إلى أين وصلت الحرب الروسية في أوكرانيا، وما هو منظور نهاية قريبة للعبة التي بدأت قبل ثمانية أشهر، وهل سيحرف الجنرال أرماغادون، أو جنرال القيامة مسار الحرب وتعويض الإهانة التي وجهت للرئيس فلاديمير بوتين بضرب جسر مضيق كيرتش الرابط بين شبه جزيرة القرم وروسيا، والذي تقول السلطات الروسية إن إصلاحه لن ينتهي إلا في العام المقبل؟
في قمة سيكا باستانا عاصمة قازخستان، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الغارات الجوية التي شنها جيشه على مواقع عدة في أوكرانيا لم يكن الغرض منها تدمير البلد وأن الغارات دمرت 29 موقعا من البنى التحتية وأن الصواريخ الروسية أصابت 22 هدفا وستكمل على السبعة.
وعلى الصعيد الميداني لا تزال القوات الأوكرانية تواصل تقدمها في الجنوب والشرق، وفي مناطق أخرى بدأ الجيش الروسي عمليات هجومية محدودة حيث استعاد قريتين في الجنوب. وفي السياق نفسه لا يزال الغرب وتحديدا الولايات المتحدة يحذر من الخيار النووي ويدرس كيفية الرد عليه، في ظل السيناريوهات التي تشير إلى أن بوتين قد يلجأ إلى الأسلحة النووية التكتيكية كحل نهائي لو واجه الهزيمة. وقال الرئيس جو بايدن إن تهديد بوتين بالأسحلة النهاية يعرض البشرية لخطر نهاية العالم وأن واشنطن أرسلت رسائل سرية تحذيرية لموسكو بهذا الشأن. وفي ضوء زيادة التهديدات الروسية رفع الغرب من مستوى المواجهة مع بوتين بمساعدات عسكرية جديدة، فقد أمر بايدن بمساعدات جديدة بقيمة 725 مليون دولار ما يرفع المساعدات الأمريكية لنظام الرئيس فلاديمير زيلينسكي إلى 17.6 مليار دولار منذ بداية الحرب في 24 شباط/فبراير. وتضم المساعدات الجديدة ذخيرة وعربات عسكرية، ولن تضم قدرات عسكرية جديدة كتلك التي يستخدمها الأوكرانيون بنجاح مثل أنظمة الصواريخ المدفعية عالية الحركة المعروفة بهيمارس. وزودت ألمانيا أوكرانيا بنظام دفاع جوي مضاد للصواريخ جديد لم يستخدم أبدا، وحتى في الجيش الألماني.
وفي إشارة إلى نهاية عملية التعبئة الجزئية التي أعلن عنها بوتين في الشهر الماضي، قال إن نشر أكثر من 222.000 مجند سيتم خلال أسابيع. وجاءت التعبئة ردا على النقد الموجه للقوات الروسية في أوكرانيا وخسارتها المناطق التي سيطرت عليها في خاركيف ومدينة إزيوم الإستراتيجية، وفي انسحاب متعجل وغير منظم. ورغم اعتراف بوتين بأخطاء في عملية التعبئة إلا أنه دافع عن الحرب وأكد أن ما فعله هو صحيح وجاء في الوقت الصحيح.
ماذا يريد بوتين؟
لكن إلى متى ستستمر لعبة بوتين في أوكرانيا، فقد مضى 234 يوما على الحرب، بشكل دعا الكثيربن لتحليل تصرفات بوتين المتهورة في الحرب وأنها صورة عن شخصيته، أي التحدي والتصعيد حتى النهاية وسط نكسات جيشه وثقته المفرطة بالنفس وسوء التخطيط الذي رافق العملية من بدايتها. فقد اعتقد الروس أنهم قادرون على إسقاط نظام كييف وتنصيب نظام جديد، ومن ثم تراجعوا نحو الجنوب والشرق. ومع استمرار النكسات في الساحة الأوكرانية رد بوتين بالتحدي وأمر بتعبئة جزئية ونظم مهزلة استفتاء في أربع مناطق بشرق وجنوب أوكرانيا أعلن ضمها للأراضي الروسية وأصدر تهديدات نووية وشن موجات من الهجمات الصاروخية ردا على تدمير الجسر في القرم.
دروس من فيتنام
ومشاكل روسيا في أوكرانيا ليست استثنائية، فقد عانى الجيش الأمريكي من المشاكل نفسها في فيتنام. ويرى غيدون روز في «فورين أفيرز» (14/10/2022) أن الولايات المتحدة رضيت في عهد نيكسون بالواقع وسحبت قواتها من فيتنام، بعدما هددت بتصعيد الهجمات والقصف واستخدام السلاح النووي. والسؤال هل سيحصل نفس الشيء مع بوتين؟
يعتقد الرئيس الروسي أنه لو صمد حتى الشتاء، فسيكون في وضع جيد، فالحملة الجديدة من التجنيد ستعيد الاستقرار لميدان المعركة وستنخفض وتيرة الحرب وسيخيف الجميع بتهديدات التصعيد وستتزايد المعارضة للحرب في الغرب نظرا لارتفاع أسعار الوقود، وعندها سيصبح النزاع مجمدا أو يحصل بوتين على تسوية عبر المفاوضات تمكنه من الإعلان عن النصر.
لكن الخطة هذه قد يحبطها استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا واستمرار تزويد واشنطن وأوروبا القوات الأوكرانية بأنظمة السلاح المتقدم بشكل يدفع القوات الروسية التراجع للوراء ويجبر موسكو على القبول بالواقع والتفاوض على تسوية تؤكد الوضع الراهن قبل شباط/فبراير.
وعندما يحصل سيناريو كهذا فعلى الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا قفل النزاع وإنهاء القتال. فالحرب مثل لعبة الشطرنج لها بداية، وسط ونهاية. ففي البداية يخوض الطرفان الحرب وينشران الجنود، وفي الوسط يحاولاون البحث عن مخرج وفي النهاية يتباحثان في تفاصيل التسوية. وتظل عملية التحول لنهاية الحرب نفسية أكثر منها سياسية أو عسكرية. وهي اعتراف أن الحرب دخلت حالة جمود أو تتحرك في اتجاه واحد، واعتراف كهذا هو صعب على الخاسرين الواجب عليهم التخلي عن أمل النصر والدخول فيما وصفته المحللة النفسية إليزابيث – روز كوبل المراحل الخمس من الحزن: إنكار، غضب، مقايضة، كآبة وقبول.
ويحصل هذا في الكرملين الآن، حيث يتبدد حلم النصر، فالتهديد النووي يشير إلى نوع من الغضب والمقايضة. ولا يمكن عزو هذا لفرد أو سياق وطني، فالولايات المتحدة تصرفت بنفس الطريقة عندما واجهت الهزيمة في فيتنام وقبل أن تبدأ بعملية الجلاء. وهو نفس الطريق الذي ستسير فيه روسيا لو وجدت نفسها في وضع استنفدت فيه كل خطط النصر.
فيتنام 1965
ولنفهم السياق الحالي بالعودة إلى عام 1965حيث شعر ليندون جونسون أن استخدام القوة المفرطة ستجبر الشيوعيين في شمال فيتنام على الاستسلام، ولم يحدث هذا، بشكل دفع جونسون عام 1968 لزيادة الضغط ونشر مزيد من القوات وإعلان عدم الترشح للرئاسة وخرج تاركا الأزمة لخليفته. وفي عام 1969 جاء ريتشارد نيكسون إلى السلطة ملتزما بنفس أهداف الحرب الأولى، وهي تأمين نظام جنوب فيتنام، لكنه كان يعرف ان الرأي العام الأمريكي بات معارضا للحرب ولهذا قرر استخدام المفاوضات وجلب هانوي إليها من خلال العصا والجزرة. وكما وصف مدير طاقم البيت الأبيض أتش ار هالدمان، فقد اراد نيكسون مزج التهديد بالوعود السخية، وهو ما أسماه «نظرية الرجل المجنون» و«أريد أن يفهم الفيتناميون الشماليون أنني وصلت لمرحلة أستطيع عمل أي شيء لوقف الحرب».
لم ينجح نيكسون في استراتيجيته الأولى، التهديد والوعد، واعترف أن مواصلتها يعني تدهور الأوضاع للأسوأ، ومن هنا تبنى استراتيجية جديدة تقوم على سحب القوات الأمريكية بشكل تدريجي والالتزام بالحفاظ على نظام سايغون حيث ظهرت اتفاقية عبدت الطريق لسقوط جنوب فيتنام بعد عامين من توقيعها. ولو نقلنا هذه الدروس للمشهد الأوكراني، فإن الولايات المتحدة تعتقد أنها تستطيع النصر بطرق غير مباشرة مثل العقوبات والتهديد برد قوي على أي استخدام للسلاح النووي مع أن الحرب تقرر في النهاية في ساحة المعركة. والمطلوب من واشنطن تجاهل التهديدات والتنمر الروسي والتركيز على دعم الأوكرانيين لتحقيق النصر. ويضاف إلى هذا مزج الدبلوماسية بالحرب، ففي المراحل الأخيرة من حرب فيتنام تجنب الطرفان ارتكاب أخطاء، حيث زادت وتيرة الحرب ومعها اقتربت التسوية.
رد بوتين
ويمكن مشاهدة هذا من خلال رد بوتين على تدمير جسر مضيق كيرتش، وسيرد بنفس الطريقة لو حقق الأوكرانيون نجاحات جديدة. ومرة أخرى فهذا ليس محصورا في روسيا، فقد فعلت الولايات المتحدة ما هو أسوأ فيما أطلق عليه قصف عيد الميلاد ضد هانوي وهايبونغ في كانون الأول/ديسمبر 1972. وهو أسوأ قصف في كل حرب فيتنام. وكما قال جون نيغروبونتي مساعد هنري كيسنجر «قصفنا الفيتناميين الشماليين لإجبارهم على قبول تنازلاتنا» ولم يستسلموا أو يسمحوا للأمريكيين بوقف جهودهم العسكرية والدبلوماسية. ويجب ألا يسمح الغرب لبوتين وتهديداته وقف جهودهم في دعم الأوكرانيين. فبوتين لا يتصرف كهتلر ولكن كقيصر، ورغم خطابه المعادي للاستعمار إلا أنه يقاتل لاستعادة المناطق التي خسرتها الإمبراطورية الروسية. وكأي قوة إمبريالية تقلل من خسائرها وترحل إلى مناطقها عندما تفشل في تحقيق أهدافها. وحتى ضم أراض جديدة للإمبراطورية لا يضمن النجاح كما في مثال الأقدام السود في الجزائر. ولو استطاع الأوكرانيون مواصلة الضغط، فعندها سيبحث الروس عن نهاية للعبة، ومعها ستأتي التنازلات والمقايضات. وفي النهاية ستتلقى روسيا ضربة وليس هزيمة ولن تتلقى إهانة بل وتذكيرا بمكانتها المتواضعة. وهذا لا يعني تخلي روسيا عن جهودها لمواصلة التأثير في الداخل والخارج. وستؤجل روسيا أهدافها المعلنة في أوكرانيا وتحافظ على أخرى، وربما بنى الغرب على الحرب من خلال الضغط لاستعادة مواقع ما قبل شباط/فبراير والضغط من خلال اتفاقيات إقليمية جديدة تقيد تصرفات موسكو وملاحقة النظام هناك بتهم جرائم الحرب. ولن يختفي التهديد الروسي لأوكرانيا، نظرا لأن بوتين أقام غزوه على رؤية لا تعترف بوجود البلد أصلا، وفي غياب التهديد الداخلي والمعارضة قد يتعرض لنقد لكن لن يحمل المسؤولية، خاصة أن النقد ظل موجها على القيادة العسكرية. ولو تابعنا منشورات القوميين الروس وحلفاء بوتين على منصات التواصل الاجتماعي، كتلك التي ينشرها رمضان قديروف على منصة «تيلغرام» فالهجوم على القيادة العسكرية وضرورة تغييرها، وقد استجاب بوتين لها بتعيين الجنرال المسؤول عن قيادة العمليات في سوريا، سيرغي سوروفيكين.
تنافس وتهديد
في ضوء التزام الولايات المتحدة بأوكرانيا أصدر فريق بايدن استراتيجية الأمن القومي بمقدمة كتبها بايدن نفسها أعلن فيها نهاية فترة ما بعد الحرب الباردة رسميا، وحددت الإستراتيجية الصين وروسيا كأكبر تهديد للأمن القومي الأمريكي. وأوردت مجلة «بوليتكو» (12/10/20222) أن إعلان الإستراتيجية تأخر بسبب الحرب في أوكرانيا. ورغم تصنيف الإدارة للصين وروسيا كأكبر خطر على المصالح الأمريكية إلا أن هناك مجالا للتعاون معها لمواجهة التهديدات العالمية مثل التغيرات المناخية والتعاون مع روسيا مثلا في معالجة الملف النووي الإيراني. واعتبر بايدن أن العقد الحالي حاسم لدعم المصالح الأمريكية الحيوية. وستعمل أمريكا على تحقيق أهداف إستراتيجية الأمن القومي من خلال الاستثمار في الداخل، اجتماعيا واقتصاديا وعسكريا وبناء تحالفات وائتلافات وتحديث المؤسسة العسكرية الأمريكية. وسيسمح هذا لأمريكا مواجهة الأنظمة الديكتاتورية المتمثلة بالصين وروسيا. وقال مستشار الأمن القومي جيك سوليفان إن غزو بوتين لأوكرانيا لم يغير موقف بايدن من السياسة الخارجية بل وقواه. وتعكس لغة الوثيقة ما ورد في إستراتيجية الأمن القومي لدونالد ترامب عن «عودة التنافس بين القوى العظمى».
النفط كسلاح
إلا أن تعاون الولايات المتحدة في القضايا الدولية ليس ضامنا للنجاح وتحقيق أهداف الأمن القومي، كما لاحظنا في قرار أوبك+ خفض معدلات الإنتاج بمليوني برميل في اليوم، وهو ما قاد عاصفة انتقاد للسعودية باعتبارها زعيمة الكارتل مع روسيا. وحاول فريق بايدن تعطيل القرار لمدة شهر، حتى تمر الانتخابات النصفية. ما يعني دافعا سياسيا وليس حرصا على استقرار أسعار النفط. وبالنظر للعاصفة في الولايات المتحدة ضد السعودية واتهامها بالخيانة والوقوف مع روسيا كما بدا من تصريحات المتحدث باسم الأمن القومي جون كيربي، فالدول النفطية ومنها السعودية ترى أن القرار تدفعه العوامل الاقتصادية البحتة. لكن النواب الديمقراطيين ونقاد السعودية رأوا فيه تحولا في المسار واصطفافا مع بوتين وتدميرا لإستراتيجية عزله وحرمانه من موارد النفط لتشغيل آلة الحرب في أوكرانيا. ولا ريب فالعلاقات السعودية – الأمريكية تمر في أزمة، ولم تنجح قبضة بايدن لمحمد بن سلمان، ولي العهد والحاكم الفعلي في إصلاح العلاقات، وسط دعوات لمعاقبة الرياض وسحب القوات الامريكية وأنظمة الدفاع ومعاقبة أوبك ضمن قانون مكافحة الاحتكار. وتحدث بايدن إلى شبكة «سي أن أن» عن عواقب لقرار السعودية الأخير. وبالمحصلة فلم تنجح إدارة بايدن بإقناع بقية العالم الوقوف معها في الحرب ضد بوتين، وهذا واضح في دول الجنوب، وحتى الهند حليفة واشنطن لم تغير موقفها «المحايد» من الحرب في أوكرانيا وتوقف تعاملها النفطي والعسكري مع موسكو. ويظهر التناقض بين عالم الشمال والجنوب في استطلاع نشرت نتائجه صحيفة «الغارديان» (14/10/2022) ونظمه مشروع يوغوف-كامبريدج العالمي وشمل 25 دولة في العالم، واظهر أن الرأي العام الأوروبي لا يدعم تنازلات لبوتين بل ويطالب بمزيد من العقوبات الاقتصادية والعسكرية ضد الكرملين. وكشف التقرير عن دعم للعقوبات يتراوح من 57- 70 في المئة بدءا من فرنسا وألمانيا ومرورا بكندا والولايات المتحدة وبولندا إلى بريطانيا والدنمارك. وعبر الكثير من الغربيين عن استعداد لدفع الثمن لهذا بنسبة 66 في المئة في الدنمارك و63 في المئة في بريطانيا. وبعيدا عن المجال الغربي فالاستطلاعات في البرازيل والمكسيك وتركيا ومصر، السعودية والهند واليابان وتايلاند وكينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا، فقد أعربت عدة دول عن مواقف مؤيدة لروسيا. ودعمت نسبة 35 في المئة في تركيا وأندونيسيا ومصر والسعودية وتايلاند إرسال الناتو أسلحة ثقيلة لأوكرانيا.
ونفس الأمر يصدق على من يتحمل مسؤولية الحرب، حيث قالت نسبة 23 في المئة في مصر أن روسيا مسؤولة و26 في المئة في تركيا و34 في المئة في تايلاند 44 في المئة في نيجيريا.