الحرب على غزة تستهدف القطاع الزراعي أيضا: من الحصار الطويل إلى التدمير الشامل

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: حملت الأخبار الآتية من قطاع غزة، قبل أيام، استشهاد مزارعين اثنين وإصابة ثالث بقصف صهيوني استهدف أراض زراعية برفح جنوبي قطاع غزة، مر الخبر صباح 11/06/2024 مرور «الكرام» أمام أخبار الموت التي لا تتوقف في القطاع بفعل ما بات يوصف بحرب إبادة جماعية لا مثيل لها، حيث يستهدف بالقتل والقصف بالقنابل المزارعين في أراضيهم الزراعية التي يتم تدميرها بشكل ممنهج.

وباستخدام الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية بين أيار/مايو من عام 2017 و2024 وجد مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية «يونوسات» (UNOSAT) ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» أن 57 في المئة من حقول المحاصيل الدائمة في غزة والأراضي الصالحة للزراعة والضرورية للأمن الغذائي تقلصت مساحتها وجودتها بشكل كبير.
وبالعودة إلى آخر تحديث صادر عن «يونوسات» في نيسان/أبريل 2024 نجد أن القوات الإسرائيلية زادت من تدميرها للأراضي الزراعية نحو12 في المئة حيث كانت الإحصاءات السابقة تشير إلى تدمير نحو 45 في المئة من حقول المحاصيل الدائمة والأراضي الصالحة للزراعة في قطاع غزة. وأظهرت صور التقطتها الأقمار الصناعية وحللتها الأمم المتحدة أن أكثر من نصف مساحة الأراضي الزراعية في غزة، والتي تعتبر ضرورية لإطعام سكان القطاع الذين يعانون من الجوع، دمرت بفعل سياسة التدمير الإسرائيلي.
وذكر مركز «يونوسات» أنه بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بحقول المحاصيل والبساتين، تعرضت الصوبات الزراعية في شتى أنحاء قطاع غزة لأضرار كبيرة.

أرقام وإحصاءات

ووفقا لبيانات «يونوسات» يمتلك قطاع غزة ما يقدر بنحو 151 كيلومترا مربعا من الأراضي الزراعية، أي ما يشكل حوالي 41 في المئة من أراضي القطاع.
تضع الأرقام الرسمية المتعلقة بواقع القطاع الزراعي في قطاع غزة قبل الحرب في صورة أسباب استهداف هذا القطاع، فمثلا: يبلغ إجمالي المساحات المزروعة بأشجار البستنة والخضروات والمحاصيل الحقلية في قطاع غزة نحو 117.000 دونم (حسب التعداد الزراعي لسنة 2020 – 2021) 32 في المئة منها في خان يونس، و29 في المئة في شمال غزة، حيث تُقَدَّر المساحات المزروعة في شمال غزة بنحو 34.000 دونم. كما وتشكل المساحات المزروعة بالخضروات 53 في المئة من إجمالي المساحات الزراعية في قطاع غزة، تتركز 34 في المئة منها في محافظة شمال قطاع غزة، بالإضافة إلى 30 في المئة في محافظة خان يونس، بينما تشكل المساحة المزروعة بالبستنة الشجرية 30.9 في المئة من إجمالي المساحة المزروعة في قطاع غزة، ويتركز 31.3 في المئة منها في محافظة خان يونس، بينما 22.3 في المئة في محافظة شمال غزة. وتُعتبر أشجار الزيتون هي الأعلى نسبة، إذ تشكل 63 في المئة من إجمالي المساحة المزروعة بأشجار البستنة. كما ويقدَّر عدد العاملين في القطاع الزراعي بنحـو 55.000 عامل، ويساهم القطاع الزراعي بنحو 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة، بنسبة 54 في المئة للإنتاج النباتي من إجمالي قيمة الإنتاج الزراعي، بينما بلغت نسبة الناتج الحيواني 46 في المئة، وتساهم محافظة خان يونس بنحو 26 في المئة من أعداد الدواجن، ونحو 30 في المئة من الضأن، إذ إن أكثر من 60 في المئة من أعداد الأبقار والضأن والماعز يتم تربيتها بغرض إنتاج اللحوم. بينما تساهم محافظة شمال غزة بنحو 25 في المئة من أعداد الدواجن، ونحو 44 في المئة من أعداد الماعز، و48 في المئة من أعداد الأبقار، و42 في المئة من أعداد خلايا النحل، و27 في المئة من أعداد الضأن.
كما ويُظهر تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» في شباط/فبراير 2024 ان الاحتلال دمر نحو 626 بئر ماء، و47 بركة ماء، وميناء واحدا، و307 حظائر منزلية، و100 مستودع زراعي، و46 مخزناً زراعياً، و7 مراكز للتزويد الزراعي، و119 مأوى للحيوانات، و11 مزرعة للأرانب، و26 مزرعة للألبان، و235 مزرعة للدجاج اللاحم، و7 مزارع طير حبش، و203 مزارع أغنام، و5 مزارع أبقار، و42 مزرعة طيور وحمام، وكذلك 339 دفيئة زراعية من مجموع 1277 أي أن 26.6 في المئة من الدفيئات الزراعية تم تدميرها، وهو ما يعني أن قطاع الزراعة دخل مرحلة الانهيار مع استمرار الحرب.

سياسات استعمارية

وفي سياق مواز، عقدت مجلة الدراسات الفلسطينية ندوة حملت عنوان «السياسات الإسرائيلية في محو القطاع الزراعي الفلسطيني منذ بدء الحرب على غزة» حيث تحدث فيها الباحث الفلسطيني أشرف بدر.
وخلال الندوة التي عقدت في رام الله في مقر المؤسسة قدم بدر ورقة استعرضت السياسات الإسرائيلية التي استهدفت تدمير القطاع الزراعي في قطاع غزة وتحليلها، حيث حاول الباحث بدر الإجابة عن سؤال مركزي يتعلق بماهية السياسات الإسرائيلية التدميرية للقطاع الزراعي وذلك باستخدام منهجية متعددة التخصصات، واستناداً إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وتقارير أممية صادرة عن الأمم المتحدة، فيما شدد الباحث على قصور البيانات التي تقدمها المؤسسات ذات العلاقة حول استهداف القطاع الزراعي في غزة في ظل أنها غير محدثة بفعل صعوبات جمع البيانات من الميدان المشتعل.
وحسب ورقة السياسات الصادرة عن مجلة الدراسات الفلسطينية والتي أعدها بدر فإن القطاع الزراعي في القطاع واجه تحديات كبيرة قبل الحرب على قطاع غزة وذلك مع فرض الحصار على القطاع سنة 2006 وهو ما تعزز أثناء الحرب.
وقال: «أبرز هذه التحديات وضْع قيود كبيرة على عمليات تصدير المنتوجات الزراعية، واستيراد المعدات والمواد الخاصة بالإنتاج الزراعي، علاوة على الاستهداف المباشر للمحاصيل والأراضي الزراعية في أثناء الهجمات العسكرية المتكررة على قطاع غزة؛ فبذريعة المخاوف الأمنية، وهو ما يجعل واقع القطاع الزراعي قبل الحرب حالة من المعاناة».
وحسب بحث بدر فإن إسرائيل قامت باقتطاع منطقة عازلة بعمق 300 متر تقريباً على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة، عقب الحملة العسكرية الإسرائيلية على القطاع في كانون أول/ديسـمبر 2008 وقد وسّعت إسرائيل المنطقة العازلة داخل القطاع لتصبح بين 1.000 و1.500 متر، يُحظر على السكان والمزارعين الفلسطينيين الوصول إليها، وتشكل هذه المنطقة العازلة نحو 17 في المئة من مجموع أراضي القطاع، و35 في المئة مــن الأراضي الزراعية. ويضاف إلى ذلك قيام إسرائيل برشّ المبيدات الحشرية على طول السياج الأمني الممتد على مساحة 40 كيلومتراً شـرقي قطاع غزة، وذلك بهدف منع نمو الأشجار، وإبقاء المنطقة مكشوفة للنظر.

بيئة طاردة للسكان

وانطلق الباحث بدر في حديثه خلال الندوة من افتراض أن السياسات الاستعمارية الإسرائيلية الهادفة إلى تدمير القطاع الزراعي في غزة ترمي إلى إنشاء بيئة طاردة للسكان، وذلك عبر جعْل قطاع غزة منطقة غير صالحة للسكن عبر تجويع السكان، وذلك من أجل ترحيلهم والتخلص منهم.
وقال: «نلمس وجود سياسة إسرائيلية استعمارية ممنهجة لتجويع قطاع غزة، وهي استنساخ سياسات الاستعمار الاستيطاني الهادفة إلى محو السكان الأصلانيين وترحيلهم، ولا تقتصر هذه السياسات على استهداف وتدمير الإنتاج الزراعي ومنشآته، أو منْع توريد مستلزمات النهوض بالقطاع الزراعي فحسب، بل أيضاً تتعداه نحو استهداف وتدمير مئات المخابز وشركة مطاحن القمح الوحيدة في قطاع غزة، علاوة على استهداف الباحثين عن المساعدات والقوافل الإنسانية، وذلك بهدف تشكيل حالة من انعدام القدرة على العيش في قطاع غزة، وهو ما يدفع بعد انتهاء الحرب إلى ما يُسمى الهجرة الطوعية».
وشدد على أن منظومة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي عمدت إلى تدمير قطاع الزراعة في قطاع غزة عقب 7 تشرين الأول/أكتوبر، بعد ما عانى هذا القطاع على مدى سنوات طويلة جرّاء الحصار، إلاّ إن المزارعين استطاعوا الصمود في وجه آليات الحصار الخانقة، فجاء القرار الإسرائيلي بتدمير القطاع الزراعي وعدم الاكتفاء بمحاصرته، وذلك بهدف إنشاء بيئة طاردة للسكان تجعل من استمرار العيش في قطاع غزة أمراً صعباً للغاية، وهو ما سيساهم في ترحيل السكان، وتحقيق المخطط الصهيوني القديم الحديث بالتخلص من سكان قطاع غزة.
وخلص إلى إن السياسات الإسرائيلية الاستعمارية الهادفة إلى تدمير القطاع الزراعي هي عبارة عن امتداد واستنساخ لممارسات بعض أنظمة الاستعمار الاستيطاني، فقد مارس الاستعمار الاستيطاني الأوروبي لأمريكا السياسة نفسها تقريباً، فكان يتم تجويع السكان الأصلانيين بواسطة تدمير حقول الذرة الخاصة بهم، وذلك بهدف ترحيلهم والتخلص منهم.

آثار التدمير الزراعي

وشدد بدر على أن تدمير القطاع الزراعي يخلق حال من النقص الحاد في الغذاء لدى سكان قطاع غزة، وهو ما يسبب حالة من المجاعة؛ فبحسب بيانات الإحصاء الفلسطيني، فإن 44 في المئة من استهلاك الأُسَرِ للسلع الزراعية في قطاع غزة مصدره الإنتاج المحلي، بينما باقي السلع، والتي تشكل 56 في المئة من الاستهلاك، يتم استيرادها، وبسبب الحرب والحصار المطبق، فقد توقف استيرادها.
وفي السياق ذاته؛ ووفقاً لبيانات الإحصاء الفلسطيني، فإن الخسائر اليومية المباشرة في الإنتاج الزراعي في قطاع غزة تصل إلى نحو 1.6 مليون دولار أمريكي يومياً، بمعنى أن خسائر الإنتاج الزراعي بعد 8 أشهر من الحرب تُقدَّر بنحو 384 مليون دولار، مع الأخذ بعين الاعتبار تعطُّل تزويد المزارع بالمياه والكهرباء التي تشكل 27 في المئة من مستلزمات الإنتاج النباتي، بينما تتوزع بقية المستلزمات على مواد يتم استيرادها، وتوقفت بسبب الحرب والحصار، كالأسمدة التي تشكل 26 في المئة من المستلزمات، والتقاوي والبذور التي تشكل 23 في المئة، والمبيدات التي تشكل 17 في المئة، و7 في المئة تتوزع على مستلزمات أُخرى.
وحسب بدر في بحثه الجديد فإن إعادة الإعمار وبناء قطاع الزراعة تتطلب عودة القدرة البشرية القادرة على إعادة الإنتاج الزراعي، وكذلك إمدادها بالمدخلات الضرورية، مع تأهيل ما تم تدميره وفقدانه من البنية التحتية التي تخدم قطاع الزراعة بصورة مباشرة.
وأضاف أن المطلوب هو العمل على «تشجيع الزراعة المستدامة التي تتكيف مع التحديات السياسية والبيئية والمناخية، علاوة على تعزيز القدرات المحلية، عبر الاستثمار في البحث والتطوير الزراعي، والتركيز في الدعم المالي والفني على المزارعين الصغار الذين أثبتوا أنهم صمام الأمان في الأزمات والحروب والكوارث، وكذلك تطوير قطاع الصيد بما يضمن استدامة الموارد السمكية. وهذا كله يتطلب إرادة سياسية قوية ودعماً دولياً مستداماً لتمكين الفلسطينيين من بناء نظام غذائي مستقل ومستدام يضمن لهم العيش بكرامة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية