الحرب في سورية والشرخ التاريخي في العالم العربي

حجم الخط
0

في شباط/فبراير الماضي وصل الرئيس الايراني السابق محمود أحمدي نجاد، في زيارة تاريخية الى القاهرة. واقترح على مضيفه، محمد مرسي، التعاون في مواضيع عديدة ـ بما في ذلك في المجال النووي. في مقابلة تلفزيونية قال احمدي نجاد ان ‘العلاقات بين القاهرة وطهران في اتجاه التحسن’. ولكن وفي اثناء زيارته الى مصر طفا على السطح التوتر التاريخي بين السنة والشيعة، والرئيس الايراني غادر القاهرة باحساس من خيبة الامل. وفي الاشهر التي مرت منذئذ عمقت ايران تدخلها في الحرب الاهلية في سورية، والتوتر الذي ظهر في مصر اصبح شرخا يقسم العالم العربي والاسلامي بين الشيعة الذين يؤيدون نظام بشار الاسد، والسنة، الذين يؤيدون الثوار.
لاول مرة منذ حرب الخليج في 1990، تنقسم الدول العربية الان الى كتلتين. في دور صدام حسين يقف بشار الاسد، الذي لا يزال ينتظر نهاية افضل من نهاية الطاغية العراقي، وفضلا عن الشرخ التاريخي في العالم العربي، أعاد الصراع الدامي في سورية الى الحياة الحرب الباردة: الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يقف بتصميم خلف الاسد، ويجر رغما عنه نظيره الامريكي، باراك اوباما للوقوف على رأس المعسكر المؤيد للثوار.
فضلا عن الدافع الديني للاخوان المسلمين برئاسة مرسي، فان التعلق بالامريكيين دفع المصريين الى أن يقطعوا هذا الاسبوع العلاقات مع نظام الاسد والوقوف بشكل لا لبس فيه خلف الثوار. فمصر متعلقة بالمال الامريكي، بالمساعدة العسكرية الامريكية وبالسفن التي ترسو في الاسكندرية وتزود بالغذاء عشرات الملايين من المصريين الجوعى. وقطع العلاقات مع سورية فاقم فقط، على اي حال، الصدع القائم بين القاهرة وطهران.

تطلعات أردوغان

الاردن، الذي تتدفق الى أراضيه جموع اللاجئين السوريين، يستضيف هذه الايام مناورة كبرى للجيش الامريكي، الذي نصب في اراضيه بطاريات صواريخ باتريوت وطائرات اف 16، كفيلة بان تسهل على الولايات المتحدة اذا ما تقرر فرض حظر جوي على سماء سورية. ولكن الملك عبدالله حرص على الاعلان بان المناورة غير موجهة ضد سورية، وفي هذه الاثناء يمتنع عن الوقوف بشكل معلن ومطلق ضد الاسد، رغم ان في اراضي دولته يدرب الامريكيون الاف الثوار السوريين. ومقابل ذلك، يتوقع عبدالله رعاية امنية امريكية في وجه سورية أو كل تهديد آخر على مملكته.
ولكن المقاتلين والتموين والذخيرة للثوار يتدفقون الى داخل سورية، ليس فقط من الجنوب بل وايضا من الحدود الشمالية مع تركيا.
اردوغان، الذي قبل أن يجد نفسه منشغلا بالاضطرابات التي اجتاحت بلاده، كان يتطلع لان يصبح زعيما اقليميا واسلاميا على نمط الامبراطورية العثمانية، يساعد الثوار. ومع أنه كانت توجد في الماضي علاقة وثيقة مع سورية، سارع الى الوقوف الى جانب الثوار ودعا الاسد الى الرحيل. ومن الحدود التركية تتدفق الى سورية مساعدات تمويلها سعودي وقطري، وهما ايضا دولتان سنيتان، سارعتا الى الوقوف ضد النظام العلوي المقرب من ايران الشيعية. اردوغان نفسه، بالمناسبة، يستخلص منفعة اخرى من تأييده للثوار في شكل هدوء نسبي من واشنطن، رغم القبضة الحديدية التي يتخذها ضد المتظاهرين في بلاده.

درس الاسد

المحور الشيعي ـ العلوي، الذي تجتذب اليه روسيا كسيدة عليا للاسد، تقوده ايران، التي توفر للنظام السوري الاف المقاتلين من الحرس الثوري، ولا سيما من منظمة حزب الله الخاضعة لامرتها. العراق هو الاخر، الذي توجد فيه أغلبية شيعية، يدعم الاسد، ولكنه لا يزال يحاول الانتعاش من سنوات حكم صدام حسين وسنوات الفوضى التي جاءت بعده، وليس بوسعه أن يمد الاسد بمساعدة على نطاق واسع. ولكن في الوقت الذي يتردد فيه الامريكيون والاوروبيون في ما وكيف يسلحون الثوار، يدفع المحور الشيعي نحو الاسد بمساعدات لا تتوقف، أدت في الاسابيع الاخيرة بكفة ميزان القتال الى أن تميل في صالحه.
ليس لان للاسد خيارات كثيرة، ولكن يمكن التقدير بان الشكل الذي يتصرف فيه الامريكيون مع الحكام العرب الآخرين ممن كانوا في الماضي حلفاءهم، دفعه اكثر فأكثر الى أذرع الروس والايرانيين. فقد شاهد الرئيس السوري ادارة اوباما وهي تلقي بنظيره المصري حسني مبارك؛ زين العابدين بن علي التونسي، الذي في بلاده بدأ الربيع العربي؛ بل وحتى رئيس اليمن، علي عبدالله صالح، الذي كان حليف الامريكيين في الحرب ضد الارهاب، الى خارج الحكم.
ولكن في نهاية المطاف، رغم التدخل الروسي العميق والانجرار البطيء للولايات المتحدة الى داخل الحرب الاهلية النازفة في سورية، فان هذه المواجهة الاستثنائية أعادت العالم العربي الى أيام الانقسام الديني التاريخي بين السُنة والشيعة.

معاريف 17/6/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية