هنالك حبّ آخر. الأرواح فيه مجنّدة في جيشين مختلفين. لهذا هو حبّ الحرب والصخب والعنف؛ حبّ الآلام والجراح والملح المزيّف؛ حبّ الغيرة والهوس والإدمان والإذعان ومحاولات الإذلال والاستحواذ والاستعباد والاستيطان والمقاومة في صراع لا ينتهي على السلطة. حبّ النزق والحقد والشغف والشهوة والبكاء والجنون (‘أحبّك كمجنون، أحبّك كمحارب’ (Je taime comme un fou, comme un soldatô.)؛ حبّ القمصان الممزّقة والمرايا المكسّرة؛ حبّ الهدنة تلو الهدنة والسلام المفتعل والحرب الباردة. حبّ الحيرة الحقيرة: ‘إذا رجعتْ بجِنّ، واِن تركتَكْ بشقى، لا قِدرانه فِلّْ، ولا قدرانه إبقى، شو بكره حياتي لما بشوفا عندَكْ’. حبّ تتوالى فيه اعتصامات وتظاهرات تقودها الأفكار احتجاجاً على سلطة العواطف (أيظنُّ أنّي لعبة بيديه، أنا لا أفكّر في الرجوع إليه..)، والعكس عند الفراق البلاجدوى، إذ غالباً ما تعاد الكرّة (ونسيت حقدي كلّه في لحظة، من قال إنّي قد حقدت عليه، كم قلت إنيّ غير عائدة له، ورجعتُ… ما أحلى الرجوع إليه). وهكذا، تفرح الفساتين وترقص على قدمي العدوّ في الهدنة، إلى أن يعود الحقد ويعود أحد الطرفين ليرفع الراية البيضاء بدل الزهور حنيناً، ولو مؤقتاً، إلى السلام، كما قد يحنّ أعتى الجنرالات إلى التقاعد المبكّر وإلى دفء معسكراتهم الآمنة. حبّ بلا أخلاق؛ حبّ الحيلة والخداع والأجندات والوساطات والمفاوضات والتنازلات، حبّ مصيره غالباً الإنهاك والاستنزاف من الإيقاع السريع للأعصاب. مع ذلك هو المسمّى ‘حبّا’ عظيماً في كلّ الأغاني والأفلام والآداب؛ الحبّ الذي يكون نقيضه، في الطرف الآخر، الكرامة والكبرياء. منذ سوفوكليس والحبّ ‘وحش غاضب’، إلى نيتشه الواثق من فهمه للحبّ: هو في وسائله حرب، وفي مبدئه الكراهية القاتلة بين الجنسين، ويولّد نزعة حقيقية لتدمير الآخر. لذا أعجبته صورة العاشق كمصّاص دماء، ونموذج كارمن، الشجاعة القويّة، التي خاضت الحرب بلا إذعان فقتلها، في النهاية، دون خوسيه. كذلك معظم قصص الحبّ المستحيل فيها سفك دماء: ميديا قتلت أبناءها حقداً على زوجها؛ ديك الجن وعطيل قتلا من أحبّا؛ روميو وجولييت ماتا في النهاية؛ ماتيلد عشقت جوليان أكثر ما عشقته عندما دسّ السكين في صدرها، والأمثلة لا تنتهي. آرماند اشتهى مارغريت وهي في قمة المرض والضعف، وكان يقول لنفسه كم كان يودّ لو يقتلها كي لا تكون يوماً لسواه. هكذا هي إذن صورة العشق الأزلية: لعبة سادومازوشيّة. تكفي صدفة أغنية على إذاعة ما كلّ يوم لتعزّز حضور غلبة النوع من الحبّ، وكأن الآخر محض محبّة لا أكثر: ‘لم يحدث أبداً../ أن أوصَلَني حبّ امرأة حدّ الشنق/لم أعرف قلبَكِ واحدةً/ غلبتني، أخذت أسلحتي…/ هزمتني.. داخل مملكتي..’..
أحياناً لا تكون الجيوش متكافئةً قوّة ومهارة في فنّ الحرب القذرة، لكنّ ‘البعوضة تدمي مقلة الأسد’، والحرب قد بدأت فعلاً، صدفة وخطأ. للأسد في النهاية أن يعيش مع صورته، وعينه الدامية، والذكريات، لكنّه يبقى أسداً. أو له أن يصير بعوضة، روحاً، فتنتهي القصّة باستعمار سخيف طويل، أحد أشكاله الواضحة الزواج، إلاّ لمن أراد أكثر، وكانت الحريّة والكرامة واحتقار البعوض جزءاً من تصوّره عن الكمال. مصيره عندئذ مصير أسد المتنبّي، الذي يعيش أبداً ‘في وحدة الرهبان’ رغم كلّ ما فيه من شجاعة وعنفوان.
الأزمة أزمة إيقاع؛ أزمة موسيقى. كانت هي أزمة كلّ بطلات الروايات العظيمة، اللواتي لم يحتملن ضجر السلام. حاولن الحرب، وانهزمن شرّ هزيمة قادت أشهرهن، آنا كارنينا ومدام بوفاري، إلى الانتحار. أردن حبّاً بإيقاع، بلا ملل وبلا ألم، ولم يجدنه، ببساطة. ماتت كاثرين في ‘مرتفعات ويذرينغ’ ولم يكفها حبّ هيثكليف الذي كان يشبهها حدّ السأم، حدّ أنها هو، ولا حبّ إدجار الذي كان من معسكر روحيّ آخر.
كنّ يبحثن، كما يبدو، عن المستحيل. عن كمال هو ناقص أبداً. عن حياة في مكان آخر؛ حيث السلم بلا ضجر، والحرب بلا موت. كنّ حالمات، ببساطة، ومن طبع الأحلام أن تكسر الحالمين وتوطّن أرواحهم على احتمال الوحدة التي فيها ربّما أكبر سلام، وأكبر حرب، وأعظم انتصار.
‘لكنّي سأحلُم…’ (محمود درويش)