الحرب علي لبنان: حدود القوة وأزمة الشرعية

حجم الخط
0

الحرب علي لبنان: حدود القوة وأزمة الشرعية

د. إبراهيم أبراشالحرب علي لبنان: حدود القوة وأزمة الشرعية لم يكن انهيار المعسكر الاشتراكي عام 1991 مجرد سقوط دولة أو أحد قطبي النظام الدولي الذي أُسس بعد الحرب العالمية الثانية وكان ترتيبا للنظام الدولي علي أساس موازين القوي المتمخضة عن الحرب، بل كان تغيرا وتحولا في كثير من المفاهيم وقواعد التعامل الدولي الكلاسيكية وتأسيسا لنظام جديد سمي بالنظام الدولي الجديد والذي تنطعت الولايات المتحدة لزعامته. وقد تزامن الحديث عن النظام الدولي الجديد بالحديث عن النهايات: نهاية الدولة ذات السيادة ونهاية الايديولوجيا ونهاية حركات التحرر ونهاية الحروب بالوكالة والتي كانت غالبا بالوكالة عن القطبين الكبيرين الخ.في ظل النظام الدولي المنهار ولنسميه الكلاسيكي، كانت الدولة هي الفاعل الرئيس في العلاقات الدولية بالإضافة للمنظمات الدولية والشركات متعددة الجنسية والرأي العام بدرجة اقل، ولكن كان للدولة الصلاحية المطلقة في قراري الحرب والسلم فالدولة هي الفاعل والمحدد الرئيس في هذين المجالين، إلا إذا كان شعب الدولة خاضعا للاحتلال في هذه الحالة تنوب حركة التحرر الوطني محل الدولة في التصرف بقضايا الحرب والسلم مع وضوح أهداف وقوانين حروب التحرير والتي كانت غالبا ذات أهداف وطنية تنصب علي تصفية حالات استعمارية كلاسيكية وتجد دعما من الأمم المتحدة والرأي العام العالمي أو محمية بقوة المعسكر الاشتراكي. وما بين الدولة وحركات التحرر وجدت جماعات ايديولوجية حاولت أن تلعب دورا في التأثير علي السياسات الدولية إلا أن هذه الإيديولوجيات كانت خاضعة للدولة أو يمكن التأثير عليها من خلال دولة ما وهذا ما كان مع الأمميات وبالنسبة للإيديولوجية العربية أو الإيديولوجية الشيوعية، أما الايديولوجية الإسلامية فلم تأخذ بعدا شموليا أو دوليا إلا مع جماعة الأخوان المسلمين التي تجنبت اللجوء للعنف للتأثير في السياسات والعلاقات الدولية، تنظيم القاعدة هو التنظيم الإسلامي الوحيد الذي دخل اللعبة الدولية ولكن ظهور هذا التنظيم ارتبط باللحظة المفصلية للتحول من نظام دولي لآخر وكان أداة في الصراع القطبي ثم آل أمره ليدخل حزمة أو قائمة الإرهاب بالمنظور الأمريكي. إن كان انهيار المعسكر الاشتراكي قد أطلق العنان لخطاب العولمة القائل بإزالة الحواجز والحدود لتنقل السلع والأفكار إلا أنه كشف من جهة أخري أزمة الدولة وهشاشتها وخصوصا في الجنوب، مما أدي أيضا لأثننة العالم (تفجر الحروب الطائفية والقومية) من جهة ـ وهي حالة نفيض ما ترمي إليه العولمة من توحد ـ وإحياء أيديولوجيات شمولية جديدة لتملأ فراغ ضعف الدولة الوطنية من جهة أخري، وكانت الأصولية الإسلامية أهم هذه القوي التي قامت علي أنقاض أزمة الدولة وأزمة الإيديولوجيات التقليدية, وحيث أن هذه الحركات الإسلامية نهجت نهجا مقاوما للعولمة وخصوصا الثقافية ونهجا معارضا للولايات المتحدة ومن يدور بفلكها باسم الدفاع عن الدين والأمة فقد جندت الولايات المتحدة أسلحة القانون الدولي والأمم المتحدة لمحاربة هذه الجماعات باعتبار هذه القوي ليست دولا ذات سيادة ولا هي حركات تحرر وطني وبالتالي لا تشملها الحماية التي يتيحها القانون الدولي، وهذه احد تجليات أزمة الشرعية الدولية.بعيدا عن الاصطفافات علي أسس عاطفية وأيديولوجية وهي اصطفافات لا تؤثر كثيرا علي موازين القوي العسكرية وحساباتها غير المؤنسنة غالبا، فان ما يجري علي أرض الواقع وما تتحدث به وسائل الإعلام هو أن طرفي الحرب المباشرين في لبنان هم حزب الله من جانب وإسرائيل من جانب ثان مع وجود امتدادات إقليمية ودولية لكل منهما، بمعني أن احد طرفي المعادلة هو دولة بما تعنيه الكلمة من إمكانيات وتحالفات واستراتيجيات وتوظيف ولو انتقائي لقواعد عمل النظام الدولي، أما الطرف الثاني فهو جماعة أو حزب داخل دولة ـ لبنان ـ حتي جيش هذه الدولة وبالرغم من اكتوائه بنار الحرب وتعرضه للضربات الإسرائيلية فإنه لا يشارك بالحرب ولم يعلن حالة الحرب علي إسرائيل، بالإضافة إلي غياب تفويض رسمي له للتصرف نيابة عن الدولة.ما يجري في لبنان اذن حالة جديدة ومستجدة علي ما عهده القانون الدولي والنظام الدولي من مفاهيم وقوانين حول الحرب والسلام والسيادة وحول الفاعلين في العلاقات الدولية. العدوان علي لبنان يعكس أزمة الدولة وأزمة النظام الدولي ما بعد انهيار النظام ثنائي القطبية وأزمة المقاومة، أزمة الدولة اللبنانية مع محيطها الإقليمي ومع مكوناتها الطائفية، وأزمة إسرائيل كدولة احتلال لا تريد الالتزام بما صدر من قرارات في عهد النظام الدولي ثنائي القطبية وأزمة حدود القوة حيث لا تسعفها قوتها العسكرية علي حسم معاركها لا مع الفلسطينيين ولا مع حزب الله، وأزمة الولايات المتحدة وهي تسعي للهيمنة علي الشرق الأوسط وعلي قوي الممانعة لسياستها الهيمنية، وأزمة إيران وهي تحاول التحايل علي استحقاقات النظام الدولي الجديد ومحاربة أمريكا من خلال وكلاء وعلي ارض غير أرضها، وأزمة النظام في سورية الذي يناضل من أجل البقاء بعد انكشافه نتيجة سقوط المعسكر الاشتراكي وتراجع الايديولوجية القومية العربية، وأزمة النظم العربية بشكل عام حيث كشفت المواجهة في لبنان أن هزائمها علي يد إسرائيل ليست لان إسرائيل أسطورة عسكرية بل لأن هذه الأنظمة لم تكن صادقة في حديثها عن الحرب ولا جادة عندما دخلت الحرب، أيضا كشفت الحرب علي لبنان أزمة النظام الدولي الذي يواجه بأدوات ومفاهيم كلاسيكية قوي جديدة لا يعترف بها هذا النظام وهي لا تعترف بشرعية هذا النظام.بالإضافة إلي هذه الأزمات هناك أزمة المقاومة سواء كانت متمثلة بحزب الله او بحركة حماس بفلسطين او أي حركة مقاومة إسلامية أخري، والأزمة في هذا السياق لا تمس مبدأ المقاومة ولا الأهداف المشروعة لها بل تمس إستراتيجية المقاومة من حيث الأدوات ومن حيث الصفة التمثيلية، ففي كثير من الأحيان تضطر المقاومة للقيام لعمليات استشهادية وسط مدنيين وضد مدنيين من الأعداء نظرا لعدم قدرتها علي المواجهة العسكرية المباشرة الأمر الذي يثير ضدها الرأي العام الخارجي غير المتفهم لخصوصية الصراع ولا تقبل ثقافته ولا تستوعب مفهوم الجهاد بدلالته الدينية عند المسلمين. أما بالنسبة للأزمة الثانية او المشكلة التي تواجه حركات المقاومة فهي الصفة التمثيلية حيث تنصب هذه الجماعات نفسها ناطقة باسم الأمة أو باسم المسلمين او الشعب في ظل وجود دول أو سلطة قائمة لها الصفة التمثيلية ولها إستراتيجية مغايرة لإستراتيجية المقاومة، وعدم التنسيق بين الطرفين يخلق إرباكا لكليهما. وهكذا نلاحظ في العدوان علي لبنان أن المشكلة لا تكمن فقط بإسرائيل والمتحكمين بالنظام الدولي المتجدد بل أيضا بدول وقوي سياسية من خارج هذه الدائرة. فإذا استثنينا الجماهير الشعبية المكتوية بالعدوان الصهيوني والأمريكي المباشر ومن الإذلال لمن لا يقع تحت طائلة الاحتلال المباشر، فان كثيرا من القوي المحلية والدولية لا تنظر لحزب الله لا باعتباره سلطة شرعية تمثل الدولة اللبنانية ولا باعتباره حركة تحرير حيث لبنان لا يخضع للاحتلال وخصوصا بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وبالتالي ليس من حقه من وجهة نظر هذه الأطراف اتخاذ قرار الحرب أو قرار السلم فهذه من اختصاص الدول ذات السيادة. ما قام به حزب الله من خطف للجنود وما تقوم به المقاومة من عمليات ضد الاحتلال الأمريكي للعراق هي أمور تجد استحسانا شعبيا كما يجد الاحتلال والعدوان الأمريكي والإسرائيلي كل تنديد ورفض، إلا أن الرأي العام والمشاعر والعواطف الشعبية ذات تأثير محدود في السياسات الدولية وخصوصا بعد احداث 11 ايلول (سبتمبر)، وهنا يجب التذكير بأنه أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان صيف 1982 خرجت مظاهرة في إسرائيل قوامها نصف مليون ومظاهرات أخري في العالم ـ ما عدا العالم العربي ـ ولكنها لم تثن العدوان عن غيه، وأثناء العدوان علي العراق قامت مظاهرات مليونية في المغرب ومظاهرات واحتجاجات في عديد من دول العالم دون أن يؤثر ذلك علي مجريات الحرب، نفس الأمر خلال سني الانتفاضة الفلسطينية، وفي نفس السياق تندرج الشعارات الرنانة لإيران التي سمعنا كثيرا منها من أنظمة عربية، ولا ندري كيف أن الاعتداء الإسرائيلي علي سورية إن وقع يستوجب ردا عسكريا إيرانيا فيما احتلال فلسطين وتهويد القدس لا يستدعيان ذلك وكأن دمشق أقدس من القدس؟مع كامل تقديرنا لكل مَن يقاوم العدوان وكامل تعاطفنا مع الشعب اللبناني الشقيق، إلا أن طبيعة النظام الدولي الراهن بما يتضمن من موازين قوي وتداخل مصالح، لا يريد أن يكون حسم الحروب والصراعات الدولية المسلحة بيد الجماهير وعواطفها الجياشة ولا بيد القوي والأحزاب خارج إطار مؤسسة الدولة حتي وان توفرت هذه الأحزاب علي قوة مسلحة يمكنها أن توجع الخصم أو علي شرعية شعبية وأخلاقية، ومن هنا يمكن تفسير المواقف الرافضة لتصرف حزب الله او المتحفظة عليها، فهذه الدول لا تريد أن تسجل سابقة بمصادرة قراري الحرب والسلم من يد الدولة ليد الأحزاب والجماعات، لأنه في حالة حدوث ذلك ستتزعزع مرتكزات وأسس النظام والقانون الدولي حيث الدولة هي الفاعل والضابط للعلاقات والمصالح، والولايات المتحدة تستطيع ضبط النظام الدولي من خلال التأثير علي الدول فيما لا تستطيع ضبط الجماعات خارج إطار الدولة، كما أن نجاح تجربة حزب الله من وجهة نظر هذه الدول قد يشرعن عمل أحزاب وقوي سياسية عندهم للقيام بنفس الدور أو تشجيع قوي جديدة علي القيام بذلك، بمعني انتزاع المبادرة من يد الدولة في أهم رموز سيادتها: قرارا الحرب والسلم وتمثيل المصلحة الوطنية. وبالنسبة لكثير من الدول والقوي السياسية العربية لا تري في حزب الله امتدادا للحركة القومية العربية أو تجسيدا للمشروع القومي ولا امتدادا للمشروع الإسلامي، فالتكوين الطائفي الشيعي للحزب وعلاقته المتميزة مع إيران التي تشتغل علي مشروع فارسي شيعي لا يتفقان مع المشروعين السابقين، كل ذلك جعل هذه الأطراف العربية والإسلامية متحفظة في مواقفها أو محرجة في اتخاذ موقف واضح. نخلص للقول بأن ما يجري بين إسرائيل وحزب الله هو اختبار للقوة العسكرية والقانونية الدولية والأخلاقية ما بين من ينصبون أنفسهم قيمين علي النظام الدولي الجديد وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة والمتضررين من ترتيبات هذا النظام وأهدافه المعلنة والخفية من جهة أخري. هذه الحرب تكشف أيضا أزمة كل طرف، أزمة الدولة في زمن العولمة وأزمة الشرعية الدولية وأزمة حركات المقاومة من حيث صفتها التمثيلية، وتكشف أيضا محدودية القوة العسكرية للدول الاستعمارية في حسم مشاكلها مع الشعوب ومحدودية قوة الرأي العام والعواطف والمقاومة الفصائلية أو الحزبية، وعليه فإن حسم المعركة لن يكون عسكريا بل بتفاهمات سياسية ستكون فيها مفاهيم النصر والهزيمة ملتبسة. نتمني السلامة للشعب اللبناني ولكن ما نخشاه أن تكون نهاية العدوان علي لبنان هي ادعاء كل من إسرائيل والمحور الذي يمثله حزب الله أنهم حققوا النصر في مقابل خراب ودمار لبنان الدولة والمجتمع ويتبع ذلك توتر في العلاقة بين الطوائف لا سمح الله. وفي جميع الحالات فهذه المواجهة ستكون تربة خصبة لمن يريد استخلاص العبر والدروس، دروس لدعاة التسوية والسلام ودروس لدعاة الحرب والمقاومة، ويقينا إن كثيرا من المفاهيم وما تعتبر ثوابت في العقل السياسي العربي ستتغير بعد هذه الحرب. ہ أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر ـ غزة8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية