الحرب في السودان: عودة شبح الإبادة لدارفور وأم درمان ساحة المرحلة الأخيرة للنزاع

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

في ظل انعدام الأفق السياسي بالسودان وعدم موافقة طرفي النزاع على وقف الحرب، تتواصل المواجهات ونزوح السكان إلى دول الجوار السبع. في وقت زاد فيه عدد القتلى عن 3.000 قتيل منذ اندلاع المواجهة في منتصف نيسان/أبريل الماضي وإصابة ما يزيد عن 6.000. وتعاني مدن في الغرب مثل الأبيض، في شمال كردفان من حصار طويل، أما الجنينة في جنوب دارفور فقد تركت فيها الجثث لتتعفن حسب شهادات المواطنين. وكشف عن مقبرتين جماعيتين ضمت الأولى 37 جثة من الأطفال والنساء وأخرى 50 رجلا، وكلهم يعودون إلى قبيلة المساليت، حيث اتهمت قوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو، حميدتي بارتكاب المجزرة، وسط نفي من الأخيرة. وقررت المحكمة الجنائية الدولية أخيرا فتح تحقيق في المجزرة، مع أن انتهاكات المدنيين متواصلة ورحلة الفارين إلى دول الجوار تكشف عن محاولات ابتزاز من عناصر الدعم السريع وقتل وحالات اغتصاب للنساء وخاصة في العاصمة الخرطوم التي تحولت منذ اندلاع الحرب إلى ساحة لحرب الشوارع، يحاول فيها الجيش فرض سيطرته على مناطقها الثلاث، الخرطوم، خرطوم بحري وأم درمان. وفي الوقت الذي التزمت فيه القوات السودانية المسلحة قواعدها في الغرب من البلاد تاركة الدعم السريع يبسط سيطرته على المناطق التي يحظى فيها بدعم من القبائل، يحاول الجيش استهداف خطوط الإمدادادت نحو العاصمة وضرب المناطق التي شددت فيها قوات الدعم السريع تفوقها.

أم درمان ساحة حرب

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» (11/7/2023) أن أم درمان أصبحت ساحة لأشد المعارك بين الجيش والدعم السريع، في محاولة كما تقول الصحيفة، منه لقطع الإمدادات عن مقاتلي الدعم القادمة من الغرب.
وقالت الصحيفة إن المصابين نقلوا بأعداد كبيرة في الأيام الأخيرة لما تبقى من المراكز الصحية العاملة في المدينة، حيث فارق بعض الضحايا الحياة مع وصولهم للمستشفى، وذلك بسبب المعارك الشرسة الدائرة في شوارع المدينة التي عرفت مرة بمستشفياتها وجامعاتها ومراكزها الثقافية والسياسية. ووصف طبيب في مستشفى النو التعليمي الوضع بأنه مثل «جهنم». وقال إن المستشفى تلقى في يوم واحد بالأسبوع الماضي 125 مصابا و 20 جثة ومات ثلاثة أثناء إجراء عمليات جراحية، واستخدم سيارته الخاصة لنقل جثث بعض الضحايا لعائلاتهم.
ونزح أكثر من 2.2 مليون نسمة داخل السودان فيما ذهب حوالي 700.000 لاجئ إلى تشاد ومصر وجنوب السودان، حسب أرقام منظمة الهجرة العالمية. وقالت الأمم المتحدة إن العنف الجنسي ضد النساء مستشر، حيث تم التعدي على بنات بعمر الـ 12 عاما حسب منظمة «سيف ذي تشيلدرن». وتقول الصحيفة إن الدعم السريع ومنذ بداية الحرب كان له حضور قوي في العاصمة، حيث سيطرت قواته على مصنع اليرموك للذخيرة الشهر الماضي، وعلى مناطق مهمة في شرق جسر الحلفاية وقواعد تابعة لشرطة الاحتياط في جنوب الخرطوم ووسط أم درمان. ويقول آلان بزويل، مدير برنامج أفريقيا بمجموعة الأزمات الدولية إن الدعم السريع وجه في البداية ضربة قوية للجيش، إلا أن الحرب دخلت الآن المرحلة الجديدة وهي «حرب خطوط الإمداد» وباتت أم درمان «في قلب المعركة» وحاول الجيش إضعاف العمليات من خلال هجمات برية وغارات جوية مكثفة ضد معاقل القوة شبة العسكرية بما فيها مجمع الإذاعة والتلفزيون في أم درمان. وشدد الجيش من حضوره في الأماكن الحساسة التي يسيطر عليها مثل قاعدة وادي سيدنا خارج الخرطوم ومقرات القيادة العامة. وفي خارج مناطق العاصمة لا يزال الجيش مسيطرا في الشمال والغرب، إلا أن الدعم السريع شدد من سيطرته على دارفور، وهي منطقة عانت من حروب وإبادة قبل عقدين، مع زيادة المخاوف من عودة العنف من جديد.

إبادة جديدة

وقالت مجلة «إيكونوميست»(6/7/2023) إن الجنينة تحولت لمدينة أشباح بعد اعتداءات قام بها مقاتلو الدعم السريع. وتظهر صور التقطتها الأقمار الاصطناعية أن مناطق واسعة من المدينة دمرت أو تضررت بسبب النيران إلى جانب اختفاء ومقتل ما بين 1.100 – 5.000 شخص. ومنذ بداية المعركة على الجنينة في نيسان/إبريل فر حوالي 180.000 مدني من المنطقة نحو تشاد. ومعظمهم من قبيلة المساليت، الأفريقية التي هيمنت ولوقت طويل على منطقة دارفور. ورأت المجلة أن ما يحدث في المنطقة مختلف اليوم، مع أن العناصر التي ارتكبت جرائم الأمس هي نفسها وإن غيرت أساليبها من الجمال والخيول إلى البيكب، كما لم تعد دارفور مصدر اهتمام العالم ولا حتى السودان، في ظل انشغال الجميع بالحرب في أوكرانيا. وتعتبر مناطق دارفور مصدر قوة للدعم السريع حيث دخلت زالنجي، عاصمة وسط دارفور وحققت انتصارات ضد الجيش في نيالا، عاصمة جنوب دارفور. وتهتم قوات الدعم السريع بمدينة الأبيض، نظرا لوجود المطار فيها ومصفاة تكرير النفط. واعتبرت حرب دارفور أول حرب إبادة في القرن الحادي والعشرين، وهي أول حرب جاءت نتاجا للتصحر والنزاع على المصادر الطبيعية والتغيرات المناخية، والمشكلة الرئيسية فيها هي أن من شاركوا فيها لم يواجهوا المحاسبة، بل وتعامل معهم المجتمع الدولي، وخاصة حميدتي كممثلين عن السودان الذي خرج من ديكتاتورية عمر البشير، وقد نقل حميدتي الحرب الآن إلى السودان كله، فحروبه لم تتوقف وكذا الحرب في دارفور، لكنها الآن أصبحت متركزة في العاصمة على أمل أن تتحقق السيطرة للدعم السريع على كامل البلد.

اجتماعات

وفي طرفي الحرب الدائرة في العاصمة تلعب المصالح الخاصة دورا مهما، ولا يهتم المتحاربان بمصلحة السودان، في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من توسع مجال الحرب وتفكك السودان وانهيار مؤسساته. ولم تنجح الجهود الدبلوماسية التي رعتها الولايات المتحدة والسعودية لوقف إطلاق النار، وتم خرق الهدنة في كل مرة تتوسط فيها الدول الخارجية-أمريكا والسعودية، حيث يحاول كل طرف تعزيز مكتسباته على الأرض. وجاءت المحاولة الأخيرة من الهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» التي دعا رئيسها، الكيني ويليام روتو إلى قيادة جديدة في السودان، ورفضت الخرطوم الدعوات لإرسال قوات أفريقية.
ومن هنا استضافت القاهرة يوم الخميس، 13 تموز/يوليو اجتماعا لدول الجوار السبع، وحضرته إثيوبيا ومصر وليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى ودولة جنوب السودان وإريتريا، ويعد الاجتماع الأخير جزءا من محاولات لكنه لن يحل المشاكل الأساسية. ففي الوقت الذي رفض فيه السودان الوساطة الكينية باعتبارها متحيزة للدعم السريع، إلا أن المبادرة المصرية، علاوة على تأكيد القاهرة نفسها باعتبارها المحاور التقليدي مع السودان، وبعد استبعادها من الجهود التي قادتها السعودية والولايات المتحدة، تأمل بتحقيق وقف إطلاق للنار لمدة ثلاثة أشهر وفتح المجال أمام لقاءات مع القيادات العسكرية والقبلية، ووعود باستمرار المشاورات في تشاد في الفترة المقبلة.
ودعمت مصر منذ البداية الجيش، نظرا لعدم ثقتها بحميدتي. وحظي الأخير بدعم الإمارات وأمير الحرب الليبي خليفة حفتر وروسيا من خلال مرتزقة فاغنر والمصالح المشتركة المتعلقة بمناجم الذهب التي بنى من خلالها حميدتي وعائلته إمبراطورية اقتصادية.

حرب وكالة

والغريب في النزاع الحالي هو غياب الإرادة الدولية، ممثلة بالولايات المتحدة ودول أوروبا المسؤولة أصلا عن اندلاعه، نظرا لدعمها للأطراف العسكرية وتهميشها القوى المدنية التي قادت الانتفاضة ضد نظام البشير. وتحول السودان الغني بالموارد الطبيعية، والذي يربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا، لساحة تنافس بين القوى الإقليمية. وأشار مقال في مجلة «فورين بوليسي» (12/7/2023) إلى أن السعودية خلافا للإمارات دعمت الجيش، حيث نظر البلدان للنزاع فيه بمثابة الفرصة لتعزيز نفوذهما. وقدم المقال رؤية عن إمكانية تحول السودان إلى المثال الليبي، يعمل فيه البرهان وحميدتي على بناء مناطق نفوذ، فالصراع على السلطة في مرحلة ما بعد معمر القذافي أدى إلى ظهور قوى متعددة، أبرزها النزاع الدائر بين مناطق الشرق وغرب ليبيا.
وترى المجلة أنه لو ظهر سيناريو كهذا في السودان، فستعزز الإمارات من دورها في البلاد وستتحول قوات الدعم السريع إلى صداع للبرهان وداعميه الخارجيين. وفي الوقت الذي تحالفت فيه السعودية والإمارات في اليمن، الذي يواجه تعددا في الحروب المحلية وتعددا في الأطراف الخارجية التي تلعب بمساره، إلا أن علاقة الرياض وأبو ظبي تحمل الآن إشارات التنافس الإقليمي. وقالت إن الشراكة السابقة بين البلدين تحولت لمنافسة وسط تطبيع السعودية علاقاتها مع إيران وسوريا ووساطتها بين الفصائل الفلسطينية. وفي السودان لعبت دول الخليج دورا مهما منذ الإطاحة بالبشير حيث مولت أبو ظبي والرياض على الفور المجلس العسكري الانتقالي، الذي تولى السلطة، بما قيمته 3 مليارات دولار من المساعدات. ففي ذلك الوقت، كانت المصالح السعودية والإماراتية في السودان متوافقة بشكل عام، وكلاهما ساعد في لعب دور في التحول الديمقراطي قصير الأمد في البلاد. وأعلن البلدان عن استثمارات طويلة الأمد في السودان، لدعم خطط تنوبع الاقتصاد. وركزت الإمارات على منطقة البحر الأحمر والزراعة. ولأن السعودية والإمارات من القوى الصاعدة في الشرق الأوسط، فقد أصبح كل منهما يسعى لتوسيع سيطرته على موارد السودان وطاقته وبوابات الخدمات اللوجستية من خلال التوافق مع البرهان وحميدتي، على التوالي. ورغم تكتم الإمارات على علاقاتها مع حميدتي إلا أن التقارير تحدثت عن كونه حارسا للمصالح الإماراتية في السودان، وخاصة مناجم الذهب التي تسيطر عليها شركة فاغنر، حيث يتم شحن الذهب من هذه المناجم إلى الإمارات في طريقه إلى روسيا.
وتنظر الرياض إلى انتصار الجيش السوداني باعتباره مكسبا يعزز من مكانتها العربية والإسلامية، أما الإمارات فترى أي انتصار للدعم السريع كنفوذ يضعف تأثير السعودية في الشرق الأوسط. ولا يعني أن الإمارات والسعودية هما الطرفان الوحيدان في النزاع السوداني الذي يتحول شيئا فشيئا إلى حرب بالوكالة مثل بقية النزاعات بالمنطقة من اليمن وسوريا وليبيا. وفي بداية النزاع كشفت تقارير صحافية عن إمدادات نفط وأسلحة من جنوب ليبيا إلى دارفور، ولكن موقع «ميدل إيست آي» (10/7/2023) كشف في تقرير عن تغيير خطوط الإمدادات بدلا من جنوب ليبيا، حيث تستخدم عشر قواعد عسكرية في شرق وجنوب البلاد لنقل الأسلحة والإمدادات إلى جمهورية أفريقيا الوسطى ومنها إلى السودان.
وتشمل الإمدادات النفط والأسلحة والأدوية لكن ليس بكميات كافية لحرف مسار الحرب. وتحدث الموقع عن التجارة غير الشرعية القائمة بين ليبيا والسودان وتشمل تهريب الذهب والحشيش والكبتاغون والسيارات المسروقة وغيرها. وقال الموقع إن معظم الدعم القادم من حفتر يمر عبر فاغنر.

الحرب ستدمر السودان

يسود خطاب الحرب وصوت المدفعية والطائرة على العاصمة المثلثة اليوم ويجتاح الخوف وحس الإبادة غرب السودان، واختفت أصوات القوى المدنية السودانية التي قادت التظاهرات وأطاحت بالبشير. وفي تقرير لصحيفة «الغارديان» (13/7/2023) حاولت فيه البحث عن أصوات الناشطين الذين خرجوا من العاصمة، وقال أحدهم إنه مع سلطة الجيش ضد ميليشيات الجنجويد التي لا شرعية لها، ولكنه ضد الحكم العسكري الذي يمثله البرهان أو حميدتي، وقد فر هذا الناشط بعد شهر من الحرب إلى ود مدني في الجزيرة. وحذر ناشط آخر فر إلى دنقلا من انهيار السودان وقال إنه يريد الحكم المدني وهو ليس مع الجيش أو الميليشيا، فكلا الجنرالين يعملان لمصالحهما الشخصية، وهو مع ثورة ديسمبر 2018 التي أطاحت بالبشير. ولخص آخر لم يستطع مغادرة أم درمان مع بقية العائلة، الوضع كالآتي «لا أصدق أن هذا يحدث في السوادن، ولا أعتقد أن الحرب ستؤدي لمستقبل أفضل لي وآمال كتلك التي حملتها أثناء الثورة».

أين المحكمة الدولية؟

ووسط هذا الظلام يتساءل الضحايا عن العدالة وعبثية الحرب وماذا تفعل الجنائية الدولية، فقد قالت سارة نوين من معهد الجامعة الأوروبية في فلورنس في مقال نشره موقع الجزيرة بالإنكليزية (13/7/2023) لا يمكن للجنائية الدولية أن تغض الطرف لمدة طويلة عن الجرائم الدولية التي ترتكبها قوات الدعم السريع والجيش. وتساءلت عن غياب المدعي المنشغل حسب موقع الجنائية بزيارات لجمهورية الكونغو الديمقراطية وفنزويلا وبالطبع أوكرانيا، في وقت أعدمت فيه قوات الدعم السريع حاكما في دارفور وقتلت صحافيين وأطباء وعمال إغاثة. وتعتقد أن واحدا من أسباب صمت الجنائية الدولية هو أنها وجهت قدراتها ومصادرها نحو مناطق أخرى، وتحديدا أوكرانيا، ولو صح هذا فسيؤكد المعايير المزدوجة للغرب، كما ظهر في التعامل مع اللاجئين الأوكرانيين. يعرف السودانيون ومن وقت طويل أن الجنائية لن تجلب السلام إلى بلدهم، فمشكلته متعددة والعدالة فيها مكون واحد. ويعرفون أن الجنائية لن تحاكم مطلوبا إلا إذا سلمه من في السلطة لها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية