الحرب وأوهام الميثولوجيا

تظل صناعة الحرب من أكثر الصناعات بشاعة، وتحريضا على جرّ العالم إلى القتول العمومية، وإلى صناعة المراثي الوطنية، حيث تتحول إلى ما يشبه جرّ الثيران إلى حلبة الموت على الطريقة الإسبانية، فيكون كل ما فيها مدفوعا إلى الهياج، تتحفز فيها غرائز القاتل على مزيد من القتل، ولكي يؤكد لجمهور الفرجة أنه يؤدي وظيفة القاتل الشعبي، أو ربما يؤدي طقسا شعبيا بقطع النظر عن الضحية، ثورا كان أم إنسانا.
في العدوان على غزة يبدو أن لعبة القتل تحولت إلى طقس دموي، غرائزي تمارسه العسكرة الإسرائيلية، وكأنها تمارس من خلاله قتل الآخر الميثولوجي، فتبدو حربها الملعونة وكأنها تحرق ما على الأرض، مثلما تحرق معها البشر، وحتى الأرقام المهولة التي تتحدث عنها الجهات الصحية الدولية لم تتحوّل إلى وازع أخلاقي واخز أو رادع، لأن «اللاعب الإسرائيلي» ظل يمارس عبرها طقسه الميثولوجي، حيث يتوهم فيه أن البشر القتلى هم أشبه بـ»الثيران» الذين يصطادهم الفارس الإسباني بلذته في الحلبة..
القتل الإسرائيلي خرج عن كونه «قتلا حربيا» ليكون قتلا أخلاقيا، ينتمي للميثولوجيا أكثر من انتمائه لما يسمى بـ»قواعد الاشتباك» وهذا القتل لا يحقق نصرا إشباعيا، ولا استراتيجياً لأنه قتلٌ مُخجِل، الضحايا فيه بشرٌ غير مسلحين، وقواعد الاشتباك كما تقول بداهة «الكاوبوي» لا تقتل أحدا غيلة، أو تفرض عليه شروطا للرعب، أو توحي له بسطوة فكرة «الغلبة» غير المتوازنة، حيث تعني عندئذ فقدان الشرط الأخلاقي لهذه «الحرب»..

العالم وعقد الخجل الأخلاقي

العالم يعاني من عقدة الخجل الكوني، ومن الإحساس المازوخي إزاء رثاثة عدم تصريف الخجل، فـ»الإسرائيليون» يمارسون علنا الإكراه، والدفع في اتجاه تصديق خرافاتهم، وتسويغ هذه الحرب على أنها «دفاع عن النفس» وعن الخرافة ذاتها، رغم أنها في الحقيقة ممارسة تقوم على قتل الآخر وإرهابه، وعلى ربط فكرتها الغامضة بفكرة الدفاع عن «الغيتو» الميثولوجي، والمغالاة في فرض الكراهية على الأغيار، عبر طردهم من الأرض، وقتلهم غيلة وصبرا، والذهاب إلى تضخيم صناعة ذلك «الغيتو» السحري الذي لا تاريخ له، ولا مقدّس له، ولا علاقة له بـ»الهيكل» و»الكأس» كما تسوّق ذلك الميثولوجيات الصهيونية..

الحرب وخدعة المقدّس

ينطوي تحويل الحرب إلى خدعة عالمية، على فرضياتٍ يختلط فيها السياسي والتاريخي والثقافي، وفق ربط هذه الفرضيات بـ»المقدس» الذي ينتهكه «الإسرائيليون» كل يوم، فالقتل هو أول خطايا الوصايا العشر، وأنْ لا شيء يماثل القتل في خطيئته، وفي الخلاص منه، ولعل الرسالة التي رفعها مئات الكتّاب من مثقفين وشخصيات مدنية يهودية رافضة للعدوان على غزة، تؤكد تلك الحقيقة المُغيبة، إذ يعدّونها خطيئة عنصرية، وأنهم لا يربطون بينها وبين «معاداة السامية» فهذه الحرب سياسية وعنصرية وغير إنسانية، وربما أدرك بعضهم أن خطورة هذه الحرب ستمتد إلى المستقبل، لتهدد فرص التعايش المشترك، والقبول بالآخر، وعلى نحوٍ يجعل العالم بعدها ليس كما هو قبلها.
«العقل الإسرائيلي» يتوهم «خدعة المقدس» في توصيف هذه الحرب، فيطرحها بوصفها خيارا عصابيا، رغم أن هذا الخيار لا قداسة حقيقية له، فجعل منها حربا مفتوحة على الجميع، لكن الأخطر في طبيعة هذه الحرب، هو تصديق الغرب بالأطروحات التي سوّقها هذا «العقل» عن الحرب، حيث تحوّل الشرق الأوسط إلى سوق للأسلحة، وأن بحاره تحولت إلى ما يشبه بحار القراصنة، وبهذه التحولات والمواقف الغرائبية والمثيرة للجدل فقد هذا الغرب كثيرا من مصداقيته، ومن قاعدته الأخلاقية، ومن مثالية ديمقراطيته وليبراليته، لأن ما جرى ويجري تحوّل إلى فضيحة، وإلى تعرية لذاكرة التمثيل «الثقافي» للغرب الثقافي، إذ افصحت هذه السياسات عن موتٍ علني لـ»مركزية الميتافزيقيا الغربية» وجعلت من أنسنة الثقافة وكأنها نوع من الكوميديا السوداء. الخجل الثقافي الأمريكي بدا واضحا عبر البيان الذي أصدرته مجموعة من المثقفين الأمريكيين، وشملت مرجعيات ثقافية وعلمية واجتماعية متعددة، أكدت فيه أن ما يجري في غزة هو نوع من «الأبارتايد» أي التصفية العنصرية، وأن هذه الحرب/ العدوان هي محاولة لعودة الكولونيالية، ولفرض واقع مركزي متوحش يقوم على فرضية الأقوى الذي يجعل من خطابه في «المطابقة» رهانا على فكرة سيطرة النوع العنصري بوصفه نوعا حضاريا طاغيا، حتى إن قام على اساس قتل الآخرين والتجاوز على حقوقهم الطبيعية والمدنية والأخلاقية..

الخجل الثقافي الأمريكي بدا واضحا عبر البيان الذي أصدرته مجموعة من المثقفين الأمريكيين، وشملت مرجعيات ثقافية وعلمية واجتماعية متعددة، أكدت فيه أن ما يجري في غزة هو نوع من «الأبارتايد» أي التصفية العنصرية، وأن هذه الحرب/ العدوان هي محاولة لعودة الكولونيالية.

الرقم قد يبدو كبيرا، فـ»4000» كاتب وباحث وشاعر وسينمائي وحقوقي وأكاديمي جاهروا علنا بالموقف الرافض للعدوان، ومواجهة الاستراتيجية الأمريكية بنوع من الاحتجاج، وهم بهذا أكدوا مجددا على فشل «العقل الغربي» في تسويق الحديث عن «نهاية التاريخ» وعن متاهة البراديغم المتعالي، فالشعوب لم تعد تُصدّق بهذه النهايات الخادعة، ولا تخضع لاغواءات التبشير «الرأسمالي» بدعاوى فرجته الاستهلاكية، كما أن هذه الشعوب ليست «ثيرانا» كما يتوهم «الفارس» الطقوسي، لكي يمارس عليها لعبته في القتل، وربما ستكون أمام الحاجة إلى صناعة نوعٍ من «الثورات» الثقافية، والشعبوية، بوصفها ممارسة ضدية للحروب الإكراهية، وللعنصريات التي بدأت تصنع «كولونياليات» ثقافية تقوم على فكرة الإيهام بقتل الآخر، وإخضاعه إلى العقاب الأيديولوجي تحت يافطة «العقاب المقدس» وهي استعارة متوحشة وغير موفقة، وربما ستدفع إلى التورط بنوعٍ أكثر تعقيدا من حروب التحرر ذات المواصفات المفارقة، حيث حرب الطائرات المسيرة، وحرب الصواريخ والمعلومات، والعنف العقائدي، وغيرها من الأشكال التي لا أظن أن الغرب سيتحمل تداعياتها، لاسيما وأن نصف هذا الغرب يضج بالمهاجرين واللاجئين، الذين تُنتهَك هوياتهم «المقتولة» كل يوم، والذين يعيشون اللاندماج في مجتمعاتهم، وهذا ما يجعلهم عرضة للهياج المضاد وللعنف المضاد، فالغرب لم ينجح سياسا وحقوقيا وأخلاقيا في تطبيق أي استراتيجية لسياسة الاندماج، إذ ظلت هواجس العزل الهوياتي قائمة، ومكبوتة، وجاهزة إلى أن تتحول إلى فعل أو خطاب عدواني من الصعب السيطرة على إيقاعه.

عقدة الخطيئة قد تُصيب الكثيرين، وتُعرّض البعض إلى ضغوط كثيرة، تضطرهم للغياب أو الاستقالة، وأحسب أن إجبار رئيسة جامعة هارفرد على الاستقالة تدخل في هذا السياق، فتجعل من لعبة الصراع مفتوحا على تضادات ثقافية مفتوحة، قد تدفعها إلى خلق رأي عام ضاغط، وأحيانا عنيف، سيُزيد من مساحات الرفض والاحتجاج والمواجهة، وصولا إلى الاحتشاد والتجمهر، وعلى نحوٍ يتجه إلى الإشهار في فضح سياسات الضغط والكراهية العنصرية التي تمارسها «إسرائيل» على الآخرين، وعلى الجهات التي تتكئ عليها، ومنها قوة اللوثيان الأمريكي الذي يهدد الجميع بالعزل الثقافي وبالحروب الدقيقة وبالعقوبات الأمنية والمالية، وربما يعيد إنتاج صور «السياسة المكارثية» لكي تفرض توجهاتها الإكراهية على الآخرين، وإخضاعهم إلى نوعٍ من الإخصاء الأيديولوجي والثقافي، وبهذا فإن صناعة الحروب ستكون أكثر العلامات تهديدا للمستقبل، وللأمن المجتمعي ولحقوق الإنسان وبناء مؤسسات العدل والتنمية في دول تملك إراداتها وسياداتها الحقيقية والمسؤولة في الأمن والاقتصاد والسياسة..

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية