الحرب هواء

شخصٌ آخر
دائماً كانَ هناكَ شخصٌ آخرُ وأنا وحديْ
حينَ مشيتُ لأوَّلِ مرَّةٍ في شوارعِ
باريسَ
كانَ يمشي معيْ
فحاورتُهُ كشخصٍ سأكونهُ يوماً!
دائماً هناكَ شخصٌ آخرْ
في محطةِ القطارِ
يلوِّحُ ليْ مِن بينِ المروجِ
فتنبُعُ من كفِّهِ تفاصيلُ قريتيْ
البعيدة
يركضُ نحويْ مثلَ غريبٍ
فأشمُّ رائحةَ العصافيرِ والغروبِ
والوسائدِ البيضاءْ
أشمُّ رائحتيْ التيْ سَرَقتْهَا
المعادنُ والأوبئة
هو الآنَ بصحبتيْ بعدَ أعوامٍ طويلة!
يعلوْ صوتيْ عندما أتحدَّثُ الفرنسيةَ
صدفةً أمامهْ
أحكي له عن ماكينةٍ درزَتْ أوَّلَ
أعواميْ هنا
فخرجْتُ منها ثوباً بحبكةٍ جديدة!
أحكي عن باريسَ: دهشةِ الأطفالِ
وانتظارِ الانتظارِ
والطريقِ الذيْ لا يؤديْ إلا إليهْ
عن خارطةِ الصَّدَماتِ أحكيْ
وعن اصطيادِ الأوكسجينِ
والخياراتِ التي تتماثلْ!
أحكيْ عنْ تشرُّديْ -عندما كنتُ مثلَهُ-
كجناحِ طائرٍ منتوفْ
أحكيْ لهُ معانقاً انتباههُ
بينما أعُبُّ كلاميْ كمجنونٍ في صحراءَ
وأمنحُهُ كما لو كنتُ أمنحُنيْ ما ضاعَ
منيْ
أنا وطنٌ غريبٌ للغريبْ
وطنيْ الغريبُ: الغريبْ
لكنَّنا لا نكمِلُ الحوارَ
فصوتُ القطارِ القادمِ يصفعُنيْ..
ليذكِّرَنيْ بأنِّيْ لمْ أزلْ هوَ!
18/6/2013
*أحتاج إلى شيء واحد فقط*
لا أحتاجُ إلا إلى شيء واحدٍ فقط:
أن أفكرَ في حياتيْ بشيءٍ آخرَ غيرِ
الموتْ
أحتاجُ أن تتناسانيْ النهايةُ البطيئةُ
لحظةً
كيْ أستطيعَ تقبيلَ قدميكِ العاريتينِ
دونَ أن تداهمَ أنفاسيْ شظايا العدَمْ
أحتاجُ أن أخرِجَ الجمرةَ التيْ تلتهمُ
الأوكسجينَ بقلبيْ
وبعدها سأفكِّرُ في شيءٍ آخرَ غيرِ
الموتِ
بينما أموتْ!
12/6/2013
*الحربُ هواء*
لم يشتعلِ الرعدُ والبرقُ في سماءِ
باريسَ اليومْ
إلا لأنَّ الطائراتِ والصواريخَ
مزَّقتْ ليلَ سوريا
ولمْ تلتهبْ قدَمُ ابنِ جارتيْ
إلا لأنَّ طفلاً دمشقياً غاصتْ إصبعُهُ
في جرحِه..
تلكَ الإصبعُ كانتْ تحبسُ الدِّماءَ
لكنها اغتالتِ المسافة
أمَّا الذينَ مرَّتْ عليهمُ الثوانيْ
مرورَ صوتِ المترو على حصى الأنفاقِ
فلمْ يدفعْهُمْ إلى الانتحارِ
سوى أبراجِ الكآبةِ في بلاديْ
الأرضُ: نافذةٌ
والحربُ: هواءْ!
19/5/2013
* *
* *
* *
*دورتُها ظلتْ أعواماً*
دورتُهَا غطَّتْ كُلَّ ملابِسِهَا
غطَّتْ عتباتِ البيتِ
وغطَّتْ جدرانَ العالَمِ
دورتُهَا الشهريةُ ظلَّتْ أعواماً
غطَّى الدَّمُ وجهَ الشمسِ
وما زالَ البحرُ المتوسِّطُ ينتظرُ
القمَرَ وحيداً
فلقدْ وَعَدَ البنتَ بأنْ يتزوَّجَهَا
في ليلٍ فِضِّيٍّ
والبنتُ النازفةُ تشبِّكُ نارَ
أصابعِهِا
جالسةً فوقَ بساطٍ من ريحْ
لكنَّ البحرَ هوَ البحرُ!
وسوريَّا دورتُها قَمَرٌ يولَدْ
7/6/2013
* *
*جاري ريكو*
في عينهِ نقطة حمراءُ جاءَ بها من أدغالِ
أميركا اللاتينية
النقطة كانت على ظهر فهدٍ
أهدى كل نقاطه كذكرى للمهاجرينَ إلى
الشمالْ
قال الفهدُ وقتها: لا نقاط بعدكمْ
لأننا سنصبحُ عما قريبٍ بلونٍ واحدٍ
كي نكونَ كما شاءَ الشماليونَ
فابنوا جنوبَنا في شمالهمْ
ولو من نقطةٍ حمراءَ كانت على ظهر فهدْ
/
جاري عرفَ أن الحياةَ الطبيعيَّةَ سلةٌ
مليئةٌ بالماءِ
فتزوج (الساكسفون) ورحلْ
آتي إليهِ
فيناديني بـ (أخي)
ولا يتذكرُ اسمي!
أصافحه
فتغوص أصابعي في الأدغالِ
ومناديلِ نساءٍ سودٍ
يغنين فوقَ التلالِ للانتظارِ
والغروبِ
وأبنائهنَّ الراحلينْ
يتكلم الفرنسيةَ مثلَ فهدٍ يلهثْ
ويفشل في أن يخرجَ من كوخه القديم بين
أشجار المطاطْ
يفشل في أن لا يرى البدرَ ساعةً كبيرةً
يذكِّرهُ منبهها آخرَ الليلِ بموعدهِ مع
اللاجدوى
وبأنَّ لجامَ حصانِ العبثِ هو العبثْ
/
ريكو جاءَ من غربِ الأرضِ
وجئتُ من شرقها
ولا نرى فرقاً بينَ ما تركناه خلفنا منْ
ضوءٍ وأشجار كينا
ولا بينَ البلاد
التي يعكسها ظلانا المنحنِيَانِ على
رخامِ الذاكرة
26/7/2013

سوريا/ باريس
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية