في الحقيقة تحتمل النقيض وضده، وهي وإن قاربت الموضوع بشيء من المهنية الفكرية إلا أنه لم يخرج عن نطاق الرؤية الأحادية التي ترى في الغرب حاملا لقيم الخير، فيما الاخر الذي يتصوره في العالم الثالث حاملا لقيم الشر والكراهية ضد الإنسان الأبيض. يقول وليام إسترلي في كتابه ‘عبء الرجل الأبيض’، ‘إن حركة التنوير قامت بتشجيع الأوروبيين والأمريكيين لتخيل أنفسهم، كما لو أن لديهم تاريخا ذا معنى بشكل استثنائي ومؤسسات أنتجت مثاليات متفوقة. لقد تسنى للرجل الأبيض أن يلعب دور البطولة في دراما كبيرة من إنشائه الخاص ليعيش خيالا يسعد الذات، حيت امتلك القوة لينقد البقية’. هذه الرؤية الانفصامية للذات الأمريكية هي المؤطرة للسياسة الخارجية الأمريكية في تعاملها مع دول العالم الثالث، هي تؤيد الديمقراطية في هذه البلدان حين توائم مصالحها الإستراتيجية وتحاربها حينما تشكل تهديدا على استمرار سيطرتها على مواردها الطاقية. لقد ولد الإرهاب فعلا في دول العالم الثالث الفاشلة سياسيا واقتصاديا، ولكنه نمى وتطور حتى أصبح في شكله الحالي بإيعاز ودعم من أمريكا نفسها. والتاريخ الدبلوماسي يشهد على ذلك، إنها تدعم المملكة السعودية منذ عقود. وقد فعلت نفس الشيء مع المقاتلين الأفغان ضد الروس، ومع صدام ضد إيران في حرب الخليج، ومع الأنظمة الاستبدادية العربية ضد الإسلام السياسي منذ ما سمي بالنهضة العربية. لقد وفرت الظروف الخارجية لنمو الإرهاب في العالم الثالث لأنه صناعة سهلة يحتاج إلى وصفة تتكون من ثلاثة عناصر، انحراف ديني ودعم مالي وعسكري ثم شعور بالاضطهاد. لقد لعبت أمريكا دورا سيئا للغاية في علاقاتها مع دول العالم الثالث، خصوصا الشرق الأوسط، حيث اعتبرتها في الغالب كأسواق طاقية مهمة تتعامل معها بديمقراطية السوق، فهي تساند الأنظمة هناك وتسقطها بعد حين ثم تسلح المعارضة حتى تصير نظاما قائما في لعبة سياسية تكون فيها الشعوب الخاسر الأكبر. في كتابه الأخير ‘أنظمة القوة’، اعتبر نعوم تشومسكي أن نظام الهيمنة الأمريكي هو نوع من جنون العظمة والتفوق الذي أخد في التآكل بشكل تدريجي لأن مراكز القوة أصبحت متعددة ومستقلة. لذلك فإن محاولات إعادة فرض السيطرة على الشرق الأوسط مثلا عن طريق الحرب الأخيرة على العراق باءت بالفشل، خصوصا بعد ظهور انتفاضات الربيع الديمقراطي وبروز ديمقراطيات ناشئة تحررية لذلك فقد رأينا كيف أن النخبة السياسية وصفت الأحداث بأنها خسارة أخرى للسيطرة الأمريكية في المنطقة. أمريكا تعتبر العالم ملكية فردية وأية خسارة أو ضياع لهذه الملكية فهو كارثة تستدعي إعادة النظر في الإستراتيجيات الخارجية لقانون الهيمنة. إن الاستعمال المفرط للقوة من طرف أمريكا خارج القوانين الأممية وبشكل انفرادي، دفع مراكز دولية ناشئة أخرى إلى العمل في سرية تامة من أجل محاولة امتلاك قوة السلاح لأن منطق الهيمنة فرض ذلك. هو سباق مجنون نحو الدمار يقوده ملاك الثراء الفاحش ومهوسو الحروب وناهبو حقوق الشعوب وهذا بالذات ما يعطي الإرهاب الدولي الظروف الملائمة للوجود. لقد بات مفروضا على المنتظم الدولي والعلاقات الدولية القطع مع المقاربة العسكرية وتبني خيار السلام العالمي كمنظومة ديمقراطية وكبديل للاستعمال المفرط للقوة في حل قضايا النزاعات السياسية والقضايا الدولية. المجتمع المدني العالمي سيكون له دور كبير في تحقيق ذلك. إنها السلطة الخامسة القوية التي تستطيع مقاومة أطماع قادة السياسة ومنظرو خطط الهيمنة وناشرو الحروب الفتاكة من أجل نشر قيم السلم والحريات والديمقراطية التي ستمكن الشعوب في العيش في سلام.